تُعد الطائرات المسيَّرة بدون طيار، أو الطائرات بدون طيار، مكونًا مهمًا في العمليات الجوية للّجنة الدولية للصليب الأحمر وتستخدم لزيادة الكفاءة والوصول إلى المدنيين الذي تقدم لهم اللجنة الدولية العون حول العالم. ورغم التحديات المستمرة، لا تزال مسألة الاعتماد على الطائرات بدون طيار لإحداث تأثير إيجابي في العمليات الإنسانية موضوعَ بحث وتقييم.

للعمليات الجوية دورٌ محوري في أنشطة اللجنة الدولية الإنسانية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عندما استخدم مارسيل جونود (Marcel Junod) الطائرات لأول مرة لإجلاء جنود إثيوبيين جرحى في أثناء النزاع مع القوات الإيطالية. وعقب الحرب العالمية الثانية، بدأ التوسع في العمليات الجوية بشراء عدد قليل من الطائرات.

ولكن عندما اندلعت في السبعينيات سلسلة من النزاعات التي أعقبت إعلان الاستقلال في أجزاء مختلفة من إفريقيا، تحولت اللجنة الدولية إلى استئجار الطائرات، ما أتاح إنشاء أسطول أكبر يتمتع بمرونة أكبر.

مع وجود أكثر من 20 طائرة تعمل لديها حاليًا، تنقل اللجنة الدولية بهذه الطائرات على نحو روتيني المرضى والجرحى والنازحين، وتسلم المساعدات الغذائية والإمدادات الطبية، وتنقل المندوبين والمعدات إلى المناطق التي لا تخدمها الرحلات الجوية التجارية.

باختصار، يعتبر أسطول اللجنة الدولية عملية لوجستية ضخمة ومنقِذة للأرواح.

 

طائرات مسيّرة في خدمة الشر.. وأخرى في خدمة الخير

ومع ذلك، لم تبدأ معرفة طياري اللجنة الدولية بالطائرات بدون طيار إلا في أوائل العقد الأول من القرن الحالي. إذ بدأت الطائرات العسكرية، التي تُسيّر بدون طيار وبدون جداول في مناطق الحرب، تشق طرقها عبر المجال الجوي بوتيرة متزايدة ومثيرة للقلق.

يقول «ميشيل شافنر»، رئيس وحدة عمليات النقل الجوي باللجنة الدولية: «لقد دخلت الطائرات بدون طيار إلى مجال تفكيرنا من الجهة الخطأ.” فخلاصة القول إنها “كانت تشكل خطرًا علينا.»

أكسب الاستغلال العسكري للطائرات بدون طيار في عمليات الاغتيال والاستطلاع هذه التكنولوجيا سمعة سيئة بين المدنيين المتضررين من الحرب، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والعاملين في المجال الإنساني. ولكن إن استخدمتها الأيدي الصالحة، فبإمكانها فعل الخير، على سبيل المثال عن طريق إيصال الإمدادات الطبية والدم أو مراقبة الحيوانات المهددة بالانقراض.

لكن وجود التكنولوجيا لا يعني بالضرورة وجوب استخدامها. لهذا السبب، بدأت اللجنة الدولية قبل عامين في دراسة أوضاع العمل الإنساني التي يمكن أن تشكل فيها الطائرات بدون طيار لا محض فائدة فحسب بل يكون اعتمادها ضرورة.

مزيد من البيانات، مزيد من الدقة

استخدام الطائرات بدون طيار لا يعني أنها ستحل محل الطائرات، ولكن توجد مناطق يمكن وصول الطائرات بدون طيار إليها ما يجعل العمليات الإنسانية أكثر كفاءة، ومجدية من حيث التكلفة.

يقول «ألكسي كليري» مدير الامتثال بوحدة عمليات النقل الجوي باللجنة الدولية: “علينا أن نركز على الحاجة، وعلى إضافة شيء ذي مغزى بالنسبة للسياق الميداني الذي تعمل به اللجنة الدولية.”

أما عالمة البيانات الجغرافية باللجنة الدولية، «تاو تون تات ويلان»، التي تستخدم بيانات المشهد الطبيعي التي تجمعها الطائرات بدون طيار لإنتاج عروض ثلاثية الأبعاد مفصلة ومليئة بالمعلومات المحلية، فتقول إن جمع البيانات هو مثال قوي وثيق الصلة بهذا السياق.

تستخدم وحدة عمليات النقل الجوي باللجنة الدولية في الوقت الحالي طائرة بدون طيار ذات أربع مراوح من طراز “Mavic 2 quadcopter” وطائرتين مجنّحتين من طراز “Ebee X”، مزودة بكاميرات متخصصة بجمع البيانات المرئية والمتعددة الأطياف والحرارية.

توضح «ويلان» أن رحلة واحدة فحسب يمكن أن تجمع صورًا مفصلة تغطي أكثر من 250 هكتارًا يمكن عرضها بعد ذلك من خلال برنامج كمبيوتر، ثم يمكن في غضون ساعات قليلة إنتاج صورة ثلاثية الأبعاد لمساحة من الأرض بدقة عالية على غرار صور برنامج غوغل إرث.

تقول «ويلان»: “البديل هو نشر فريق من المتخصصين في مسح الأراضي باستخدام أجهزة تحديد المدى بأشعة الليزر وقد يستغرقون أيامًا للتوصل إلى نتيجة مماثلة.” وتضيف قائلة: “استخدام طائرات بدون طيار هو وسيلة أرخص وأسرع وأدق.”

غالبًا ما تكون الصور الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية متاحة – لكن ليس على الدوام – غير أن شراءها قد يكون مكلفًا، وعادة ما توجد بدقة أقل بكثير، ويمكن أن تحجبها السحب، وهذه مشكلة أساسية في مناطق معينة، مثل الحزام الاستوائي أو أثناء إعصار. لتوضيح قوة ما يمكن تحقيقه من وراء جمع هذه الصور، تصف «ويلان» تجربة في جمع صور التقطتها طائرات بدون طيار في مركز تدريب إيكوجيا التابع للجنة الدولية بجنيف.

تتيح النماذج الدقيقة للمباني ومصادر الحرارة والتضاريس معلومات عن مناطق الكثافة السكانية المحتملة وطرق الوصول والأخطار وطبيعة الأرض. يمكن أن تساعد كل تفصيلة في البيانات العاملين في المجال الإنساني على الأرض في معرفة المناطق التي هم بصدد دخولها، ومن ثم الاستجابة بسرعة أكبر وعلى نحو مناسب.

هذا هو نوع البيانات الذي يمكن أن يوفر الوقت والمال، بل وينقذ الأرواح أيضًا. الإمكانيات وأوجه القصور تشمل أوجه التطبيق المحتملة التي تُختبر حاليًا تقييم الاحتياجات، وتقييم إمكانية الوصول، ومراقبة الزراعات، وكشف الألغام الأرضية، والبحث والإنقاذ، والتحقيقات الجنائية وتحقيقات الطب الشرعي. كل هذه المجالات تستعين بطائرات بدون طيار في الأماكن المفتوحة، إلا أن  «كليري» يقول إن مرحلة الاختبار اللاحقة ستنظر في استخدام الطائرات بدون طيار في أماكن مغلقة لإجراء عمليات جرد المخزون أو قياس مستويات العزل الحراري لتحسين كفاءة الطاقة في مباني اللجنة الدولية.

ومع ذلك، توجد أوجه قصور تؤثر على استخدام هذه الطائرات، مثل قِصر عمر البطاريات وأوقات الطيران، وغالبًا ما يكون أحد المتطلبات التنظيمية لتشغيل الطائرة هو تسييرها في نطاق الرؤية فحسب. وبرغم ذلك تظل الاحتمالات كثيرة ومتنوعة.

لكن اللجنة الدولية تتصرف في هذا الصدد بكل الحذر اللازم. «يقول كليري»: “ليست الطائرة بدون طيار مجرد أداة محايدة، لا سيما في مناطق النزاع.” ففي أماكن عديدة يخضع استخدام الطائرات بدون طيار لضوابط ويتطلب أكثر من مستوى بيروقراطي لاستصدار الموافقة والتراخيص والتصاريح، أو يُنظر إليها بعين الريبة بل حتى الخوف.

ويقول «كليري»: “من المهم أن نعي تمامًا ما الأمور التي تكون على المحك عند تسيير اللجنة الدولية طائرة بدون طيار”. ويضيف قائلا: “فالأمر لا يتعلق بمجرد جمع البيانات فحسب، بل بسمعة اللجنة الدولية وحيادها وعدم تحيزها. وهذه جوانب حساسة للغاية.” الشفافية والاستيعاب والتواصل كلها جوانب أساسية.

تضيف «ويلان» قائلة: “يجب أن تُحاط السلطات والمجتمعات المحلية علمًا بتسيير الطائرات حتى نضمن تجنب سوء الفهم؛ لأننا ندرك تمامًا أن الطائرات بدون طيار تعني أشياء مختلفة باختلاف الناس، لا سيما في مناطق النزاع.”

العمل الإنساني قبل كل شيء

لهذه الأسباب، فإن استخدام اللجنة الدولية الطائراتِ بدون طيار ليس محض قرار تمليه الظروف بل هو جزء من عملياتنا الجوية وترتيباتنا اللوجستية. يقول «كليري»: “يجب أن يكون استخدام الطائرات بدون طيار جزءًا من نشاط الطيران، وجزءًا من نظام بيئي كامل.” ويضيف قائلًا: “لقد أنشأنا مركزًا للطائرات بدون طيار لتبادل جميع المعدات وتيسير التدريب والمهارات اللازمة لتشغيل الطائرات بدون طيار.”

يعمل «كليري» و«ويلان» وزملاؤهما في وحدة عمليات النقل الجوي وفي مجال نظم المعلومات الجغرافية بكل جد لاستكشاف الإمكانيات التي تتيحها الطائرات بدون طيار، لكنهم يؤكدون أن مدار الأمر سيكون دائمًا خدمة التكنولوجيا العملَ الإنساني، لا العكس.

تقول «ويلان»: “لسنا نحن من يفترض بهم أن يقرروا فيمَ يمكن أن تُستخدم الطائرات بدون طيار، وإنما يجب أن ينبع هذا القرار من زملائنا والمجتمعات الذين يحددون الاحتياجات. أما نحن فنخرج بمبتكَر يلبي احتياجًا محددًا.”

نُشر هذا النص في الأصل بالإنجليزية على مدونة «انسبايرد» (Inspired)، وهي إحدى منصات اللجنة الدولية للصليب الأحمر المعنية بالكتابة والبحث عن الابتكار والتكنولوجيات الحديثة وكيفية توظيفها في العمل الإنساني. انقر هنا للاطلاع على المقال الأصلي. وقد نقل عاطف عثمان النص إلى اللغة العربية.