قال هوغو سليم، مدير السياسات باللجنة الدولية للصليب الأحمر، إن اللجنة الدولية تنخرط جديًّا الآن في استراتيجية جديدة بموجبها تضع تغير المناخ في القلب من أنشطتها الإنسانية للمدنيين في مناطق النزاع المسلح. وأشار سليم، في حوار أجري على هامش المائدة المستديرة حول تغير المناخ والنزاع والقدرة على الصمود، والتي عُقدت في العاصمة الأردنية عمَّان في 19 حزيران/ يونيو 2019، إلى أن خبرة اللجنة الدولية توضح أن تغير المناخ أدى دورًا ملحوظًا في اتساع دائرة العنف في منطقة الساحل الأفريقي. 

الإنساني: قبل عشرين عامًا، ذكر تقرير صادر عن المؤتمر الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر أن المشاركين في المؤتمر شعروا بأن موضوع التغير المناخي غير ذي أهمية للعمل الإنساني. لكن الآن هناك إدراكًا متزايدًا لأهمية قضية تغير المناخ في المجتمعات التي تعاني من النزاعات المسلحة. في رأيك، ما الذي أدى إلى تغير هذه النظرة من موضوع غير ذي أهمية إلى موضوع مهم وعاجل؟ 

سليم: أدركنا من خلال عملنا في كثير من المناطق في أفريقيا والشرق الأوسط في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي أن الناس يعانون من الجفاف والفيضانات. لكنها كانت حالات متفرقة، تحدث بمعدلات عادية من آنٍ لآخر. أعتقد أن الأمر المختلف الذي حدث في الثلاث أو الأربع سنوات الماضية أننا تحدثنا مع مركز مرموق للمناخ تابع للاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر ومقره في لاهاي بهولندا، وأصغينا إليهم بشأن المشاهدات العلمية والتنبؤات حول الاتجاهات المناخية في جميع أنحاء العالم، وبدأنا التفكير بجدية في أن هذا الأمر سيكون صعبًا للغاية. 

ثم أجرينا العام الماضي جلسات استماع في بعثات اللجنة الدولية حول العالم في إطار المشاورات العالمية نحو تبني استراتيجية دولية جديدة لأربع سنوات. كان تغير المناخ واحدة من المسائل القوية للغاية التي طُرحت من أفريقيا بشكل خاص وأجزاء من الشرق الأوسط، وكان الناس يقولون: نعم لم نشهد من قبل مثل هذا الجفاف والفيضانات التي تحدث من آنٍ لآخر. كانوا يقولون: أصبح هناك المزيد من الجفاف، واستمر لفترة أطول بصورة أكثر تواترًا. كان الناس وموظفو الصليب الأحمر والهلال الأحمر يقولون: نشعر بتغير المناخ الآن، وأصبح الناس يتعرضون له حاليًّا وهو ما دفعنا إلى الانخراط في استراتيجية جديدة تهدف إلى تحسين فهمنا لتغير المناخ. 

في كانون الثاني/ يناير من العام الجاري، زار رئيس اللجنة الدولية بيتر ماورير منطقة الساحل الأفريقي، وشاهد عن كثب مزيج العنف وتغير المناخ في المنطقة. هل يمكن أن توضح لنا طبيعة التحولات التي تجري بفعل تغير المناخ في دول الساحل؟ 

سليم: تعمد رئيس اللجنة الدولية منح الأولوية لمنطقة الساحل الأفريقي بسبب اتساع دائرة العنف فيها خلال العامين الماضيين. تغير المناخ يؤدي دورًا مهمًّا في نشوب هذا العنف. إن ما يتجلى بمنتهى الوضوح في منطقة الساحل هو أن الناس يتحملون ضغطًا مضاعفًا عامًّا بعد عام من جراء النزاع المسلح الذي طال أمده باعتباره أحد الضغوط، علاوة على ضغط آخر يتمثل في تغير المناخ والمزيد من حالات الجفاف، وأحيانًا تكون الفيضانات مدمرة. ويشكل هذا الضغط المضاعف خطورة شديدة على الأشخاص. ندرك أن هذا يضفي المزيد من الصعوبة على حياة هؤلاء، وقد يمكن للأسرة البقاء على قيد الحياة بعد النزاع المسلح، إذ قد تربي المواشي وتحتفظ ببعض أصولها. وحتى لو أجبرت على الانتقال وتعرضت للنزوح، فإنها قد تبقى على قيد الحياة في خضم نزاع مسلح لعدة سنوات. لكن إذا حدث فوق هذا كله، تغير مناخي كبير، سوف تموت المزيد من الحيوانات ويصبح تأمين سبل العيش من ضروب المستحيل ويمكن أن يكون مزيج النزاع والمناخ معًا مدمِّرًا للكثير من الأسر. 

