أيًّا كان رأينا في الانتهاكات التي تسببها الحروب، والمعاناة الرهيبة التي تلحق بملايين البشر في عالم اليوم، فإن هناك من يفتح النافذة كي يمر منها خيط ضوء رفيع يمنح الأمل في إنهاء المعاناة. في السنوات الأخيرة، ومع تفاقم النزاعات المسلحة في المنطقة العربية، وما تمخض عنها من مقتل وإصابة الآلاف وتشريد الملايين في أجواء معاناة لم يختبرها من قبل سكان المنطقة، استطاع مندوبو اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنقاذ سجناء يتضورون جوعًا، ورأينا في نزاعات عدة، في المنطقة العربية وخارجها، مؤسسات تقديم الرعاية الصحية، وهي تعمل على خطوط المواجهة من دون أن تُستهدف من طرف النزاع هذا أو ذاك.

كما كان هناك قادة عسكريون في الميدان يأمرون بوقف هجوم مسلح لأنه سيسبب معاناة إنسانية لا ضرورة عسكرية لها.

هذه الأمثلة وغيرها، كانت نتاجًا واضحًا لتطبيق اتفاقيات جنيف الأربع التي احتفينا في أواخر العام 2019 بمرور سبعين عامًا على دخولها حيز التنفيذ. 

عقب الحرب العالمية الثانية، التقت دول العالم آنذاك، تحدوها فكرة اعتماد قواعد قانونية جديدة وشاملة تنظم العمليات القتالية وتوفر الحماية للأشخاص غير المشاركين في الأعمال العدائية أو من توقفوا عن المشاركة فيها، وتقيِّد وسائل وأساليب الحرب. وفي 12 آب/أغسطس 1949، قرر المجتمعون في المؤتمر الدبلوماسي في مدينة جنيف اعتماد 429 مادة، هي محتوى اتفاقيات جنيف الأربع، صاغ معظمها محامو اللجنة الدولية، في نموذج مبهر لأحد أكبر إنجازات التعاون القانوني بين دول العالم.

في هذا العدد من «الإنساني» نفرد مساحة أكبر هذه المرة للحديث عن اتفاقيات جنيف بوصفها القيم العالمية للسلوك الأخلاقي في وقت الحرب. نلقي الضوء على قواعد هذه الاتفاقيات التي تُرسي إجمالًا قواعد واقعية، وتحقق التوازن الصحيح بين الضرورة العسكرية والاعتبارات الإنسانية. فمهما كان وضع الحرب، تحظر اتفاقيات جنيف استهداف المدنيين، وهي تضع خطوطًا حمراء محددة تحظر قتل محارب استسلم، وتحظر قصف مؤسسات الرعاية الصحية، وتحظر تعذيب الجرحى أو المرضى أو حرمانهم من الرعاية. 

نستعرض في صفحات هذه المجلة التطور التاريخي لهذه الاتفاقيات، وطبيعة النظام الدولي والقانوني والحربي الذي خرجت من رحمه هذه القواعد القانونية التي حافظت على الإنسانية وسط فظائع الحروب. كما نسلط الضوء على أهم التحديات التي تواجه هذه الاتفاقيات، سواء كان التحدي داخليًّا من خلال معضلة إدماج القانون الدولي الإنساني على الصعيد الوطني، أو من خلال التحديات المتعلقة بسلوك الأطراف المتحاربة في عالمنا المعاصر والتشظي المتزايد للجماعات المسلحة، علاوة على محاولات تنظيم وسائل القتال الحديثة ونوعية الأسلحة المستخدمة، أو المتوقع استخدامها في ساحات المعارك، كالأسلحة ذاتية التشغيل التي لا تحتاج إلى تدخل بشري حتى تقرر طبيعة الهدف أو وقت الهجوم.

يحمل ملف العدد رسالة أساسية مفادها أنه ومع التطور الشديد والتعقيد في النزاعات المسلحة في عالم اليوم، إلا أن المبادئ القانونية الأساسية التي تحكم هذه النزاعات باقية وقادرة على التخفيف من المعاناة الإنسانية زمن الحرب.

في هذا العدد نحتفي أيضًا بمرور 150 عامًا على صدور المجلة الدولية للصليب الأحمر، التي تُعد واحدة من أهم المجلات الدولية المتخصصة في العمل الإنساني والنزاعات المسلحة. ونذهب إلى اليمن لنتعرف إلى نموذج مبهر من مقاومة اليمنيين للحرب، وهو إخراج فيلم سينمائي يشرح للعالم مقدرة الناس على التكيف مع واقع النزاع المرير. كما ارتحلنا بعيدًا بعض الشيء إلى وسط القارة الأفريقية لنتلمس آثار واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في عالم اليوم التي تجري وقائعها في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

لقد حاولنا أن نجعل هذا العدد مرشدًا واضحًا ويسيرًا، للباحثين والإعلاميين والقانونيين والقراء عمومًا، لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني. وأملنا أن تجدوا في صفحات هذا العدد ما يفيدكم.

لتحميل العدد 66 من المجلة، انقر هنا.

للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا.