«قضيت ساعات في سيارة الإسعاف أكثر من التي قضيتها مع أسرتي وأصدقائي»، هكذا يلخص غازي سالم عكيلة «أبو حازم»، عمله كضابط إسعاف في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. «أبو حازم»، 56 عامًا، من سكان قطاع غزة، ويعمل في الإسعاف منذ عشرين عامًا، وقد شاهد واختبر خلال هذه السنوات، معنى الحرب وتأثيراتها المهولة في السكان المدنيين. الرجل الذي أمضى عقدين من الزمان محاولًا توفير المساعدة العاجلة للضحايا، رب أسرة مكونة من ثمانية أفراد، إذ يعيش مع أمه وزوجته، وستة من البنين والبنات. 

كيف تصف تجربتك خلال التصعيد الأخير؟

اعتبر الناس في غزة التصعيد الأخير «حربًا»، ولكنه كان يمثل أكثر من ذلك بالنسبة لي، لم نكن نتوقع أن نصل إلى بيوت مهدومة على أصحابها من أطفال ونساء وأسر بأكملها. لم نكن نتخيل أن نذهب لانتشال أسر بأكملها من تحت الركام.

الرعب والخوف كانا موجودين. كنا تحت ضغط هائل نتيجة للإصابات المتزايدة خلال الساعة الواحدة، لكن كان لزامًا علينا أن نحافظ على الهدوء والصلابة حتى نستطيع تأدية مهمتنا الإنسانية في حفظ الأرواح.

التحدي الأكبر كان بالنسبة لنا هو تحقيق الاستجابة الكاملة لكل نداءات الاستغاثة في نفس اللحظة أخذًا بعين الاعتبار الطاقات المحدودة لدينا. كنا نستقبل نداء استغاثة كل دقيقتين كمعدل خلال فترة التصعيد الأخير.

لقد عاصرت كل الحروب في أعوام 2008 و2012 و2014، ولكن في هذه الجولة [العنف الذي اندلع في أيار/ مايو]، كانت دائرة القصف واسعة، فقد طال القصف شوارع بأكملها حتى إن مقر الإسعاف والطوارئ الذي نعمل به تأثر. الشعور كان متناقضًا، ما بين الاتسام بالقوة وتحمل المسؤولية تجاه زملائي وباقي أفراد الطاقم، إلى القلق والخوف على عائلتي، والخوف على حياتي.

ما هي التحديات والصعاب التي واجهتها خلال الجولة الأخيرة؟

تحديد الموقع المستهدف كان أمرًا بالغ الصعوبة، وذلك بسبب عدم وضوح الإشارات التي ترد إلينا. أحيانا كنا نجد مكان الاستهداف بعيدًا بشارع أو اثنين عن المكان المبلغ عنه. هناك أيضًا صعوبة الوصول إلى الأماكن خلال وقت قصير جدًّا. كنا نتوجه للأماكن التي نتلقى نداءات الاستغاثة منها لنجد أن الناس بحاجة لوجود طاقم الإسعاف بجانبهم، على الرغم من عدم وجود إصابات. لقد ولد ذلك ضغطًا إضافيًّا علينا، ومنعنا من تقديم العون لكل المصابين وفي الوقت المطلوب. فالخوف الذي تولد لدى الناس جعل منا طوق نجاة لهم بغض النظر عن وجود إصابات من عدمه لديهم. أحيانًا لم نكن نجد أي وقت للراحة ولو لمدة خمس دقائق حتى نشحن طاقتنا ونكمل عملنا.

ما ميز هذه الجولة عن سابقتها، أنه كان من الصعب علينا أن نصل إلى المستشفى الرئيسي، وذلك نتيجة لتدمير الطرق والمفترقات الرئيسية المؤدية إلى المستشفى، ما استدعى أن نتخذ طرقًا التفافية حتى نتمكن من الوصول، وهو ما يعني زيادة في الوقت من أربع إلى ثماني دقائق إضافية عن الوقت الطبيعي، ناهيك عن سوء أحوال هذه الطرق الالتفافية، وهو أمر كاد يفقدنا حياة مصابين كنا نحملهم.

