في حزيران/ يونيو الماضي، توقف برنامج «الدحيح» على منصة AJ+ بعد 3 سنوات من إنتاج عشرات الفيديوهات التي تبسط المعرفة العلمية، وتشتبك مع مفاهيم معقدة، محرزة نجاحًا كبيرًا سواء في عدد المشاهدات على منصة يوتيوب، أو في المناقشات الثرية حول محتوى البرنامج.

«الدحيح» برنامج تثقيفي ترفيهي هدفُه تبسيط المحتوى العلمي والمعرفي، بدأه منفردًا الباحث وصانع المحتوى المصري أحمد الغندور على قناته الخاصة عبر يوتيوب في 2014، ثم عبر منصة AJ+ في مايو 2017. وخلال 3 سنوات (حتى يونيو 2020) قدَّم “الدحيح” 238 حلقة، حققتْ نحو 474 مليون مشاهدة على يوتيوب وحده. عالج البرنامج مواضيع من مجالات معرفية متنوعة، من فيزياء الفضاء والرياضيات والكيمياء إلى الفلسفة والتاريخ والأدب والقانون. من بين تلك الحلقات أحصيتُ 29 حلقة تناولتْ الحروب والعنف تناولًا مباشرًا وأخرى قاربتْ هاتين الظاهرتين مقارَبةً غير مباشرة.

طبيعة الإنسان وطبيعة الحرب

من بين الحلقات التسع والعشرين التي عالجتْ الحرب والعنف يمكن للمشاهد أن يبدأ بحلقة «أنت جامد». ستقدم لك رؤية تاريخية شديدة الإيجاز للوجود الإنساني في فقرات معدودة. بجمل بسيطة باللهجة المصرية يلقي «الدحيح» الضوء على تلك الرحلة المدهشة التي خاضها هذا الكائن المتفرد فهو الوحيد من بين جميع المخلوقات الذي استطاع تحقيق تقدم مذهل وتغيير شكل الحياة على سطح الأرض وبناء حضارات وابتكار اختراعات مذهلة في المجالات كافة.

لكن سرعان ما يصدم الدحيح المشاهد بحديثه عن الوجه الآخر لتاريخ البشرية، تاريخ الإبادة الجماعية والحروب والأسلحة الفتاكة: «تاريخك أسود …إنت بتهدد كائنات كتير. إنت بتقتل بني آدمين. القرن اللي فات بس إنت قتلت من جنسك 120 مليون بني آدم …مفيش كائن بيقتل نفس نوعه بهذا الشكل.» هذه الحلقة تمهيد مناسب يكشف تأرجح الإنسان بين خضوعه للقوى التي تحركه: قوى الخلق والتقدم وقوى التدمير والإفناء.

وفي حلقة “عنفوان إنسان” مقارنة بين أرقام ونسب ضحايا الحروب. ويُطرح سؤال: هل زادت الحروب في الزمن المعاصر عن الماضي أم قلّت؟ هل القرون الحديثة قرون حرب أم سلام؟ هذه الأسئلة ومحاولات الإجابة عنها قد تغير وجهة نظر المشاهد تجاه الطبيعة البشرية حسب إدراكه لها.

وفي حلقة “الحروب” يستعرض فكرة كتاب “الحرب. ما فائدتها؟” وهو كتاب مثير للجدل إذ يطرح فكرة أن الحرب وحدها أسهمت في خلق مجتمعات أكبر وأكثر تعقيدًا حيث تحتكر الحكومات ممارسة العنف فصار قرار خوض الحروب أصعب بوجه عام، وبالاستناد إلى الإحصائيات يحاول الكتاب أن يثبت أن نسبة أكبر من البشر خلال 15 ألف سنة ماضية قُتلت قديمًا بسبب العنف مقارنةً بالنسبة التي قضت بسبب العنف في الخمسين سنة الماضية. وفي “جراثيم ومسدسات” تتناول الحلقة دور الجراثيم في إبادة بعض الشعوب أو عدد كبير منها لا سيما في فترات التوسع الاستعماري في العالم الجديد.

يوتوبيا: يسار ويمين

هذا العنف ربما يفتح الباب أمام بشر يطمحون إلى عالم مثالي قائم على تصورات عن قولبة حياة قطاعات هائلة من السكان في قالب واحد. في حلقة “يوتوبيا” يشير الدحيح إلى محاولات بعض الأيديولوجيات السياسية في القرن العشرين إقامة مدينة فاضلة. فيتحدث عن الثورة البلشفية والمجازر التي حدثت في عهد ستالين. أحلام اليوتوبيا غالبًا ما تكون مدعومة بصورة مبسطة عن العالم وفرض أيديولوجيا معينة بالقوة وسحق المعارضة بلا أدنى رحمة فتغرق البلاد في عنف داخلي ربما يمتد ليكون حربًا بين أطراف دولية.

