صارت الثروة الزراعية في فلسطين مهددة أكثر من أي وقت مضى بفعل تغيُّر المناخ واختلال النظام البيئي، إذ تتضافر عوامل مثل ارتفاع درجة الحرارة وزيادة معدلات الجفاف وانخفاض معدلات مياه الأمطار لتشكل تهديدًا صريحًا للإنتاج الزراعي في البلد المحتل، ما يجعل من توفير الغذاء تحديًا عسيرًا.

أصر المزارع الشاب إبراهيم العمور على اصطحابي إلى مزرعته، التي كانت مزدهرة يومًا بأشجار العنب والتفاح والبرتقال، وأخذ يريني متحسرًا ما آلت إليه الأشجار من ضعف حتى إن بعضها جف تمامًا، بالرغم من كل إجراءات العناية السنوية بها. العمور مزارع متعلم ويعي جيدًا أن هذه المشكلة عامة في بلدته الحدودية الفخاري، جنوبي قطاع غزة، التي تعاني منذ سنوات من انحسار الأمطار وزيادة الملوحة في مياه الري. يعلم العمور جيدًا أن التغير المناخي قد يؤدي إلى تغيير مسار حياته وحياة المزارعين مثله ممن يعتاشون من خيرات الأرض. 

والتغير المناخي الذي نشهده اليوم هو جزء من دورات طبيعية يمر بها كوكب الأرض بعض أسبابها طبيعية وبعضها الآخر بفعل النشاط البشري. ومع تنامي ظاهرة الاحتباس الحراري وما يرافقها من ارتفاع في درجة حرارة كوكب الأرض، نشهد اتساعا في ظاهرة التصحر، وزيادة في ملوحة التربة واضطرابا في بداية المواسم الماطرة وعدم انتظام في كمية الأمطار الهاطلة، فتارة انحسار للأمطار وتارة أخرى هطول كميات مهولة منها، أو ما يطلق عليه نوبات المطر الغزيرة. فأصبحنا في الأعوام المنصرمة نرى فيضانات غير متوقعة وفي بلدان لم تعتد على هذه الظواهر في تاريخها الحديث، ما يترك نتائج مدمرة لا سيما على المزارعين والقطاع الزراعي،ما يزيد من التحديات التي يواجهها المزارع البسيط الذي كان يعتمد على أمطار منتظمة ومواعيد ثابتة للزراعة.

مظاهر سلبية

لا يقع المزارع – خاصة في المناطق الفقيرة المهمشة التي تفتقر لجهات داعمة ولبنية تحتية قوية ولمؤسسات إرشاد زراعي توضح للمزارعين آليات وطرق التأقلم المناسبة مع التغير المناخي- ضحية للنزاعات المسلحة وحسب، ولكنه يقع ضحية أيضًا لتقلبات وتغيرات المناخ. ومن أمثلة هذه التقلبات: ارتفاع معدلات هطول الأمطار والاختلافات غير المعتادة في حدتها التي قد تكون سببًا في دمار المحصول وانتشار أمراض كانت هامشية أو غير معروفة في الماضي، لكنها أضحت تحديًا حقيقيًّا الآن. 

والمناطق الفلسطينية ليست استثناء فيما يخص ظواهر التغير المناخي، وهناك العديد من الأمثلة التي تزيد الأعباء على كاهل المواطن الذي يعاني أصلًا من وضع اقتصادي وسياسي مضطرب. ففي العام المنصرم، أدت التغيرات المناخية من ارتفاع في درجات الحرارة فوق معدلاتها وانخفاض في معدلات تساقط الأمطار إلى تدهور كبير في محصول الزيتون في الضفة الغربية. وتقول منظمات غير حكومية معنية بالوضع الزراعي في فلسطين إن حصاد الزيتون في الضفة الغربية بلغ نحو عشرة آلاف طن في العام 2018، وهو ما يشكل نصف معدلات الإنتاج السنوية التي دارت حول أكثر من 20 ألف طن. وتقول تقديرات إن إنتاج الزيتون يشكل نحو نصف إجمالي الإنتاج الزراعي في فلسطين، وتعتمد نحو مئة ألف أسرة في معيشتها عليه. 