تصوير: سمر أبو العوف

كيف ترى التجربة الآن بعد إعلان وقف إطلاق النار في 21 أيار/ مايو؟

حتى بعد انتهاء التصعيد، لم أستطع تجاوز هذه المرحلة، لأني على الدوام أترقب أن تسوء الأوضاع مرة أخرى وأن نعيش تجربة القصف مرة أخرى. أنا ابن غزة وأعرف شوارعها وحاراتها. كلما كنا نتلقى نداء استغاثة، كنت أخاف أن يكون هذا النداء صادرًا من بيتي. كلنا في رحمة الرحمن، ولكنْ للخبرة دور رئيس في استمرار هذا العمل الشاق وعلى أكمل وجه. نحن لا نستطيع رد القضاء، ولكن كنت أدعو الله ألا أجد أحدًا من أفراد أسرتي من ضمن من أصيبوا أو ممن فقدوا أرواحهم.

كيف تصف أثر هذه الفترة على أسرتك؟

مشاعر الخوف والقلق كانت مسيطرة ليس فقط على عائلتي، بل على كل عائلات غزة. كان أبنائي ينزلون إلى الدور الأول عند والدتي حتى يخف وقع وصوت الصواريخ والقذائف عليهم، خاصة الصغار من أبنائي. كنت أرفع صوت التلفاز حتى يطغى على أصوات الانفجارات والقذائف، كمحاولة للتخفيف عن أسرتي وعن نفسي. وفي بعض الأحيان، كنت أكذب على أبنائي عندما كنت أتحدث معهم عبر الهاتف للاطمئنان عليهم، خاصة عندما كانت الانفجارات قريبة من مكان عملي. كل أهل غزة عانوا، وكل أهل غزة شعروا بالخوف والرعب، وكانوا على مقربة من الموت.

المؤلم أيضًا، أن معظم الإصابات التي نقلناها كانت في حالة انهيار نفسي نتيجة للتجربة المؤلمة، سواء نتيجة تعرضها لإصابات بليغة أو فقدانها لمنازلها وأحبتها. بعض الحالات كانت إصاباتها طفيفة، لكنها كانت في حالة انهيار عصبي وكان ذلك أصعب من تعرضهم لإصابة بليغة. لقد دربت نفسي على أن أتجاوز ما أمر به، لأنه لا يوجد إنسان على وجه هذا الكوكب يستطيع أن يحمل معه في قلبه وذكرياته ما يشهده خلال موجات العنف هذه.

تصوير: سمر أبو العوف

ماذا تأمل أن يحدث في المستقبل؟

أتمنى أن أعيش حياة طبيعية، آمنة، مستقرة سواء على صعيد العمل أو صعيد الأسرة. أود أن أرى المحبة تسود، وأحلم بأن أشهد اليوم الذي أرى فيه فلسطين دولة حرة. سأحال إلى التقاعد بعد نحو أربع سنوات، لكني مقتنع أن هناك جيلًا قادرًا على إكمال هذه المسيرة الإنسانية من بعد جيلي، بكل ما شهدناه من تحديات وصعاب. حلمي هو تأمين أسرتي كما صنع والدي معي.

كيف تصف التعاون بين جمعيات الهلال الأحمر واللجنة الدولية للصليب الأحمر؟

جميعنا في الميدان معًا وجنبًا إلى جنب كفرق إنسانية. الهلال الأحمر والصليب الأحمر توأم في العمل الإنساني على مر السنين. وأعرف العديد من الأشخاص العاملين في اللجنة الدولية ممن جمعنا واجب العمل في الميدان. فمعًا لا شيء يوقفنا.

نُشر هذا الموضوع في عدد مجلة الإنساني رقم 68 الصادر في ربيع/ صيف 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. لتصفح العدد كاملًا، انقر هنا.

للحصول على نسخة ورقية من المجلة، يمكنكم التواصل مع بعثاتنا في المنطقة العربية، وهم سيزودكم بإذن الله بما تحتاجون إليه من أعداد المجلة الحالية أو السابقة. انقر هنا لمعرفة عناوين وبيانات الاتصال.