شهدت السنوات الأخيرة العديد من الانتهاكات المروعة للقانون الدولي الإنساني في المنطقة العربية. فمن سورية إلى ليبيا مرورًا باليمن والعراق، تستعر المنطقة العربية بنزاعات دامية وانتهاكات لقوانين الحرب. ومع ذلك فالصورة ليست كلها بهذه القتامة كما يكشف تقرير دوري عن مدى احترام قوانين الحرب في المنطقة العربية. هذه السطور تسلط الضوء على بعض النقاط المضيئة عربيا.

يعاني العالم العربي منذ سنوات من انتهاكات جسيمة لقوانين وقواعد الحرب المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف. فنظرة عابرة لحال النزاعات المسلحة وأساليب القتال، ستكشف عن مستوى رهيب من المعاناة الإنسانية. في هذه النزاعات الدائرة خلال السنوات الماضية لقي الآلاف حتفهم، بينهم عدد كبير من السكان المدنيين، فيما أُجبر الملايين على اللجوء أو النزوح الداخلي بسبب القتال، وتزداد الصورة قتامة مع استمرار القصف وإطلاق النيران، إذ جرى تدمير البنية التحتية المدنية، فتهدمت مستشفيات، وتحولت مدارس إلى أنقاض. ولم يكن الحظ كريمًا مع من نجا بحياته، إذ تكدس الآلاف في مخيمات تفتقر للحد الأدنى من الاحترام للكرامة الإنسانية.

من ناحية أخرى، انخرط العديد من الأطراف المتحاربة في هذه النزاعات الضارية في سلوكيات حربية تنتهك قوانين الحرب. فاستُخدمت أسلحة عشوائية دمرت مدنًا بكاملها، وأطلقت نيرانًا لا تميز بين مدني ومقاتل، في تجاهل صريح لاتفاقيات جنيف، حجر الأساس في القانون الدولي الإنساني.إلا ان القانون الدولي الإنساني، من ناحية أخرى، أثبت قدرته على حماية ضحايا النزاعات المسلحة المعاصرة بالرغم من التعقيدات التي تميز النزاعات المسلحة الموجودة في العالم العربي. هذه القدرة على الحماية تتبعها التقرير الدوري الثامن حول تطبيق القانون الدولي الإنساني على الصعيد العربي (2018 – 2015).

يقول التقرير إن هناك جهودًا وإيجابيات تستحق أن تذكر في مجال احترام القانون الدولي الإنساني والعمل على تطبيقه في العالم العربي على الرغم من التحديات التي تواجه احترام قواعد الحرب في المنقطة.

وحسب رونالد أوفترينجر، رئيس بعثة الجنة الدولية للصليب الأحمر في القاهرة “يكمن التحدي الأساسي الذي يواجهنا اليوم في جعل القانون الدولي الإنساني فعالاً، ولنتذكر أن القانون الدولي الإنساني قوي بقدر ما نمنحه نحن من قوة. هذه هي مهمتنا جميعًا.”وهذا التقرير جزء من نشاط مشترك بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجامعة الدول العربية. فمنذ العام 2003، والجانبان يعدان تقارير مشتركة حول تنفيذ القانون الدولي الإنساني في المنطقة العربية. والتقرير الأخير الذي صدر في كانون الأول/ ديسمبر هو التقرير الثامن، ويغطي السنوات منذ عام 2015 إلى عام 2018؛ أي أنه يتناول السنوات التي استعرت فيها النزاعات المسلحة في المنطقة العربية في عدد من الدول. وهو يقدم نظرة عامة على الجهود الإقليمية المبذولة، وجهود كل دولة عربية على حدة في مجال نشر القانون الدولي الإنساني والتعريف به وإدماجه في التشريعات الداخلية.

يتكون التقرير، وهو نتاج للاجتماع الحادي عشر للخبراء الحكوميين العرب في مجال القانون الدولي الإنساني الذي انعقد في أيلول/سبتمبر 2018 في القاهرة، من خمسة فصول تشمل المقدمة التمهيدية، وتقريرًا عامًّا عن حالة تنفيذ القانون الدولي الإنساني في المنطقة العربية، وفصلًا عن خطة العمل الإقليمية الخاصة بالقانون الدولي الإنساني، علاوة على تقارير الدول عن التدابير الوطنية لتنفيذ القانون الدولي الإنساني.

وهو يسلط الضوء على بعض الجهود التي قامت بها الدول العربية من 2015 إلى 2018. وتشمل هذه الجهود انضمام دول عربية إلى المعاهدات الدولية المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني التي صنفها التقرير في خمس فئات، هي: الفئة الأولى: اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، والفئة الثانية: اتفاقية حماية الممتلكات الثقافية، والفئة الثالثة: اتفاقية حقوق الطفل، والفئة الرابعة: اتفاقيات الأسلحة، والفئة الخامسة: نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية 1998. ومن بين فئات الاتفاقيات الخمس هذه، تحظى اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية بأعلى نسبة تصديقات / انضمام بين الدول العربية، إذ انضمت جميع الدول العربية البالغ عددها 22 دولة للاتفاقيات الأربع. أما البروتوكولات الإضافية، فقد صدقت جميع الدول العربية على البروتوكول الأول الإضافي وانضمت إليه باستثناء الصومال، مع إصدار 5 دول فقط من أصل 22 دولة إعلانات بموجب المادة 90 بشأن قبول اختصاص اللجنة الدولية لتقصي الحقائق. أما البروتوكول الثاني الإضافي، فقد صدقت عليه كل الدول العربية وانضمت إليه فيما عدا ثلاث دول فقط، وهي العراق والصومال وسوريا، وانضمت فلسطين فقط إلى البروتوكول الثالث الإضافي عام 2015، وبذلك فهي الدولة العربية الوحيدة العضو في هذا البروتوكول.

علاوة على ذلك، يعطي التقرير أمثلة متعددة من التشريعات الوطنية المختلفة التي اعتمدتها الدول العربية بهدف تفعيل الآليات الوطنية اللازمة لتنفيذ القانون الدولي الإنساني. وينوه التقرير إلى أن سن تشريعات وطنية لقواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني يشكل حجر الزاوية في احترام القانون وتنفيذه. ومن أبرز الأمثلة على ذلك استحداث تشريعات وطنية في دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين بشأن الجرائم الدولية، وهو ما يعد سابقة عربية في أن تنص دول عربية على الجرائم الدولية في تشريع مستقل بذاته. ومن ضمن الأمور التي رصدها التقرير إقرار لبنان في العام 2018 لقانون خاص بشأن المفقودين والمختفين قسرًا.

من ناحية أخرى، رصد التقرير النشاط الملحوظ الذي دب في عمل اللجان الوطنية للقانون الدولي الإنساني، خاصة في ظل الأهمية المتزايدة لهذه اللجان من أجل ضمان تنفيذ القانون الدولي الإنساني وكذلك رفع الوعي بهذا القانون. وقبل عشر سنوات لم يكن في المنطقة سوى لجنة وطنية وحيدة. أما الآن فقد بلغ عدد اللجان الوطنية 19 لجنة، بعد أن جرى تأسيس لجنتين وطنيتين للقانون الدولي الإنساني في عمان وفلسطين، فيما حصلت لجنتان وطنيتان على وضع قانوني دائم في الأردن والعراق.

كما نشر التقرير خطة العمل الإقليمية التي اعتمدتها الدولة العربية حتى انعقاد الاجتماع الثاني عشر بحلول نهاية عام 2020. وتضع الخطة أهدافًا محددة تركز على الأسس اللازمة لتعزيز تنفيذ القانون الدولي الإنساني في المنطقة العربية.