الإنساني: وهل أثرت هذه الملاحظات على إحداث تغير ما في السياسات الإنسانية للجنة الدولية؟

سليم: نجري [الآن] بعض الأبحاث عن المناخ في مالي والعراق، سنتوصل إلى سياسات أكثر وضوحًا. لكن ما نحتاجه في اللجنة الدولية إن كنا سنأخذ بأيدي الأشخاص الذين يعانون من جراء الحرب وتغير المناخ، هو تغيير أسلوب عملنا معهم لمساعدتهم للبقاء على قيد الحياة والتأقلم. ونحن بحاجة إلى وضع توصيات صارمة لواضعي السياسات على المستوى العالمي في الأمم المتحدة وواضعي السياسات على المستوى الإقليمي والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. نحن بحاجة إلى وضع توصيات قوية حول كيفية تغيير تلك السياسات بشأن المياه والجفاف وسبل كسب العيش ودعم النازحين، إلى آخره.

الإنساني: عند هذه النقطة هل هناك رسائل أساسية للجنة الدولية في هذا المضمار: تغير المناخ والنزاع المسلح؟

سليم: إحدى الرسائل الرئيسية التي أدركناها هي أننا باعتبارنا منظمة إنسانية علينا التأقلم مع آليات التكيف. فليس كافيًا أن نتحرك ونقدم المساعدات الغذائية للأشخاص وأن نقدم لهم المياه بصورة مؤقتة ونخبرهم بأن هذا سيساعدهم للبقاء على قيد الحياة. إذا كانت البيئة حولهم تتغير تغيرًا كبيرًا، أعتقد أنه سوف يكون لزامًا علينا العمل معهم لإيجاد سبل جديدة للزراعة والتوصل إلى أساليب جديدة لإنشاء الأعمال التجارية. ربما يتعين علينا منحهم المزيد من المساعدات النقدية حتى يتمكنوا من اتخاذ خيارات خاصة بهم بشأن كيفية تأمين سبل العيش. وبشكل واقعي، أعتقد أنه سيأتي الكثير من الناس إلى البلدات والمدن. أعتقد أنه في جميع أنحاء منطقة الساحل في أفريقيا والشرق الأوسط، يتخلى الناس عن الحياة الريفية، وبالتالي يتعين علينا مساعدة المدن والبلدات على استقبالهم بشكل أفضل بتوفير إمدادات مياه وخدمات صحية وفرص عمل أفضل في المدن. ستكون الوظائف إحدى الأولويات الإنسانية الكبيرة في المستقبل، فالشخص الذي لم يعد يعمل في الزراعة، بحاجة إلى وظيفة.

الإنساني: على غرار منطقة الساحل الأفريقي، هل يمكن القول إن هناك بعض الاستنتاجات الأولية بخصوص تغير المناخ والنزاعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط؟

سليم: أعتقد أن إحدى الرسائل الرئيسية في اجتماع الطاولة المستديرة مع الخبراء الإقليميين في الشرق الأوسط [في 19 حزيران/ يونيو 2019] كانت تدور حول المياه، وتحدث الجميع في المنطقة حول المياه في إطار الحديث عن المناخ. ويرى الكثيرون أن هناك ما يكفي من المياه في هذه المنطقة؛ تتناقص بالفعل لكن لا يزال هناك ما يكفي من المياه. بيد أن التحدي يكمن في تحسين إدارة المياه بمزيد من المساواة وبشكل أكثر إنصافًا في مختلف البلدان، حتى يتسنى للأشخاص المتضررين من جراء النزاع والنازحين والمواطنين العاديين والمجتمعات المضيفة أن تتاح لهم إمكانية الحصول على المياه الصالحة للشرب. ساد أيضًا شعور قوي بالأمس في الاجتماع بضرورة أن يُطبق هذا النهج عبر الحدود، إذ إن هناك تعاونًا جيدًا في الشرق الأوسط حول المياه وعبر الحدود الوطنية. فالتحدي الكبير أمام الإدارة الجيدة للمياه في الشرق الأوسط، هو إدارتها مع الدول المجاورة.

