العديد من المبادئ القانونية والأعراف الإنسانية إلى جانب نصوص اتفاقية تضمنت حماية للبيئة الطبيعية من آثار العمليات العدائية أثناء النزاعات المسلحة، إلا أنه من الواضح عدم كفايتها لمنع الانتهاكات الجسيمة بها خاصة في ظل التطور الهائل للوسائل والأساليب القتالية.

لم تعد آثار الحرب مقصورة على إيذاء الإنسان وإلحاق الضرر به وبممتلكاته فقط، بل أصبح مداها يتجاوز ذلك، معرضة كل ما يلزمه لاستمرار حياته بشكل طبيعي للفناء عبر تدمير البيئة الطبيعية وتعريضها للخطر. ولعل الخطر المترتب على النزاعات المسلحة اليوم يكمن في كون آثارها الكارثية على البيئة وملحقاتها ممتدة ومستمرة لا تنتهي بانتهاء النزاع – بالرغم من ازدياد وتيرة حاجة الإنسان لها يومًا بعد يوم – وإنما تبقى وتظل تلك الآثار شاهدة وحاضرة على مأساة الإنسان عشرات السنين، خاصة في ظل التطور التقني الهائل في فنون التسلح وفي استخدام أساليب وأدوات قتالية ضارة جدًّا.

وبسبب تلك الآثار الكارثية التي تخلفها النزاعات المسلحة وتصيب في جزء كبير منها البيئة ومشتملاتها، وفي ظل تعذر إبعاد الخطر عنها، لم يعد موضوع حماية البيئة أمرًا ثانويًّا، بل أصبحت وبحكم طبيعتها وارتباطها الوثيق بالإنسان مباشرة موضوعًا يستدعي وجود سياسة عامة دولية ولم يعد يكفي لها السياسات الوطنية. من هنا يتبادر للذهن تساؤل هام حول الدور الذي يضطلع به القانون الدولي الإنساني في حماية البيئة؟ وإلى أي مدى تبدوالنصوص الواردة في هذا الإطار كافية اليوم؟

في البداية لا بد من الإشارة إلى أن الغرض والهدف الرئيس لقواعد القانون الدولي الإنساني هو التخفيف مما يترتب على النزاعات المسلحة من آثار ولا يتحدث إطلاقًا عن نهايتها أو القضاء عليها. ومن خلال فحص قواعد القانون الدولي الإنساني وتتبعها يتبين أنه فرض نوعيتين من الحماية، إحداهما بموجب الأحكام العامة في حين كانت الثانية بمقتضى بعض الأحكام الإضافية الخاصة. وبالتالي تكون الأولى محلًّا للانطباق فيما يتعلق بسير العمليات العدائية على البيئة، انطلاقًا من كونها ذات طبيعة مدنية، ولا يمكن بذلك شن هجمات ضدها إلا في حال تم تحويلها إلى هدف عسكري من خلال مساهمتها في تحقيق مزايا عسكرية. كما يلزم مراعاة التدمير الذي تتعرض له البيئة عندما تكون محلًّا للاستهداف العسكري من خلال عملية تقييم لمبدأ التناسب بين فكرتين هما كيفية تحقيق التوازن بين الأضرار العرضية غير المفرطة وبين الميزة العسكرية المرجوة.

حماية فعلية

جرى الحديث عن الحماية الفعلية للبيئة في ضوء القانون الدولي الإنساني بشكل واضح من خلال نصوص البروتوكول الإضافي الأول 1977 لاتفاقيات جنيف 1949 بمقتضى المادة 35 والمادة 55. فالفقرة 3 من المادة 35 من البروتوكول نصت على أنه «يحظر استخدام وسائل أو أساليب للقتال، يقصد بها أو قد يتوقع منها أن تلحق بالبيئة الطبيعية أضرارًا بالغة واسعة الانتشار وطويلة المدى» أما نص المادة 55 فكان كالتالي: «تراعى أثناء القتال حماية البيئة الطبيعية من الأضرار البالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد”. وتتضمن هذه الحماية حظر استخدام أساليب أو وسائل القتال التي يقصد بها أو يتوقع منها أن تسبب مثل هذه الأضرار بالبيئة الطبيعية ومن ثم تضر بصحة أو بقاء السكان، في حين أشارت الفقرة الثانية من ذات المادة إلى حظر هجمات الردع التي تشن ضد البيئة الطبيعية. 

