قبل نحو عشرين عامًا كنت أعمل في الصومال، ذلك البلد الذي عصفت به نزاعات دامت عقدًا من الزمان. نعم هو نزاع على السلطة في المقام الأول، ولكن نزاعات أخرى على حفنة من الموارد والمياه وحقوق الرعي وسبل العيش أهلكت الحرث والنسل. في بلد لا يكاد يتعافى من جفاف حتى تغرقه الفيضانات، كثيرًا ما ذكرنا أن قدرة الناس على مواجهة الكوارث شارفت على الانهيار. فقد دمرت سنوات النزاع بنيته التحتية، وأجهزت على الخدمات الأساسية، وأعاقت جميع فرص الاستثمار التي كانت لتتيح لشعب الصومال القدرة على التأهب لما يخبئه القدر من صدمات، كارثة كانت أو نزاعًا، أو التكيف معها.

انتقلت من هناك إلى جنوب السودان. ذلك البلد العالق في مستنقع نزاع ممتد لم يختلف أثره في تدمير البنية التحتية، وإصابة الخدمات الأساسية بالشلل، ووأد فرص الاستثمار التي كانت لتتيح لشعبه القدرة على التأهب للصدمة التالية، كارثة كانت أو نزاعًا، أو التكيف معها.

وقبل مجيئي إلى الأردن، أُوفِدت إلى ميانمار، التي كانت لا تزال تنفض عنها آثار الإعصار «نرجس»، الذي ضرب البلاد قبل نحو عشرة أعوام. وهي كما تعلمون مسرح لعشرات النزاعات الداخلية التي أتت على بنيتها التحتية الحيوية… أعتقد أنكم تفهمون ما أقصد.

قبل عشرين عامًا كان تغير المناخ مجرد عنوان نقرأه في جريدة هنا أو هناك. فلم يكن أبدًا على هذا القدر من الأهمية والإلحاح، اللذين رسختهما فينا المناقشات الدائرة في العالم اليوم حول الموضوع.

واليوم، استطاعت حركة شبابية أن تضع عتاة السياسيين في موقف محرج. فالدول تحلل تغير المناخ من منظور أمني وطني، وغالبًا ما تتمحور تصوراتها حول ربط تغير المناخ بالنزاع.

قبل عشرين عامًا، كان تركيز العمل الإنساني المُنفَّذ في أوقات النزاع – ولا يزال إلى حد كبير حتى يومنا هذا – ينصبُّ في المقام الأول على تلبية احتياجات الناس الفورية من الحماية والمساعدة لإنقاذ أرواحهم، وهذا على الرغم من إحرازنا تقدمًا كبيرًا في التفكير في النظم الأوسع نطاقًا والقدرة على الصمود بمنظورها الأشمل.

ولكن الواقع أن الناس يواجهون الأثر المضاعف لمخاطر تغير المناخ والنزاع في أصقاع شتى من العالم، وهؤلاء الناس وحكوماتهم عادة ما يكونون غير متأهبين وغير قادرين بالمرَّة على التكيف مع تغير المناخ. فملايين الناس في البلاد التي نكبتها النزاعات هم الأكثر عرضة لمخاطر تغير المناخ، ومع ذلك فهم أقل الفئات استحقاقًا لتمويل أنشطة مواجهة هذه الظاهرة. 

وللتعاطي مع هذا الواقع، لا بد أن يبدأ العمل الإنساني في التحرك بنهج لا يقتصر على تلبية احتياجات الناس الفورية فحسب، وإنما يضعهم كذلك على مسارات واضحة للتكيف، حتى في أثناء النزاعات الممتدة. نحن بحاجة إلى تحقيق «أثر إنساني مستدام».

لقد جعلت اللجنة الدولية مسألة التكيف مع تغير المناخ إحدى أولوياتها في استراتيجيتها المؤسساتية الجديدة، وعام 2019 بالنسبة لنا هو عام البحث والتعلم ووضع السياسات. وهذا هو سبب اجتماعنا هنا اليوم بخبراء في المناخ وممارسين في المجال الإنساني على المستوى المحلي والوطني والإقليمي، لنفكر معًا في الكيفية التي يمكن بها للعمل الإنساني مساعدة الناس في التكيف وفي البقاء على قيد الحياة في الوقت ذاته.

وأود هنا أن أشكر جميع المشاركين، وجمعية الهلال الأحمر الأردني، ومركز الصليب الأحمر والهلال الأحمر المعني بالمناخ، ومعهد تنمية ما وراء البحار لتعاونهم معنا في هذا العمل. وهذا اللقاء هو الرابع ضمن سلسلة من سبعة اجتماعات مائدة مستديرة تستكشف تجارب الناس وخبراتهم في النزاع ومخاطر تغير المناخ والقدرة على الصمود. وقد عقدنا مائدتين مستديرتين في أفريقيا؛ إحداهما في نيروبي حول القرن الأفريقي، والأخرى في أبيدجان سلطت الضوء على منطقة الساحل الأفريقي، وعقدت واحدة في لاهاي. وتركز مائدتنا المستديرة اليوم على التجارب في منطقة الشرق الأوسط. وسنجري مزيدًا من هذه المناقشات حول السياسات في مانيلا وواشنطن وجنيف هذا العام.

لطالما عملت الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر مع المجتمعات المحلية الأكثر ضعفًا أمام آثار تغير المناخ، وهي تمثل حائط الصد الأول أمام مخاطره الناشئة، ولا سيما من خلال أنشطة الحد من مخاطر الكوارث التي يضطلع بها الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر والجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.

نحن في اللجنة الدولية نتولى زمام قيادة أنشطة الحركة في القضايا المتعلقة بالنزاعات، ومن موقعنا هذا نشاهد يوميًّا تبعات الصدمات والمخاطر المتعلقة بتغير المناخ على المجتمعات المتضررة من النزاعات. والعديد من البلدان المتضررة من النزاعات هي من بين الأكثر ضعفًا أمام آثار تغير المناخ، ليس بسبب موقعها فقط، وإنما كذلك بسبب قدرتها المحدودة على توقع التغيرات والتكيف معها. ويُعزى هذا جزئيًّا إلى كون النزاعات – ولا سيما الممتدة منها – تلحق الضرر بالأصول اللازمة لتيسير التكيف مع تغير المناخ، مثل البنية التحتية والأسواق والمؤسسات ورأس المال الاجتماعي وسبل العيش. فالناس لا يستطيعون التكيف إن لم تكن لديهم القدرة على مواكبة التغيرات. وهنا لا بد للعمل الإنساني أن يكيِّف نفسه حتى يتسنى لنا دعم المجتمعات المحلية ووضع أقدامها على دُرُبٍ تكيُّفية، وليكن هذا جزءًا من عملنا الإنساني. وعلى الرغم من أننا نُعاين كثيرًا مواطن الضعف المتفاقمة نتيجة تكالب الصدمات المناخية والنزاع ونعمل على معالجتها، فإن تصميم استجابتنا هذه لم يأتِ بالضرورة من خلال عدسة المناخ. ولضمان تحقيق «أثر إنساني مستدام»، علينا تطوير فهمنا لكيفية تأثير تغير المناخ على الناس الذين نعمل معهم، وأن نوائم برامجنا في ضوء ذلك لكي تدعم قدرتهم على الصمود.

ونحن نعي بالطبع أن الجهات الفاعلة في المجال الإنساني لا يمكنها التصدي وحدها للأثر الإنساني الناتج إذا لم تُلجم آثار تغير المناخ؛ فثمة جهود سياسية كبرى وملحَّة لا بد من بذلها لتفادي العواقب الكارثية على الناس والبيئة. ومع ذلك فهناك دور ومسؤولية على عاتقنا، نضطلع بهما بمشاركة الجهات الفاعلة الأخرى، لمساعدة الناس والمجتمعات المحلية على تقليص ضعفهم أمام تغير المناخ عند مواجهتهم المخاطر المتعلقة به فضلًا عن النزاع أو العنف. 

ولتحقيق هذه الغاية، أطلقنا أبحاثنا الخاصة وأجرينا بعض دراسات الحالة بهدف تطوير فهم اللجنة الدولية بشأن أثر تغير المناخ على المتضررين من النزاعات، وإدماج هذه الاعتبارات المتعلقة بالمناخ في استجابة اللجنة الدولية الإنسانية، ومساعدة المتضررين على التكيف بشكل مستدام مع الأثر المزدوج.

ونحن، كما هو واضح، لسنا وحدنا في هذا المسعى. فقد اكتشفت، في سياق مساهمتي في التحضير لهذه المائدة المستديرة، معينًا لا ينضب من الخبرة الفنية والمبادرات الرامية إلى التصدي لأسباب تغير المناخ، فضلًا عن تعزيز القدرة على الصمود والتكيف لتبعات تغير المناخ في المنطقة. ونحن نعي أنه لا بد للَّجنة الدولية أن «تتواءم مع التكيُّف»، وأننا هنا لنكشف عمَّا يعنيه هذا على صعيد الممارسة. نحن هنا لنتعلم معكم ولنبتكر في استجابتنا الإنسانية. نحن هنا لنشارككم خبراتنا وتجاربنا ونتعلم من خبراتكم وتجاربكم، سعيًا إلى إيجاد أرضية مشتركة نبني عليها سياساتنا ونؤثر فيها. ولأجل هذا، لأجل ذلك الاستعداد الذي أبديتموه بوجودكم هنا اليوم، ولأن تكونوا جزءًا من هذه العملية، لكم مني خالص الشكر والتقدير.

نص الكلمة الافتتاحية التي أُلقيت أمام المشاركين في الطاولة المستديرة حول تغير المناخ والنزاع والقدرة على الصمود، والتي عُقدت في العاصمة الأردنية عمّان في 19 حزيران/ يونيو 2019.