غادرت بيروت للمرة المائة أو الألف، لم أعد أذكر. توقفت عن العد منذ زمن. وفي المرة ما قبل الأخيرة قطعت عهدًا على نفسي بألا ألتفت إلى الوراء.

قلت أغادرها لآخر مرة دون عواطف. أقنعت نفسي بأنها لم تعد تشبهني، وأن لا مكان لي فيها. تزاعلت معها. ابتعدت عنها لأنها باتت مدجنة رهينة دائمة لفساد منظم. وصمتها بأنها «مدينة خيباتنا». فهي رغم التحركات الاحتجاجية لتحقيق العدالة الاجتماعية لم تتمكن من فك النحس الذي يلاحقها منذ السبعينيات.

لكني أعترف أنِّي حملت معي زعترًا من صنع أمي حتى أتنشق رائحة البلاد. طقس لم أبدله يومًا بعد سفرتي الأولى برفقة صديقتي زينب إلى الولايات المتحدة منذ عقدين من الزمن. أذكر أنني استهزأت بها لأنها حملت زعترًا وكاسيت لأغاني فيروز كانت تشغله صباحًا وقت الفطور «الترويقة»، فأنا كنت متحمسة للرحيل واكتشاف مدن أخرى. كنت أقول لها: «هذه أول مرة لنا في القارة الأميركية بلا فيروز وبلا نوستالجيا».

وها أنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى كلما غصصت بالغربة والبعد عن بيروت آكل الزعتر وأعتذر من زينب. صحيح أن انفجار 4 آب/ أغسطس غير طعمها ومزجها بدخان وزجاج لكنني مصرة على أن أعيده.

عندما حدث انفجار المرفأ لم أكن في بيروت، لكني وددت لو كنت هناك تحت الردم وليس في ضواحي نيويورك. تلك الشوارع كنت أمشيها يوميًّا تقريبًا وألتقي فيها إخوتي وأصدقائي. كثيرون مثلي يحاولون حتى اللحظة أن يتعايشوا مع إحساس الذنب، ونحن نعلم أن غضبنا لن يزول وربما ذاهب معنا إلى ما تحت التراب.

البكاء شبه المتواصل في الأسابيع الأولى كمن فقد عزيزًا، لحقه شهر ثانٍ من الغضب الصافي والكثير من الصمت. وحين بلغ الحزن أوجه بعد أن «نشف دمي» – كما نقول بالمحكية – في الشهر الثالث، قررت على الرغم من إجراءات الكورونا المشددة أن أتفقد مدينتي وأهلي. تكرار الفيديوهات بالصوت والصورة عبر الشاشات لم يعد يكفيني، ولم يكن من شيء ليواسيني.

وددت أن أكون بين أهلي هناك وأبكي مدينتي. زرت الأصدقاء الذين تضرروا جسديًّا ونفسيًّا بشكل قاسٍ ولاحظت شيئًا مشتركًا فيما بينهم. كانت عيونهم فارغة. وكأن انفجار بيروت امتص بريقها. كانت تتردد على ألسنتهم جملة واحدة «نجونا بأعجوبة». في ذلك اليوم حصلت «مليون أعجوبة» كما قالت لي صديقتي وملهمتي وداد حلواني رئيسة لجنة أهالي المفقودين والمخطوفين خلال الحرب في لبنان.

أحبائي لم يعودوا كما كانوا على الرغم من أن معظمهم عاش الحرب الأهلية اللبنانية. باتوا هشين أكثر من أي وقت مضى. فهل نجونا فعلًا؟

عندما دوى الانفجار الأول ولحقه الثاني صرخ البحر، تألمت الأرض، وغصت السماء إلى اليوم. دخان أصفر برتقالي وأسود خرج. ضغط هواء وريح عاصفة أزاحت بيروت ومبانيها وحصدت أكثر من ٢٠٠ قتيل من بينهم أطفال، والكثير الكثير من الشباب والشابات الذين لم يشبعوا منها، وآلاف الجرحى والمعوقين.

وصل وجع بيروت إلى أقاصي الأرض. تُرى ماذا نفعل بكل ما حل بنا؟ كيف نهضمه؟ كيف نمضي بحياتنا؟ كيف نواسي الذين فقدوا أحبتهم، كيف ننظر في عيونهم وعيون من مزق الزجاج عيونهم؟

أشاهد الفيديو مرارًا وتكرارًا لأتأكد. أزور المواقع المتضررة وأود لو أقرص المشهد لأقتنع بأنه حقيقي. تسأل نفسك كم اضطراب ما بعد الصدمة ستعيش في حياة واحدة؟ كم صدمة يمكن للإنسان أن يتخطى في حياة واحدة؟ وتتساءل عن كم الأسى الذي سينتقل في جيناتك للأجيال اللاحقة.

أتى الانفجار الأخير على كل شيء في داخلنا. لم نعد كما كنا… كأن الوحش الذي أخذ قرارًا بإحراق منطقتنا لا يكتفي، لا يشبع، لا يشفي غليله من مآسينا المتلاحقة. وكأن بيروت تقول لناسها «ارحلوا عني، تخلوا عني» هي التي كانت حين نمشي في شوارعها تبث فينا احساسًا بالأمان لا مثيل له. حيث الجميع يعرف الجميع. بعد التفجير، يتضح لك أن هذا الشعور بالأمان ليس إلا سرابًا انفجر في وجهك مقتلة لأحبابك!

لكن بيروت مدينة لا تقبل برحيلك عنها. تعيش في حواسك الخمس وكلما حاولت قطع علاقتك بها تغويك بالعودة إليها لا محالة. صوت بيروت في أذنك. صحيح أن الانفجار غير صوتها… بات صوت صفير يرافقه صوت أجهزة إنذار السيارات وتحطم الزجاج. صوت طقطقة الزجاج تحت نعال الناس الباحثة عن مستشفى لم يدمر.

في لحظة واحدة تبدل صوتها. أصبح أقسى من صوت القذائف، والرصاص… لكن حين تزور بيروت تعرف بأنها مصرة أن تسترجع صوتها الحقيقي. صوت زحمة زمامير السيارات. صوت موج البحر الذي يتكسر على صخرها. صوت بائعي الخضار والقهوة وعرانيس الذرة على كورنيشها. وصوت جارة تدعوك لفنجان قهوة.

ما قبل الانفجار ليس كما بعده. أنا لست ما كنت عليه. أنا رحلت مهزومة لكني الآن بت مصدومة. أفكر بالانتقام وجدواه وأتصارع مع نفسي. أهدأ قليلًا حين أصر على تكرار كلمات مارتن لوثر كينغ الشهيرة: «على الإنسان أن يطور لكل نزاع بشري أسلوبًا يرفض الانتقام والاعتداء (العنيف). أساس هذا النهج هو الحب».. بعد الانفجار ستستسلم لإحساس بأنك متعلق بهذه المدينة ومولع بها. ستعود لكلام مارتن لوثر كينغ، فالاستمرار في حبها هو الإجابة على الشناعة التي ارتكبت بحقها.

ربما، أو على الأرجح، لن نتمكن من تحقيق العدالة للضحايا، وربما كذلك لن نتمكن من معرفة الحقيقة. ولكن إنسانيتنا تملي علينا أن نستمر ونعيد ترميم ما تبقى منا ومنها. كل ما علينا أن نطمئن إليه اليوم هو أن بيروت ليست لأحد. ليست لنا بل هي بداخلنا وجزء منا. نحن من أحببناها، من أغرمنا بها. بيروت، اليوم أكثر من أي وقت مضى ليست للأوغاد مهما كانوا. هي تبقى وهم إلى زوال لا محالة.

صحيح أن بيروت اليوم حزينة لا تبادلنا الابتسامة، لكنها مدينة تستحق حبنا لها. تستحق أن نحميها. فهي مدينة تحمل دفء المتوسط وهي فسحة تتوق دومًا للحرية. مهما أردت مغادرتها تبقى بداخلك. تناديك. ترمي لك بحجج صغيرة لتدفعك لتزورها. وكأنها عشيقتك المتلاعبة بإحساسك، المسيطرة على كل تصرفاتك. تلزمك مرارًا بأن تقبل بحب من طرف واحد. كعاشقة ولهانة ستبقى تهمس لك في أذنك مهما قررت الابتعاد. وعندما تصمم على تركها تفشل. كآخر جملة من أغنية فريق الإيغلز الشهيرة «أوتيل كاليفورنيا»: «بإمكانك أن تدفع [فاتورة الفندق] في أي وقت… لكن لن تتمكن من المغادرة».

ظهر هذا النص في العدد 67 من مجلة الإنساني.

اقرأ أيضا: زينب غصن، هي بيروت…