ومن خلال متابعات «دائرة الأمن الاقتصادي» في اللجنة الدولية للصليب الأحمر في قطاع غزة لما يقارب مئة من صغار مزارعي المناطق الحدودية اتضح أن جلهم قد تأثر من تغيرات المناخ. فمثلًا فقد الكثير من مزارعي الخضراوات أكثر من نصف إنتاج الموسم الصيفي بسبب ارتفاع غير معتاد في درجات الحرارة وما نتج عنه من ضعف تلقيح الأزهار وانتشار الحشرات الضارة علاوة على الزيادة المطَّردة في ملوحة مياه الري. كما اشتكى مزارعون من ظواهر غريبة تشكل تحديات جديدة، كمزارع العنب التي لم تطرح أوراقًا وثمارًا في بداية موسم الربيع، وذلك لأنها لم تتعرض لدرجات حرارة منخفضة كما هو المعتاد في بداية العام. وأدى تأخر هطول الأمطار، في ظل ارتفاع درجات الحرارة، لظهور العديد من الأمراض الفطرية على أشجار الحمضيات والزيتون ما أدى لتدهور سريع لحال بعضها وجفافها بالكامل. 

وذكر أحد المزارعين، الذي يبلغ من العمر أكثر من سبعين عامًا، أنها المرة الأولى في حياته التي يأكل فيها رطب البلح في فصل الصيف في شهر آب/ أغسطس من العام 2018، وذلك بسبب شدة الحر التي أدت إلى نضوج البلح قبل موعده بحوالي شهرين. المزارع السبعيني أضاف: “نضوج مبكر لكن بحجم أصغر وطعم مختلف، والأهم أنه من الصعب تخزينه وعمل ما يعرف بالعجوة التي تخزنها المئات من الأسر الفقيرة كمصدر طعام حيوي لها ولأطفالها يمدهم بالطاقة خلال أشهر الشتاء الباردة”. كما يجبر الارتفاع المتزايد في درجات الحرارة المزارع الفلسطيني على زيادة كمية استهلاكه لمياه الري للحفاظ على مزروعاته، وبالتالي زيادة ضخ المياه الجوفية مما يسمح لمياه البحر المالحة بالتدفق للخزانات الجوفية التي تعتبر المصدر الأول لمياه الشرب والري في قطاع غزة. وفي دراسة أجرتها جامعة بيرزيت بالشراكة مع جامعة هايدلبرغ الألمانية أوضحت أن حوالي 97 في المئة من المياه الجوفية في قطاع غزة غير صالحة للشرب، إما بسبب الملوحة أو بسبب زيادة النترات فيها. ويقول خبراء إن ارتفاع نسبة النترات في المياه والأغذية يؤدي إلى ضرر بالغ على ﺻـﺣﺔ اﻹﻧﺳـﺎن واﻟﺣﻳـوان. وفي الضفة الغربية، تضرر بالدرجة الأولى قطاع إنتاج الزيتون بسبب التغيرات المناخية. فنوبات المطر الغزيرة أدت لغرق مناطق زراعية كبيرة مثل سهل صانور وسهل دير بلوط، وبالتالي لم يستطع المزارعون الوصول لأراضيهم. وكذلك تشبعت التربة وأصبحت غير قادرة على امتصاص المزيد من المياه في مناطق طوباس، ما أدى لفساد مساحات كبيرة مزروعة بالقمح وعدم تمكن المزارعين من زراعة الموسم الصيفي في موعده.

نُشر هذا الموضوع في العدد 65 من مجلة «الإنساني» الصادر في ربيع وصيف 2019، ضمن ملف حول تغير المناخ والنزاعات المسلحة. للاطلاع على محتويات العدد انقر هنا ولتصفح العدد إلكترونيا انقر هنا