ربما يبدو لبعض المشاهدين أن هذه الحلقة تركز على اليسار والعنف. في البرنامج مساحةٌ أيضًا لليمين وخطاب الخوف والعنف. في حلقة “صعود اليمين” يُطرح التساؤل “لماذا تزداد كراهية الآخر والخوف منه ونحن في زمن العولمة والعالم قرية صغيرة؟” يتحدث عن دراسات تربط بين صعود اليمين والخطاب المنتقد لزيادة أعداد المهاجرين واللاجئين في ظل ظروف اقتصادية صعبة. هذا خطاب يعتمد على الخوف لأنه الاستراتيجية الأضمن في التأثير في أعداد هائلة من المواطنين ودفعهم لاتخاذ خطوة ضد الآخر/الدخيل قد تتطور إلى اضطهاد وعنف أو حرمان من حقوق أساسية للإنسان.

وفي “الدكتاتور” يتناول دور تكوّن الثروات لدى المجتمعات في خلق التشكيلات الهرمية للسلطة وحيازة الحاكم أو طبقة صغيرة على القوة والسلاح وتركُّز السلطة في يدها من أجل حماية الثروات (بدء من اكتشاف الزراعة وما جلبته من استقرار وثروة ثم تشكيل سلطات لحمايتها بالسلاح). وهنا قد تنشأ الرغبة عند هذا الحاكم والفئة المسيطرة في نهب الثروات وقمع الفئات الأخرى في ظل غياب آليات الرقابة. أو قد تنشأ الرغبة – بعد تطوير الأسلحة المناسبة – في الاعتداء على مجتمعات مجاورة وتنفيذ أحلام توسعية.

الهويات وصناعة العدو

في حلقة “هو وهي ودوائر الهوية” يتناول الدحيح مسألة تنوع الهويات التي ينقسم إليها الأفراد والمجتمعات وكيف يستغل أحيانًا هذا التنوع لخلق تصورات متعصبة تذكي نار الصراع بين المجتمعات والدول والحضارات بإلصاق صفات دونية بشعوب معينة واستخدامها في بروباجندا الحرب وصناعة العدو. فعلى سبيل المثال أشعل الصراع بين القوتين العظميين نار الحربين العالميتين. وبسبب مباراة كرة قدم بين السلفادور وهندوراس اندلعت حرب في عام 1969. كما اندلعت حروب على أساس الهوية الإثنية في يوغوسلافيا السابقة ورواندا راح ضحيتها مئات الآلاف.

أما حلقة “ناس نتنة” فتعرض لشعور الاشمئزاز واستغلاله في بروباجندا الحرب إذ تُصوَّر شعوب أو إثنيات- من خلال حملات الكراهية- باعتبارها كتلة واحدة مثيرة للقرف، يُشبه أفرادها بالصراصير أو الحيوانات أو الجرذان. إحساس الاشمئزاز يولد شعورًا بنفور شديد من مسببه المتخيَّل ويؤجج رغبة الإنسان في التخلص منه. لذلك يعتبر هذا الإحساس من أهم ما يعتمد عليه خطاب الحرب لشن إبادة جماعية ضد مجموعات عرقية. وظَّف النازيون هذه الاستراتيجية البلاغية في خطب أدولف هتلر ووزير إعلامه يوزف غوبلز. وفي الوقت الحالي تعمد بعض الأنظمة السياسية إلى انتهاج الأسلوب ذاته بتشبيه المعارضين بالقوارض والحيوانات والحشرات. نزع صفة الإنسانية عن العدو أو من يُصنَّف عدوًّا هو أول خطوة في سلسلة الانتهاكات الفعلية التالية.

وفي “البطاقة الشريرة” يتناول الإبادة الجماعية في رواندا حيث قُتل نحو مليون شخص في ثلاثة أشهر. ويتحدث عن دور الأوراق الثبوتية في تطبيع الاضطهاد العرقي والإثني بل وتيسير عملية الإبادة الجماعية، من خلال إثبات الانتماء الإثني على الورق للهوتو والتوتسي.

وفي “الرجل الأبيض شايل سيفه” يتناول فكرة العنصرية العلمية وابتكار مفهوم العرق والتقسيمات العرقية التي استخدمت لترسيخ تفوق بعض الأجناس على أجناس أخرى ومن ثم تبرير الاستعباد وتسويغ الإبادة النازية للسود واليهود والعجزة والمرضى والمعاقين والتعقيم القسري، وتبرير الاحتلال والعنصرية الثقافية.