الإنساني: نحتفل هذا العام بمرور سبعين عامًا على اتفاقيات جنيف، وفي هذه النقطة هل تظن أننا بحاجة إلى تحديث اتفاقيات جنيف حتى تستوعب التغيرات الحادثة في المناخ وتأثيره على النزاعات المسلحة؟

سليم: أومن بأننا في اللجنة الدولية لسنا بحاجة إلى تحديث اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية بشأن تغير المناخ، فالبيئة تحظى بمكانة بالغة الأهمية في اتفاقيات جنيف، إذ اعترفت الاتفاقيات بالبيئة والريف ومصادر المياه والموارد الزراعية التي يعيش عليها الناس باعتبارهم أعيانًا مدنية مشمولة بالحماية. ومن ثم، فإن البيئة لها اعتبار قانوني بالفعل في اتفاقيات جنيف باعتبارها شيئًا يجب على جميع الأطراف المتحاربة أن تسعى لحمايته. وعندما تكون في حالة هجوم أو دفاع باستخدام القوة العسكرية، يجب عليك أن تفكر بعناية في الحد من الأضرار التي تلحق بالبيئة. وبالتالي، فهي محمية بشكل جيد في اتفاقيات جنيف. لكن كما هي الحال دائمًا نحتاج إلى تذكير الدول والجماعات المسلحة بالبيئة ولا سيما لأنها أصبحت من التحديات التي تواجه الأشخاص وباتت المياه أكثر قيمة. لذا، فإن أي هجوم على مصادر المياه أو بالقرب منها أصبح يضع المزيد من الضغوط على السكان المدنيين. 

الإنساني: سؤالي هنا عن التحديات التمويلية. هل سينتج عن إعادة تصميم السياسات الإنسانية كي تراعي التغيرات المناخية أي ضغوط مالية؟

سليم: أعتقد أن الكثير من الحكومات التي تمول اللجنة الدولية في الوقت الراهن يريدون منا أن نركز على هذا الارتباط ويرغبون أن نطور عملنا في إطار تغير المناخ لمساعدة المجتمعات المحلية الفقيرة على التكيف. فهم يعلمون أن غالبية الفقراء في العالم يعيشون في دول متضررة من النزاع. ومن ثم، فإنهم يريدون أن نبذل ما بوسعنا لمساعدة هذه المجتمعات. وستدعم هذه الحكومات اللجنة الدولية للحصول على نتائج أفضل في العمل في المناطق ذات المخاطر المتعلقة بالمناخ. أعتقد أن التساؤل الأهم بشأن التمويل المتعلق بالمناخ هو أن تلتزم جميع الدول بزيادة التمويل المتعلق بالمناخ إلى المناطق التي تعاني من تغير المناخ في أنحاء العالم. وتدفع اللجنة الدولية والحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر بأنه لا بد من توجيه التمويل المتعلق بالمناخ لجزء كبير من السكان الذين يعيشون في مناطق متضررة من جراء الضعف والعنف وإلى «المناطق الهشة» كما يسميها واضعو السياسات. نحتاج إلى التفكير في كيفية استثمار الحكومات والبنوك الدولية والمؤسسات المالية الدولية في التمويل المتعلق بالمناخ.

وجهت اللجنة الدولية في السنوات الأخيرة عناية كبيرة لموضوع تغير المناخ والنزاعات المسلحة. يمكنكم قراءة المزيد في مقال يورغ مونتاني المعنون «تغير المناخ والنزاع والقدرة على الصمود… حوار حول السياسات»، هناك أيضا ملف العدد 65 من مجلة الإنساني الذي خصصناه لتحليل معاناة المدنيين المضاعفة من النزاع المسلح وتغير المناخ. انظر هنا، واقرأ كذلك:

أحمد زكي عثمان، تغيُّر المناخ يفاقم من معاناة المدنيين في أوقات الحروب

موسى عبد الحفيظ القنيدي، حماية البيئة في أوقات النزاعات المسلحة

محمد المخزنجي، هجرات أليمة إلى الداخل

أسامة المخللاتي، الفلاحون الفلسطينيون ضحايا لتغيرات مناخية وبيئية