الحرب والعراق والموسيقى، قضايا ناقشناها في حوار نُشر قبل 13 عامًا في مجلة الإنساني. 

تبدو المسافة الجغرافية بين القاهرة وبغداد كبيرة جدًا غير أن الجغرافيا والحرب الدائرة في العراق، وإن أبعدتا الفنان العراقي نصير شمة عن وطنه إلا أنها لم تستطع أن تباعد روحه عن أهله وذكرياته وماضيه. وهو اليوم، من قلب القاهرة القديمة وفي بيت يزيد عمره عن الثلاثمائة عام أصبح اسمه اليوم “بيت العود”، يروي “للإنساني” قصته مع الحرب والعلاقة التي تربط موسيقاه معها ومع ضحاياها.

منذ العام 1993 وأنت بعيد عن العراق، وخلال كل هذه السنوات مر عليه حصار واحتلال وحروب فكيف ترى من “بيت العود العربي”، من القاهرة، عراق اليوم؟

اختياري لهذا البيت، “بيت العود”، له علاقة بالعراق. فهذا البيت لا يختلف كثيرًا عن البيت الذي ولدت فيه إلا في بعض الفروق في التفاصيل بين العمارة العباسية والعمارة الفاطمية. لكن الخشب والحجر نفسه. فبعد سنوات من العمل في الأوبرا اخترت هذا المكان وطلبته من وزير الثقافة المصري من أجل تخصيصه كبيت للعود لإحساسي أنني في منطقتي.. في بغداد القديمة.. وهو اختيار يرتبط أيضًا بإحساسي الدائم ببيئتي وثقافتي وانتمائي ومحل ولادتي. أما ما يحصل في العراق اليوم فأنا أتابعه يوميًا. ففي كل شبر من بغداد لدي أصدقاء أو أهل.

متى كانت آخر مرة زرت فيها وطنك؟

أنا غادرت العراق في العام 1993 وعدت إليه مرة مع وفد من الأطباء المصريين لنكسر الحصار المفروض عليه. وكان الوفد يضم حوالي 40 طبيبًا جراحًا وأعضاء في مجلس الشعب وفنانين. حينها كانت المرة الأولى التي تمر قافلة إلى العراق عن طريق سوريا.

لكن يبدو أن بعدك لم يمنعك من العمل من أجل دعم المدنيين العراقيين ولا سيما الأطفال فما قصة مشروع “مجلس ثقافة ورعاية أطفال العراق”؟

عملت كثيرًا على أن يكون لي مكانة أخدم من خلالها الإنسان في كل مكان، وليس فقط الإنسان العراقي. فكلما كان هناك حاجة لوجودي أكون موجودًا. ولعل بناء اسم في العالم يجعلك تجد آذانًا مصغية عندما تريد أن تقوم بعمل إنساني. وأنا حاولت أن أبني سمعة طيبة من خلال عملي الموسيقي والإنساني وأثمرت هذه الجهود تجاوبًا من أي شخص أطلب منه علاجًا لأطفال عراقيين من خلال مشروع “مجلس ثقافة ورعاية أطفال العراق” الذي يعنى بتبني ملفات طبية لأطفال العراق.

وهذا المشروع تمكن حتى الآن من علاج 55 طفلًا على حساب ملك البحرين. والآن وصلنا إلى 150 طفلًا في الإمارات يعالجون على حساب رئيس الدولة. وما زال العمل مستمرًا فخلال الأشهر المقبلة يتوقع أن تتبنى قطر 200 طفل عراقي ملفاتهم معي وهم بحاجة إلى عمليات جراحية سريعة. كذلك هناك اتصالات مع السعودية.

كيف تستطيع متابعة هذا الموضوع مع كل المشاغل الأخرى؟

لا أخفيك أنني قصرت كثيرًا في الأشهر الأخيرة تجاه حفلاتي وظهوري الإعلامي واليوم كثفتها كي يكون هناك وقت أكثر للعمل في المشروع. وأكثر ما يؤثر فيّ هو رد فعل الأطفال وعائلاتهم ودعوات آبائهم وأمهاتهم وهم يرون أطفالهم يعودون إليهم وهم يضحكوم ويتكلمون ويمشون وينبضون.

لا شك أن عدد الأطفال الذين هم بحاجة لهذا النوع من المساعدة كبير جدًا نظرًا للوضع الأمني والسياسي السيئ في العراق فكيف يتم اختيار الأطفال الذين هم بحاجة إلى المساعدة؟ وإلى أي مدى تستطيع أن تتابع هذه الحالات؟

هناك لجنة طبية في بغداد هي التي تتولى الملفات وتثبت الحالات التي ينبغي أن تعالج خارج العراق وترسل ملفاتها إليّ بالبريد السريع حيث أقوم بعرضها على الجهات الراغبة بالمساعدة. وبالطبع أتابع كل حالة وأعرف كل الحالات بأسمائها وأزورها في كل بلد للاطمئنان على كل حالة. لكن المشكلة تكمن في تأخر حصول بعض الحالات على العلاج. فهناك مثلًا حالة واجهتنا حيث وصلت إلى البحرين ولم يكن لها علاج. كما أن هناك حالات كلما تأخرت أصبح علاجها أصعب.

ما الذي جعلك تفكر بهذا المشروع؟ ولماذا الأطفال بالتحديد؟

لأنهم المستقبل. فالبالغون يجدون دائمًا من يساعدهم. وهم قادرون على الذهاب إلى المؤسسات الإنسانية وطلب المساعدة ولكن الطفل لا حول له. وتركيز المشروع هو على الأطفال والعائلات المهمشة خارج المدن.

هل ترى علاقة ما بين الموسيقى والأطفال؟

التلقائية التي تخرج من الموسيقى وتسمى موسيقى وإبداعًا يشبه اللحظة الطاهرة والنقية مع طفل. فالذي يشعر بقيمة الموسيقى لا بد أن يكون قريبًا من الأطفال.

من مكانك البعيد هنا في القاهرة هل يمكن للموسيقى، لموسيقاك، أن تعبر عن العراق وعن أحاسيسك تجاه ما يحصل فيه؟

لا شيء، ولا مخلوق، قادر على أن يعبر عن أي من الجرائم التي تحصل في العراق. وأنا عندما أكتب عملًا عن بغداد لا أقصد به بغداد مباشرةً بل أقصد أن أنفس عن الانفجار الذي في داخلي وهو إنقاذ لنفسي أكثر منه تعبيرًا عن شيء ما.

إذًا أنت تنطلق من ذاتيتك لتعبر عما يحصل وليس العكس؟

 ليست الذاتية. أنا لولا الموسيقى لكنت مت من زمان.. لكان دماغي انفجر من هول ما يحصل. هي ليست ذاتية بل حاجة. وحاجتي أن أعبر عن الغضب في داخلي تتحول عبر الموسيقى. ثم تصل إلى الناس وتجد تأثيرها لديهم لأنها صادقة وتلقائية.

يبدو من خلال موسيقاك والحزن والشجن الكامن في الكثير من القطع التي ألفتها وكأن لك علاقة قديمة مع الحرب.

أنا عشت حروبًا عدة منها الحرب مع إيران ثماني سنوات، ثم حرب الخليج الثانية في العام 1991. وكنت جنديًا في خدمة العلم فرأيت كل أنواع الحرب والقتل والإعاقة التي أصابت الإنسان من حولي. لذلك كانت أعمالي مرتبطة بالبيئة والأحداث المحيطة بي. وكانت حاجة لي أن أؤلف عملًا يعبر عن الحرب والسلام وهي حاجة ظهرت في عدد كبير من أعمالي لأن محيطي كان كله حربًا وقنابل ومعوقين وشهداء وقتلى وأسرى وأرامل وثكلى وبالتالي كان لا بد من عمل موسيقي يحاكي هذه الأحداث ومستوى الألم.

ليست العلاقة على ما يبدو في التأليف فقط بل أيضًا في طريقة العزف على العود. فأنت طورت مؤلفات وتقنية تمكن العازف من العزف بيد واحدة فقط على العود.ما الذي جعلك تفكر بتقنية كهذه وتهديها للمعوقين ممن فقدوا يدًا؟ 

كان لي صديق يحب عزف العود ويريدني أن أعمله فاتفقنا على أن أقوم بذلك لكن أتت الحرب وذهب كل الشباب للقتال وأنا وصديقي كنا طلبة فأخذنا أيضًا. وبعد أربعة أو خمسة أشهر عاد إليّ بيد واحدة بعد أن فقد يده اليمنى. وجاءني في نهاية إحدى الحفلات ليقول لي أن الحرب صادرت حلمه فشددت على يده اليسرى ووعدته أن هذه اليد ستعزف في الحفلة المقبلة. وهكذا كان.

هل استطعت أن تخرج من تجربة الحرب سليمًا؟ 

كلا. الحرب تترك ندوبًا في الروح لا يمكن أن تزول. فقط ندوب الجسد يمكنها أن تذوب لكن ندوب الروح لا تزول.. فالحرب توجع في الصميم وتأخذ ذكرياتك وأحبابك وتغطي شعبًا كاملًا بالسواد. وترسم الندوب التي تتركها معالم الحرب في العيون وتحت العيون والروح ونبرة الصوت، وكل الانفعالات الإنسانية فيما بعد تتأثر بالظروف السيئة التي عشناها في الحروب.

نصير شمة في بيت العود بالقاهرة. صورة أرشيفية من 2007. تصوير: ناصر نوري/ رويترز.

لكن يقال إن الإنسان يعالج نفسه بالتعبير فالكاتب يعالج نفسه بالكتابة، هل أنت كموسيقي تعالج نفسك إذًا بالتأليف؟ الكتابة والموسيقى وسيلتان للتعبير عن لحظة الألم لكنها ليست لحظة علاج.

أنا حتى اليوم لا أستطيع أن أنسى أصوات الصواريخ التي كانت تنزل على الناس وهول صوت القنابل التي تطلع من البحر. واليوم كلما أرى طفلًا عراقيًا مشوهًا نتيجة يورانيوم أو قنبلة عنقودية أو كيميائية محرمة ألعن الحرب صباحًا ومساءً.

مع ذلك يبدو وكأنك تجلد ذاتك أحيانًا عندما تؤلف الموسيقى. فعندما كتبت موسيقى “العامرية” المستوحاة من مجزرة ملجأ العامرية الذي قصفه الأمريكيون وذهب ضحيته أطفال أبرياء جلست في الملجأ الذي قصف لماذا؟ ألم يكن من الممكن أن تشعر بما حصل من أي مكان آخر دون الحاجة إلى الجلوس في الملجأ؟ 

كلا أنا أردت أن أشعر بوجعهم. بعد خمسة أيام من الجلوس في الملجأ بدأت أسمع أصوات الناس والأطفال لحظة الضرب وأرى حتى وجوههم كالملائكة تتطاير وسط الملجأ… وكنت في حالة عجيبة. هناك 6 أو 7 أشخاص خرجوا أحياء مع جروح أو حروق من الملجأ عندما قابلتهم حاولت أن أعرف منهم مدى هول الذي حصل لكن الوصف الذي وصفوه لي كان أقل بكثير من لحظة الاحتراق الذاتي التي كنت أعيشها وأنا في الملجأ.

وفي المرة الأولى التي عزفت فيها هذه القطعة، في الذكرى الأولى، كان ذلك في الملجأ نفسه. لذلك أثر هذا العمل في وجدان الناس وأفضل الأعمال برأيي هي التي تكتب في محيطها الأصلي. اليوم إذا أردت أن أكتب عملًا عن العامرية أكتب عملًا آخر لكن الجو المحيط في تلك اللحظة ورائحة الأطفال وقطعًا من ملابسهم وقطعًا من كتبهم كلها كانت مفردات القطعة الموسيقية. وفي كل مرة أعزف “العامرية” أعزفها من وجهة نظر أحد الأطفال لذلك أنا قررت أنه عندما يصل عدد المرات التي أعزفها فيها إلى 840 مرة بعدد الأطفال الذين ماتوا في ذلك الملجأ سأتوقف عن عزفها.

عندما عشت لحظة العامرية تقول أنك رأيت الأطفال.. نحن اليوم في زمن الصورة، وهي المسيطرة على الناس. إلى أي مدى ما زال للموسيقى مكان في عصرنا هذا؟ 

الصورة قد تعطي شكلًا واحدًا وبعدًا واحدًا وعلى أبعد تقدير هي ثلاثية الأبعاد ولكن الموسيقى تعطي لكل إنسان صورة خاصة ولكل إنسان بعدًا خاصًا يختلف بمدى تذوقه وثقافته، ولكل منها جماليات مختلفة وبالتالي هناك الكثير من الصور التي تنتج عن الموسيقى. لذلك عندما اقترح علي العشرات من المخرجين أن نعرض ورائي، خلال عزف العامرية، صورًا فرفضت لأن ذلك يشوه القطعة. فعندما نضع صورة واضحة المعالم بينما الحالة فيها كم من الصور والمشاعر الكثيرة فإن ذلك يحدها ويضعها في إطار ضيق.

ومع ذلك تحولت هذه القطعة إلى أكثر من 40 عملًا وثائقيًا ومسرحيًا وتناولتها معارض لرسامين عراقيين وعرب وأوروبيين وكتب ما بين 30 إلى 35 عملًا حولها لأن ما يميزها أنها أرشفت لجريمة كبيرة.

عندما تحاول الكتابة عن قضايا فرحة لا علاقة لها بالحرب.. من أين تستوحيها؟

أستوحيها من الشعر والحب وطفل.. من ابنتي ليل.. من أي إشراقة في الحياة أحاول أن أستعيرها وأبحث عما هو مفقود في شخصيتي وأحتاجه. فأنا أذهب للفرح لأنني أحتاجه وليس لأنه موجود في داخلي.

مقتطفات من حوار نُشر  في العدد 40 من مجلة الإنساني الصادر في خريف 2007.

جدير بالذكر أن الفنان العراقي الكبير نصير شمة قد تعاون العام الماضي مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وأنتج فيديو موسيقي يحكي تاريخ ومستقبل قوانين الحرب. انقر هنا لمشاهدة الفيديو.