وفي “حرب كرة القدم” يتناول فكرة الانتماء الكروي وممارسة العنف في الملاعب، بل ومنها ما يمتد إلى خارج أرض الملعب ويتطور إلى عنف أهلي أو قومي بل واندلاع حرب دولية أيضًا. في 1969 اندلعت حرب بين هندوراس والسلفادور بعد مباراة التأهل لكأس العالم في المكسيك 1970. استمرت الحرب أربعة أيام وتسببت في مقتل الآلاف ونزوح عشرات الآلاف.

وفي “السمع والطاعة” يتحدث عن صعود النازية في ظل مناخ اقتصادي وسياسي عقب الحرب العالمية الأولى بسنوات. ويتناول طاعة القادة الألمان لأوامر هتلر وتطور الاضطهاد والعنف الداخلي إلى حرب دولية وارتكاب الإبادة النازية. كما يتناول دور السلطة العسكرية والإدارية في تسهيل الإبادة بفضل البناء الهرمي وطاعة الأعلى رتبة.

الحقيقةُ هي أولى ضحايا الحرب

تتناول حلقة “الإنفلوانزا الإسبانية” الجائحةَ التي تفشَّت في العالم قبل أكثر من 100 عام. ويشار إلى تزامنها مع الحرب العالمية الأولى والتعتيم الإعلامي على الإصابات في أثناء الحرب ودوره في تفشي الجائحة لا سيما في موجتها الثانية الأشد فتكًا.

وفي “الشاويش بطوط” يتناول الدعاية للحرب وكراهية العدو باستخدام أفلام الكرتون والسينما ودور أفلام الكرتون في تقديم تصورات ذهنية للأطفال بشأن الذات والآخر ومفهوم الصراع بوجه عام. بروباجندا الحرب تناولها الدحيح أيضًا بالإشارة إلى جوبلز في حلقتين عن هتلر. بينما يتناول في حلقة “اليابان الرِّوش” دور صناعة الكرتون والألعاب في تغيير الصورة الذهنية عن اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، من دولة استعمارية إلى مجتمع مسالم.

وتتساءل حلقة ” ليه محدش مهتم بينا” عن تعامل الإعلام مع ضحايا الحرب: هل يوجد تفاوت في استجابة الإعلام العالمي للضحايا حسب الهويات؟ وهل يحتاج المتلقي، حتى يستجيب استجابةً ملائمة، إلى تركيز عاطفته على تفاصيل قصة ضحية واحدة فقط في إبادة ما بدلًا من سماع أرقام هائلة تخبره، على سبيل المثال، أن 800 ألف شخص أزهقت أرواحهم في ثلاثة أشهر؟ هل نفقد تعاطفنا مع الأرقام الكبيرة؟ تشير بعض الدراسات إلى أن الناس يتفاعلون بدرجة أكبر مع قصص الضحايا مقارنةً بتفاعلهم مع أرقام مصمتة وإحصائيات ضخمة. ويذهب الدحيح هنا إلى أن قصة واحدة فقط يمكنها أن تدفع المشاهد إلى التبرع لأعمال الإغاثة بينما كثرة القصص قد تعطل استجابة المشاهد وإمساكه عن التبرع. ربما تفيد هذه الدراسات المنظمات الإنسانية في عرض قضاياها ونداءاتها لجمع تبرعات لا سيما في ما تشهده المنطقة العربية من نزاعات وحروب منذ نحو 10 سنوات.

القرن العشرون قرن الإبادات

في “الحرب العالمية الأولى” يتناول أسباب الحرب العظمى: شبكة التحالفات الدولية، والنزعة العسكرية العدوانية، وحشد التسليح، وسباق التسلح البحري وظهور أسلحة جديدة والرغبة في تجربتها في أول فرصة. كما يتناول نتائج الحرب ودورها في تشكيل العالم السياسي الحديث: مثل صعود أمريكا وتشكيل الاتحاد السوفييتي وتفكك الإمبراطورية العثمانية وخلق أرضية خصبة لصعود اليمين المتطرف والنازية في ألمانيا.

وقدم الدحيح حلقتين عن صعود هتلر(الحلقة الأولى، الحلقة الثانية) وأحلامه التوسعية ودوره في إشعال الحرب العالمية الثانية. وقدَّم أيضًا حلقة عن “الحرب العالمية الثانية“، المقتلة التي راح ضحيتها نحو 60 مليون شخص، وحلقتين عن “حرب فيتنام” (الحلقة الأولى، الحلقة الثانية) وفيها إشارات عن ضرب المدنيين واستمرار مشكلة الألغام في فيتنام حتى اليوم.