وبنظرة سريعة على نص المادتين يمكن تدوين وتسجيل عدة ملاحظات هامة في إطار الحماية المفترضة من القانون الدولي الإنساني للبيئة:

أي ضرر يصيب أو يلحق بالبيئة بشكل مباشر هو محظور بموجب نصوص البروتوكول الإضافي الأول 1977 لاتفاقيات جنيف 1949 وبالتالي مسؤولية أي طرف من أطراف النزاع عن أي انتهاك.

أي ضرر يصيب أو يلحق بالبيئة بشكل غير مباشر في إطار استهداف هدف عسكري لا يعتبر محظورًا بصورة واضحة ودقيقة طالما أنه كان عرضيًّا غير مقصود ولم يكن مفرطًا، انطلاقًا من قاعدة التناسب أو الحد الأدنى المفترض للأضرار التي قد تصيب البيئة، فإلحاق الضرر بها قد يكون مسموحًا في انتظار ميزة عسكرية محققة ما كانت لتكون دون وجود أضرار عرضية، وبالتالي يمكن القول هنا إن القانون الدولي الإنساني تغاضى بشكل من الأشكال، أو لم يرتب أية مسؤولية، انطلاقًا من صعوبة تحقيق معادلة التناسب بصورة مقبولة بين الأضرار المفترضة والمزايا العسكرية المرجوة. إلا أن هذه المواءمة قد تفتح الباب واسعًا أمام احتجاج أطراف الصراع بكون تدميرهم أو تعديهم على نصوص حماية البيئة قد تم أو كان في إطار ما يعرف بالأضرار العرضية ليس إلا، كما أن هناك إشكالية كبرى تتمثل في الجهة التي سيكون من حقها تحديد ما إذا كان الضرر عرضيًّا في إطار استهداف هدف عسكري أم لا.

ما يلاحظ على نص المادة 35 وكذلك المادة 55 كونها قيدت الضرر المحظور جراء استخدام سلاح معين بثلاثة شروط تبدو مبالغًا فيها ولا يكفي توفر أحدها فقط ليكون هذا النص مفعلًا أو قيد التطبيق، وهي ضرورة أن يكون «بالغًا واسع الانتشار وطويل المدى». إضافة إلى ذلك هناك صعوبة واضحة لإعمال النص كون من المستحيل أن يكون الضرر بالغًا، واسع الانتشار، وطويل المدى في ذات الوقت، كما أن هناك صعوبة في قياس ذلك. فكيف يعرف ضرر ما كونه بالغًا أم لا؟، وعلى أي أساس سيقاس كون الضرر طويل المدى أم لا؟، فهل يقاس على سبيل المثال بعدم إمكانية استغلال الأرض من قبل المدنيين لمدة عشر سنوات فقط أم بضرورة مرور عقدين؟ أم ماذا؟ في سياق هذه النقطة يشار إلى أن اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لاغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى تطلبت فقط توفر شرط واحد من الشروط بالغًا أو واسع الانتشار أو طويل المدى حتى يتم اعتبار أن الضرر قد تحقق.

ربما ما يميز نص المادتين أن التوقع فقط بحدوث الضرر كافٍ لتحقق أركان المسؤولية عن الفعل إذا ترتب عليه ضرر لحق بالبيئة، إلا أنه من جانب آخر يقترح البعض انطلاقًا من طبيعة البيئة، كونها تندرج ضمن الأعيان المدنية، مد الحماية التي تتمتع بها الأعيان كي تستفيد منها عناصر البيئة في ظل عدم كفاية النصوص الخاصة بها. ومع صحة فرضية هذا القول إلا أنه يتلاشى كون حتى الحماية التي تتمتع بها الأعيان المدنية ليست دائمة على اعتبار أنها قد تصبح أهدافًا عسكرية بمجرد أن تساهم في العمل العسكري وبالتالي تصبح محلًّا للاستهداف، ومع ذلك يرى البعض أن الحماية الممنوحة للأماكن المجردة من وسائل الدفاع قد تجد مجالًا للتطبيق هنا. وفي ذات الإطار لا بد من التنويه على أن أطراف النزاع تظل ملزمة بضرورة اتخاذ كل التدابير الممكنة والمناسبة التي يترتب عليها إبعاد الضرر عن البيئة ولا يكفي لنفي المسؤولية التذرع بعدم الدراية أو المعرفة. 

إن ما يثير الانتباه وما يحتاج للمعالجة أيضًا هو أن الحماية التي تضمنتها قواعد القانون الدولي الإنساني لا يمكن أن تتعدى من حيث تطبيقها الصراعات المسلحة الدولية، فالنزاعات المسلحة غير الدولية بالرغم من كون معظم النزاعات في العالم تقريبًا من هذا النوع لا يمكن أن يتم إعمال هذا النص – نص الحماية المفترضة – أو تطبيقه. وتظل قواعد القانون الدولي العرفي وتحديدًا المواد 43-44-45 محلًّا للتطبيق – بصرف النظر عن نوعية النزاع – وهي تلك القواعد التي تفرض تقريبًا مضمون الحماية نفسها الواردة للبيئة في المادتين 35- 55 من البروتوكول الإضافي الأول 1977. 

استفادة محتملة

وبالرغم من ذلك تظل هناك إمكانية كبيرة جدًّا للاستفادة من الحماية غير المباشرة للبيئة التي توفرها بعض الاتفاقيات في ظل قصور وعدم فعالية ما هو موجود من نصوص للقانون الدولي الإنساني عبر وضعها موضع التنفيذ مثل: اتفاقية 1976 الخاصة بحظر استخدام أي عمل عسكري أو عدائي آخر لتقنيات تغيير البيئة، واتفاقية 1980 الخاصة بحظر وتقييد استخدام أي أسلحة تقليدية، وكذلك بروتوكول 1999 الملحق باتفاقية لاهاي 1954 كأساس لحماية التراث الثقافي الطبيعي.

وفي الختام لا بد من القول إن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أورد نصًّا خاصًّا بحماية البيئة تحديدًا في المادة 8 الفقرة 2/ب/4 عندما اعتبر أن الأعمال التي تلحق ضررًا واسع النطاق وطويل الأجل وشديدًا بالبيئة الطبيعية وتنتهك مبدأ التناسب هي جريمة حرب تستوجب المساءلة والعقاب، ويبدو إلى حد بعيد أن مضمون النص يتشابه مع المادتين 35 و 55 من البروتوكول الإضافي الأول 1977، وبالتالي ينطبق ما قيل آنفًا على هذا النص أيضًا.

وعلى كل حال تبقى مسألة حماية البيئة والتقيد ربما بالنصوص الواردة واللجوء لما توفره نصوص القانون الدولي للبيئة من حماية – في ظل عدم كفاية نصوص القانون الدولي الإنساني– متوقفًا على إرادة الدول وتحديدًا أطراف النزاع، فخطورة إيذاء البيئة كبيرة وآثارها وخيمة على الأجيال اللاحقة، وكل الآمال تظل معقودة على تضافر كل الجهود من أجل بيئة آمنة. 

ولا بد أن ننوه للدور الهام الذي تضطلع به اللجنة الدولية للصليب الأحمر في إطار احترام البيئة وحمايتها أثناء النزاعات المسلحة عبر تذكير الدول وأفراد قواتها المسلحة بالتزاماتهم، وهو ما انتهى باعتماد ما يعرف بــ «المبادئ التوجيهية للأدلة والتعليمات العسكرية بشأن حماية البيئة في أوقات النزاع المسلح» والتي أوصت الجمعية العامة للأمم المتحدة بضرورة الاهتمام بها وتقديم الاحترام الكامل لها منذ 1994.

نُشر هذا الموضوع في العدد 65 من مجلة «الإنساني» الصادر في ربيع وصيف 2019، ضمن ملف حول تغير المناخ والنزاعات المسلحة. للاطلاع على محتويات العدد انقر هنا ولتصفح العدد إلكترونيا انقر هنا