قال رونالد أوفترينجر، رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في القاهرة، إن أبرز العقبات التي تحول دون التخفيف عن معاناة السكان المدنيين في حروب اليوم، تكمن في عدم احترام أطراف النزاعات المسلحة للقانون الدولي الإنساني وغياب آلية دولية متخصصة تضمن تنفيذ الدول لاتفاقيات جنيف المعنية بتحقيق هذا الغرض، وهو ما يؤدي إلى إفلات مرتكبي الانتهاكات ضد المدنيين من العقاب.

وأضاف أنه وبالرغم من تصديق معظم دول العالم على اتفاقيات جنيف، التي أبرمت في العام 1949، إلا أن العديد من أطراف النزاعات المسلحة الحالية تتجاهل قواعد حماية المدنيين التي أقرتها هذه الاتفاقيات.

وجاءت كلمات أوفترينجر في إطار ندوة نظمتها الجامعة الأميركية بالقاهرة، الأربعاء الماضي، بمناسبة الذكرى السبعين لإبرام اتفاقيات جنيف، والتي شارك فيها كل من الصحافية السويدية سيسيليا أودين مانهايمر، والدبلوماسي السويسري إدريان هوري، والكاتب المصري خالد منصور.

وقال: «الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي الإنساني التي رأيناها وما زلنا نراها اليوم تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن عدم الاحترام [القانون الدولي الإنساني] له عواقب وخيمة. وهذه أسباب إضافية لبذل جهود جادة لضمان احترام أعمق للقانون الدولي الإنساني».

المؤتمر الدبلوماسي في العام 1949 لإقرار اتفاقيات جنيف.

وقبل سبعين عامًا، وبالتحديد في آب/ أغسطس من العام 1949، أقر مندوبو معظم دول العالم المستقلة آنذاك، نصوص أربع اتفاقيات دولية لحماية الأشخاص الذين لا يشاركون أو توقفوا عن المشاركة في الأعمال القتالية، وأسرى الحرب، والسكان المدنيين، والأعيان المدنية، خلال مؤتمر دبلوماسي رفيع المستوى عقد في مدينة جنيف السويسرية،. وقد أُلحق بهذه الاتفاقيات بروتوكولان إضافيان في العام 1977، وبروتوكول ثالث في العام 2005.

وتشكل هذه النصوص القانونية السبعة، التي أدت اللجنة الدولية دورًا ملموسًا في صياغتها، النواة الصلبة لفرع القانون الدولي الذي ينظم سلوك الأطراف المتحاربة أثناء النزاعات المسلحة وهو ما يُعرف بقانون الحرب أو القانون الدولي الإنساني.

وتنص اتفاقيات جنيف على إجراءات محددة للتصدي لأي انتهاكات لقواعد الحرب، أو ما يعرف بـ «الانتهاكات الجسيمة»، والعمل على تقديم مرتكبي تلك الانتهاكات للعدالة. لكن، وخلال السنوات الماضية، شهد العالم، لا سيما العالم العربي، فظائع إنسانية أفلت مرتكبوها من أي عقاب حتى الآن.

وقال أوفترينجر إن تغيرًا جوهريًّا طرأ على شكل النزاعات المسلحة التي عالجتها اتفاقيات جنيف. إذ لا تتصدر النزاعات المسلحة الدولية مشهد الحروب في العالم المعاصر، كما أن الخط الفاصل بينها وبين النزاعات المسلحة غير الدولية لم يعد بذات القدر من التحديد والوضوح، كما كان عليه الحال قبل سبعين عامًـا.

وتميز اتفاقيات جنيف بين النزاعات المسلحة الدولية التي تقع بين دولتين أو أكثر، وبين نزاعات مسلحة غير دولية، وهي التي تنشب بين دول وجماعات مسلحة غير حكومية، أو بين تلك الجماعات وبعضها البعض.

وذكر أوفترينجر أن عدد الجماعات المسلحة المنخرطة في النزاعات خلال السنوات الست الماضية، يفوق عدد كل الجماعات المسلحة التي شاركت في حروب طيلة الستين عامًا التالية على إبرام اتفاقيات جنيف.

وكشف أوفترينجر أن اللجنة الدولية، بوصفها طرفًا محايدًا، دشنت حوارات موسعة ومباشرة حول الأبعاد الإنسانية للنزاعات المسلحة مع نحو مائتين من الجماعات المسلحة المنخرطة في نزاعات حول العالم، من أجل ضمان الاحترام لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني. وأضاف أن مثل هذه الحوارات تتطلب بذل جهود مضنية لإقناع هذه الجماعات المسلحة بضمان تسهيل وصول اللجنة الدولية إلى المدنيين المتأثرين بالنزاع، وكذلك ضمان حماية عمليات الإغاثة الإنسانية، وأخيرًا ضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

كما ذكر أن اللجنة الدولية تحلل الآن سلوك الأطراف المقاتلة، من الدول وغير الدول، لوضع معايير لاحترام القانون الدولي الإنساني، وفي القلب منها حماية السكان المدنيين.

ويعيش ملايين المدنيين في العالم العربي تحت وطأة النزاعات المسلحة، كثير منهم في أمس أمس الحاجة للمساعدة، حسبما قال أوفترينجر، الذي أضاف أن هذه الأرقام تعكس بدورها ملايين من قصص المعاناة.

والتقطت الصحافية السويدية سيسيليا أودين مانهايمر خيط معاناة المدنيين، وسردت بعضًا من الفظائع الإنسانية التي شاهدتها عن قرب في مخيم الهول الواقع شمال شرقي سورية.

فخلال الشهور الماضية، سلطت منظمات إنسانية الضوء على الأوضاع الإنسانية المتردية داخل هذا المخيم المكتظ بآلاف النازحين الفارين من نيران الحرب في سورية. وروى إعلاميون بعض الفظائع الإنسانية التي مر بها النازحون، ومنهم أطفال وزوجات المقاتلين الأجانب، الذين توافدوا في السنوات الأخيرة للمشاركة في الحرب التي استعرت في سورية.

وخلال الندوة، عرضت مانهايمر صورًا لنساء تعرضن للاستعباد الجنسي، من البيع كرقيق والإجبار على ممارسة الجنس، على يد بعض الفصائل المسلحة. كما عرضت الصحافية السويدية مآسي لزوجات عناصر من هذه الفصائل. كما روت قصصًا عن أطفال لمقاتلين أجانب، ممن فقدوا الأب والأم، وهم في حالة صحية مزرية، لا سيما وأن بعض الدول التي يحمل آباء هؤلاء الأطفال جنسياتها رفضوا إعادتهم إليها.

وفي مداخلته، تطرق الدبلوماسي السويسري إدريان هوري إلى دور بلاده في رعاية النقاشات والمداولات حول اتفاقيات جنيف، ومحاولاتها الحالية الرامية إلى تطوير أدوات قانونية تلزم الدول بمراعاة مبادئ القانون الدولي الإنساني.