الأسلحة النووية

حلقة “الرعب النووي” تتناول التحول في النظرة للطاقة النووية من مصدر طاقة إلى سلاح مدمر. وحديث عن تطور القنبلة النووية والهيدروجينية. كما يشير إلى السباق النووي والبروباجندا أيضًا في محاولة الحكومة الأمريكية إقناع الشعب بأهمية الطاقة النووية. ومع تصاعد الحديث عن الخطر المحدق بالبشر في حال استخدام أي جزء ولو بسيط من ترسانة الأسلحة النووية، لا سيما بعد أزمة صواريخ كوبا، برزت حركات اجتماعية ونظمت مظاهرات تدعو إلى وقف النشاط النووي. وفي حلقة “النووي والبكيني” يتحدث عن القنبلة التي ألقيت على هيروشيما وتفاصيل عن أعداد الرؤوس النووية المتاحة في العالم الآن، وسيناريو تخيلي لحرب نووية بين باكستان والهند والنتائج المتوقعة.

لمحة إنسانية في الحرب

في حلقة “هدنة عيد الميلاد” يتحدث عن الهدنة التي حدثت بين الجنود المتحاربين بصورة غير متوقعة في 25 ديسمبر 1914، هدنة على خط الخنادق بين الإنجليز والألمان تبادل فيها الجنود الأطعمة وتشاركوا في الغناء، وسمحت الأطراف المتحاربة بدفن الجثث التي تركت قبل ذلك، ولعب الأعداء من الإنجليز والألمان مباراة كرة قدم. كانت تلك لمحة إنسانية نادرة في فصل متوحش لحرب غشوم. هذه الهدنة لم تكن في كل النقاط على طول خط الخنادق، إذ استمرت الحرب الوحشية بصورة اعتيادية في أماكن أخرى كثيرة.

وفي “الأسطول الأصفر” يتناول قصة 14 سفينة تجارية حوصرت في قناة السويس بسبب اندلاع حرب 1967 وإغلاق قناة السويس. أظهر طواقم السفن جوانب الرحمة فقد بادروا إلى إنقاذ الجنود المصريين العائدين من سيناء. الملفت للنظر أن تلك السفن كانت تنتمي لدول من المعسكر الغربي والشرقي زمن الحرب الباردة. طواقم السفن نظموا حياتهم الاجتماعية خلال 8 سنوات فكونوا مجتمعًا صغيرًا تغلبه يتجاوز الصراعات في العالم الخارجي.

القانون الدولي الإنساني

وفي حلقة “عائلة الحاجة متولي مرزوق” يتناول الدحيح الفلسفة الكامنة وراء اتفاقيات جنيف باعتبارها خطوة مهمة في تاريخ البشر لوضع حدود للحرب، وقصة الفكرة التي طرحها هنري دونان قبل أكثر من 150 عاما فكانت سببًا في إنشاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

أما في “إبادة الكتب” فيتناول أحد الموضوعات التي غالبًا ما تُتجاهل عند الحديث عن آثار الحرب، وهي الممتلكات الثقافية وتدميرها في أثناء فترات النزاع المسلح الدولي وغير الدولي. ويشير إلى علاقة الإبادة الثقافية بالإبادة الجماعية بتركيزه على حرب البوسنة والهرسك التي اندلعت في تسعينيات القرن العشرين.

الملفت للنظر في تجربة الدحيح، بالأخص فيما يتعلق بالحلقات المعنية بالعنف والحروب والقانون الإنساني، هو قدرته على تقديم هذه الموضوعات الشائكة بلغة بسيطة تناسب الشباب وتثير أسئلة بشأن الطبيعة البشرية، وطبيعة الحرب، ومستقبل الأسلحة والخطر الذي تمثله الأسلحة النووية، وأهمية اتفاقيات جنيف والقيود المفروضة على العمليات العسكرية. وهي موضوعات ربما لا يصادفها المراهقون والشباب في أغلب قاعات الدرس والمناهج في الوطن العربي، ولا في كثير من الأفلام الوثائقية التقليدية التي تميل إلى السرد التاريخي دون إثارة أسئلة وعقد مقارنات تستفز العقل.

عاطف عثمان كاتب مصري ومترجم، يعمل في المركز الإقليمي للإعلام باللجنة الدولية للصليب الأحمر. وقد شارك في إعداد بعض حلقات البرنامج كحلقة القانون الدولي الإنساني وإبادة الكتب، بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر.