لم يكن العيد بعيدًا. يومان اثنان. العيد الذي ينتظره الجميع بعد شهر من الصيام. أهالي غزة ليسوا استثناءً. يستعدون لقدومه بالفرح. تبدأ الأمهات بتجهيز الكعك وشراء الحلويات.

لكن أحبطت الحرب خطط إعداد كعك العيد.

بدأت القذائف الصاروخية تنهال في كل مكان مع صوت أذان الإفطار. عندها بدأت بتجهيز كاميرتي ومعدات التصوير، والتفكير في أماكن أرصد فيها آثار القصف. توجهت فورًا لشمال قطاع غزة إلى مستشفى «بيت حانون». أول ما التقطته كاميرتي صور لإصابات جُلُّها لأطفال. بدا لي ممرض يحتضن الطفلة «وفاء» التي لم تكمل سنتها الأولى في الحياة. كان المشهد مربكًا أصوات الصراخ في ردهات المستشفى تتعالى.  توالى تدفق المصابين. أكثرهم من الأطفال.

التحدي الأول

كان التحدي الأول الذي واجهته هو تحضير طعام الإفطار والسحور، والوجود في الميدان في آنٍ واحد. كنت أحاول التقاط الصور والعودة لإعداد الطعام قبل موعد الإفطار بدقائق. في اليوم التالي، وقبل موعد الإفطار بدقائق معدودة، قُصف برج «هنادي» غربي مدينة غزة. في دقائق، أنهيت إفطاري، وحملت كاميرتي، وتوجهت لتصوير المكان. تسمرت أقدامي تحت هول المشهد.

الغبار يملأ المكان ويحجب الرؤية، السكان هرعوا للشوارع، تاركين خلفهم كل شيء: مقتنياتهم وذكرياتهم. اختفى كل شيء كأنه لم يكن. اليوم الثالث [من القصف]، كان آخر أيام الشهر الفضيل. يومها، عدت إلى بيتي قبل أذان المغرب بنصف ساعة. توجهت للمطبخ، وفيما أنا أجهز الإفطار، بدأت الأخبار تتوارد حول إنذار تلقاه القاطنون في برج «الشروق» وسط حي «الرمال».

تركت كل شيء، وتوجهت لالتقاط صور للبرج أثناء قصفه. يقع هذا البرج وسط المركز التجاري في قلب المدينة، ويحتوي على الكثير من المحال التجارية. وفي مثل هذا الوقت من كل عام، نهاية رمضان وأيام العيد، كان يعج بالناس، وكانت محلاته تشهد حركة تسوق نشطة للأسر والأطفال.

تحول برج «الشروق» إلى كومة من الحجارة.

كنت أنتهي من التصوير، وأعود كي أعمل على تجهيز الصور وكتابة التعليقات لنشرها أولًا بأول. كمصورة صحفية أشعر أن رصد قصص الناس ومعاناتهم وإعلاء صوتهم هو ما أعانني على تحمل رؤية مباني وأحلام مدينتي تتهاوى أمام عيني.

انقطعت الكهرباء وتعطلت شبكات الإنترنت وشكل هذا تحديًا كبيرًا أثناء الأحد عشر يومًا [من العنف الذي اندلع في أيار/ مايو]. هذه مشاكل ليست جديدة علينا في غزة، ولكنها تضاعفت في ظل عدم وجود مكان ألجأ له لإنجاز عملي.

حاولت الحصول على أي قسط من النوم، على الرغم من صوت القصف الذي لا يهدأ. في صباح اليوم الثالث، استيقظنا على أصوات قصف رهيبة نسمعها لأول مرة. قصف كان كفيلًا بإرباك الجميع: رجالًا ونساءً وأطفالًا. تحركت بكاميرتي لأجمع ما يمكن جمعه من قصص الناس. هذه المرة، كنت أسجل بكاميرتي مشهد قصف لبرج آخر، برج «السوسي» والشوارع المحيطة. رأيت دمارًا هائلًا. لأول مرة أشاهد مثل هذا الدمار في الشوارع الرئيسية، تدميرًا للأرصفة وتكسير الطرق.

عدسة سمر العوف

ضغط مضاعف

أصبح الضغط مضاعفًا كمصورة صحفية وأم. الأمان الذي كنت أطمئن به أطفالي وأنا في الميدان كُسرت أولى قواعده. أصبحت أعيش في قلق وأنا بعيدة عنهم وهم يعيشون الشعور نفسه، فهدير الطائرات وأصوات الغارات الجوية المتتابعة أقوى من لحظات الشعور بالأمان.

توالت الضربات على المفترقات والشوارع والأبراج وأنا أعيش تحت هذا الضغط. هوت ابنتي شيماء في دوامة صدمة كبيرة، ما زاد من خوفي وقلقي من أن أخسرها نفسيًّا. كلما خرجت لأداء مهامي، تخاف أكثر. وجدت نفسي مضطرة أن أخفي عنها أماكن تحركاتي حتى أخفف من لحظات الخوف والقلق.

أبنائي يتفهمون طبيعة عملي لكن أصوات القذائف مرعبة. لم أرهم طيلة أيام الحرب سوى لوقت قصير. ساعة متأخرة من الليل. وما إن يطلع النهار، حتى أغادر لأكمل عملي. كان الهاجس الأكبر طوال وجودي في الميدان أن أرى أو ألتقط صورًا لأحد أفراد عائلتي أو أطفالي حتى تحت الأنقاض.

تحول هاجسي لحقيقة في مساء 12 أيار/ مايو. كنت في مستشفى الشفاء التقط صورًا للمصابين الذين يتدفقون إثر قصف في حي الزيتون شرق مدينة غزة، وقبل أن أرفع كاميرتي وجدت ابن عمتي أمامي. شعرت وكأن قلبي انتزع من مكانه. سألته عن سبب وجوده في المستشفى، فأجاب بأن ابنه من بين المصابين وأن إصابته خطيرة. أصبحت بين نار المواساة والتغطية الصحفية. ما أصعب أن تروي قصة أحبائك. ارتجفت أصابعي. من أين لي بالقوة لالتقاط صورهم؟

عدسة سمر العوف

عندما أعلنوا عن وفاة الطفل «محمود طلبة»، 15 عامًا، وهو ابن عمتي الذي عهدته مليئًا بالحياة. كيف سألتقط صورًا للجنازة وللحظات الوداع؟ كان إصراري على التقاط الصور أكبر من لحظات ضعفي. انتظرتهم في المستشفى قدمت التعازي ورفعت كاميرتي لالتقاط صورة أخيرة لوداعه. ذهبت إلى البيت حيث أمه وأخواته وأختي وأبناؤها. كنت ألتقط الصور ودموعي خلف الكاميرا تكاد تغشي رؤيتي.

ألتقط الصور لدموعهم وبكائهم وقلبي يرتجف؛ خاصة وأنا ألتقط صورًا لأخته «نغم» وهي تحتضنه. أحس بحجم الصدمة التي يشعرون بها. انتهيت من التصوير واحتضنتهم. جملة واحدة «محمود راح يا سمر». هنا ينخلع قلبي وأنا أودعها لأذهب وأكمل عملي في الميدان الذي لا يتوقف فيه القصف ليعلن عن ضحايا آخرين.

في كل مرة كان يشتد فيها القصف وأنا أتحرك في كل المحافظات لألتقط الصور أفكر في أطفالي. لكن الأمر كان مختلفًا في مساء قصف شارع الوحدة. في هذا المساء، كنت في البيت عندما بدأ القصف. اجتمعنا في الصالون. كنا كلما اقترب الصوت، ننظر إلى بعضنا البعض. نشعر أنه يقترب منا. بدأت أسمع صوت أشياء تنزل فوق السطح، حملت هاتفي وبدأت بالتصوير. كان البيت كله يتراقص. بعد أن هدأ القصف، كانت الضربات تبعد عني خطوات قليلة ولكني لا أستطيع الوصول إلى هناك بسبب الدخان الكثيف والرمل الذي كان يسقط فوق البيت. لم أنم تلك الليلة مثل الجميع. مع ضوء الفجر، توجهت للمكان.

كانت الصدمة أكبر من استيعابي.

قُصف شارع «الوحدة». انهارت عمارات. هرع رجال الدفاع المدني لإجلاء الأحياء ومن قضوا من تحت الردم من بينهم عائلة أبو العوف وهم أهلي.

لم أتخيل يومًا أن يُقصف هذا المكان الذي نعده أكثر الأماكن أمنًا في غزة. لم أعرف حينها من أين أبدأ التصوير: للدمار أم لرجال الدفاع المدني وهم ينتشلون الأطفال والنساء والشباب من تحت الركام؟ المشهد قاسٍ لا توثقه عدسة كاميرا. خيم الحزن على قلبي، تارة أمسك دموعي وتارة أمسحها وأنا ألتقط الصور بقلب مرتجف من هول ما رأيت.

كنت أشاهد رجال الدفاع المدني وهم ينادون إن كان هناك أحياء تحت الركام والأنقاض. كنت أسأل: كيف سيجدونهم؟ كم يومًا يحتاجون؟ أين ذهب الناس؟ كيف كان شكل الشارع قبل الدمار؟

أهذا شكل العيد؟

عدسة سمر العوف

تملكني الخوف. لا شيء آمن. كل مكان معرض للقصف. لا أمان خاصة بعد استهداف برج الجلاء. لحظة تلقي البرج إنذارًا بإخلائه، لم أصدق. قلت: «مستحيل».

عندما تأكد الخبر. ذهبت لمحيط البرج. وقفت بعيدًا أنتظر وأستعد لألتقط الصور لقصف البرج الذي طالما وقفت فوق سطحه ألتقط الصور لمدينة غزة. ها أنا اليوم أقف أمامه عاجزة عن فعل أي شيء. أقف لألتقط صورًا له وهو يُقصف ويتهاوى.

مع كل برج يقصف، كان الحي بأكمله يهتز، ومعه يرتفع عدد العائلات التي ينتهي بها المطاف في أماكن النازحين. كانت مشاهدة الناس وقت الهروب في بضع دقائق مرعبة. خوف الأطفال وبكاؤهم واحتضان الأمهات. شكل الخوف في عيونهم جميعًا. لا أنسى عند قصف برج «الجندي المجهول» وسط حي الرمال تلك الطفلة التي كانت ترجف، ليس فقط من الخوف، ولكن لأنها كانت مبتلة بالماء، فقد كانت تستحم لحظة قصف شقة في البرج. كان شكلها يوجع القلب.

وطفلة أخرى من البرج نفسه كانت تصرخ تريد أمها، فيما أمها بجوارها، لكن مع هول الصدمة لم تعرفها. كانت مغطاة بالتراب جراء القصف. من وجع قلبي، تركت التصوير واحتضنتها. حاولت التخفيف عنها.

في الساعة السادسة مساء يوم 17 أيار/ مايو، كنت في مستشفى الشفاء. تلقيت اتصالًا من ابنتي الصغيرة «سندس» وهي تبكي وتقول: «ماما في صاروخ نزل علينا». كانت هذه هي المكالمة التي لم أود سماعها يومًا. سألتها فورًا وأين أنتم الآن قالت: «في بيت بعيد قليلًا عن منزلنا». كان شعورًا لا يوصف. لا توجد كلمات تعبر عن ضعفي لحظتها. أنا أعرف جيدًا معنى صاروخ. لم أستطع أن أكمل المكالمة. ركضت مسرعة إلى بوابة المستشفى أريد الوصول إليهم لكني توقفت رغمًا عني لم تستطع أقدامي حملي لأصل إليهم. هزمتني دموعي وأنا أتخيلهم: كيف خرجوا من المنزل وهم يصرخون ويبكون. كيف كان حالهم لحظتها وأنا بعيدة عنهم.

تمالكت نفسي وتوجهت إليهم. كان حالهم صعبًا للغاية. لحظات خوف عاشوها قبل الإخلاء. بالكاد استطاعوا ارتداء بعض الملابس. أخفيت دموعي عنهم، اطمأننت عليهم، ثم عدت لأكمل مهمتي. اتخذت مكانًا قريبًا من بيتي لألتقط بعض الصور له.

تبين في اليوم التالي أنه لم يكن صاروخًا، ولكنها شظية صاروخ كبيرة اخترقت سقف البيت وأحدثت أضرارًا في البيت والحمد لله.

عدسة سمر العوف

في آخر أيام الحرب في مدينة رفح تقريبًا سقط صاروخ لم ينفجر على أحد المنازل. توجهت للمكان، وكانت الصدمة عندما دخلت للغرفة التي سقط فيها الصاروخ. حبس هول المنظر أنفاسي. صاروخ يزن طنًّا ونصف الطن سقط على سرير عائلة ولم ينفجر. وكان من لطف الله أن الأم وابنتها لم يكونا على السرير في تلك الليلة.

انتهت الحرب ولم تنته القصص. لا تكفي السطور لسرد قصص عودة النازحين ورثاء المفقودين، انتهت الحرب وانهارت في داخلنا مع كل صورة قصف ودمار كل معاني الاحتفاظ بالذكريات وحفظ وجوه الأحبة خوفًا من الفقد في أي لحظة.

كمصورة صحافية أعيش بين هذا الشعب نفس الظروف وأتقاسم لحظات الوجع معهم.. كانت هذه الحرب بلا مكان آمن لأي فرد ولا لأي شيء. وعلى الرغم من خطورة التغطية واستمرار القصف من دون أي هدنة للراحة، استطعت أن أوثق ما حدث بالصور وأن أكون من ضمن الطواقم الصحفية التي وثقت عدساتهم المأساة، واستطاعوا نقل الصورة الإنسانية كما يجب أن تصل.

نُشر هذا الموضوع في عدد مجلة الإنساني رقم 68 الصادر في ربيع/ صيف 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. لتصفح العدد كاملًا، انقر هنا

 

للحصول على نسخة ورقية من المجلة، يمكنكم التواصل مع بعثاتنا في المنطقة العربية، وهم سيزودكم بإذن الله بما تحتاجون إليه من أعداد المجلة الحالية أو السابقة. انقر هنا لمعرفة عناوين وبيانات الاتصال.