في ذكرى ميلاد الفنان المصري محيي الدين اللباد، (25 آذار/ مارس 1940- 4 أيلول/ سبتمبر 2010).نعيد نشر هذا النص الذي صدر عقب وفاته ضمن العدد 49 من مجلة «الإنساني» (صيف 2010). واللباد فنان مصري بارز، عمل رسامًا للكاريكاتير في مجلتي روز اليوسف وصباح الخير المصريتين في فترة شهدت ازدهارًا كبيرًا لفن الكاريكاتير. لمع اسمه بشكل خاص في مجال تصميم أغلفة الكتب حتى أُطلق عليه صانع الكتب. تُرجمت بعض مؤلفاته إلى اللغات والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والفارسية، واليابانية.
وللفنان اللباد دور مركزي في إخراج مجلة الإنساني، إذ أنه كان من مؤسسيها، وواضع أساس الهُوية البصرية لها.

“عندما كنت صغيرًا، كنا نسكن بقرب جامع السلطان حسن، وكان الترام الذي يمر في الشارع الكبير، عندما يدور بجوار الجامع، يصدر صوتًا عظيمًا. وكان سائق الترام عندي- أيامها- أعظم وأهم رجل في العالم، لأنه يقود هذا الوحش العملاق المهيب. وظللت أتمنى أن أصبح سائق ترام عندما أكر. وكبرت لكنني لم أتمكن من أن أكون سائق ترام، بل ولم أستطع حتى أن أتعلم قيادة السيارات، لكني تعلمت الرسم، وأصبحت مجرد رسام. ووجدت- والحمد لله- أن هذا العمل يتيح لي فرصة مدهشة، وهي أني أستطيع أن أرسم نفسي سائق ترام كما تمنيت طويلًا..”

لكن الحقيقة التي لم يقلها محيي الدين اللباد، تواضعًا، هي أنه لم يكتف برسم نفسه بل قاد بالفعل ترامًا من نوع آخر. فاللباد إنسان من طينة مميزة، هو ذلك النوع من البشر الذي يرى العالم بعين مختلفة ومتميزة عن أعين الناس جميعًا.

حسه كفنان كان يجعله يلاحظ في أبسط أمور الحياة، وأضعف مخلوقاتها، جمالًا تفوت الكثيرين ملاحظته. وهنا تكمن الحقيقة الأخرى في حياة اللباد وهي أنه لم يتوقف يومًا عن رؤية العالم واكتشافه بعيني الطفل. فالإبداع بالنسبة إليه هو أن تقول وتكتب وترسم وتصمم وتصوغ بصريًا ما يعبر عنك وحدك وعما في داخلك وليس عما هو متوقع منك. الصدق مع الذات وإطلاق الحرية للإبداع والتفكير والنقد هو الطريق الوحيد الذي يقود إلى الأصالة فيما تفعل ويجعلك بذلك تبني ما يستند إليه كل من يأتي من بعدك.

وهنا تتجلى عظمة اللباد، لمن كان يعرفه، فهو كان “أسطى” في عمله وفي حياته. أسطى لأنه الأستاذ الكريم الذي لا يبخل على تلاميذه ومريديه بل يعطيهم زبدة معرفته التي راكمها على طول سنوات العمر، مجنبهم بذلك المرور بالطريق الصعب. وهؤلاء المريدون كانوا بشرًا من أنواع وأعمار وجنسيات كثيرة يقصدونه تمامًا كركاب الترام، لنقلهم من مكان إلى آخر، لكن اللباد كان قادرًا على نقلهم من حالة معرفية إلى أخرى أكثر عمقًا وإدراكًا لما يحيطهم، كما لأنفسهم ولقدراتهم، ويمنحهم بذلك أجنحة للابتكار والتحليق أبعد منه ونحو عوالم جديدة. تكتشف كلما قلّبت في دفتر لحظات معرفتك بهذا الإنسان، أن حلمه القديم الذي عبر عنه في كتابه الجميل “كشكول الرسام”، ما هو إلا انعكاس لشخصيته: رجل يعرف قدر نفسه، لا يهاب المسؤولية، يبحث عن الجمال في التفاصيل، والدقة والإتقان والكمال في كل ما يعمل، لكنه يفضل أن يبقى مستترًا بين جنبات ذلك “الوحش العملاق المهيب” غير عابئ بالشهرة، متمسكًا بالجذور والأرض من دون أن يمنعه ذلك من الحركة والتنقل بين عوالم مختلفة واكتساب معارف جديدة ثم هضمها وإنتاج أعمال متميزة ومبتكرة تحاكي روح العصر.

غلاف الألبوم الأول من سلسلة “نظر” التي جمعت مقالات الفنان محيي الدين اللباد عن الفنون البصرية المحلية والعالمية

فسائق الترام يشعر مع الحركة بنبضات الأرض من تحته وما تحويه من كنوز كثيرة غير مكشوفة، هكذا كان اللباد يشعر بما تحتويه بيئته الشرقية من تراث ثقافي غني، بدءًا من اللغة والحكاوي والسير والرسوم الشعبية وصولًا إلى الخط بأشكاله المختلفة مصدر إلهامه وفنه أكان للرسوم أو التصميم أو الأفكار أو المشاريع الكثيرة التي ساهم في إطلاقها ومنها مشروع مجلة “الإنساني”.

فقبل اثني عشر عامًا [1998] عندما طلبت منه اللجنة الدولية أن يضع التصميم الأساس لمجلة “الإنساني” وحتى آخر عدد عمل عليه، كان يرى في هذه المجلة تجسيدًا لمشروعه الشخصي: أن يكتب وينشر للعالم العربي وبلغته وثقافته، عنه وعن ناسه ولناسه، بحيث لا يكون الحديث عن العمل “الإنساني” أو القوانين الدولية كأنها مواضيع لا تمت لواقع لمنطقة بصلة، بل تبرز المجلة الارتباط الوثيق بين هذه المفاهيم العالمية والإنسانية وبين حياة وبيئة كل شخص من أبناء المنطقة. وعلى طول السنوات الماضية كان اللباد، عونًا لكل من عمل في تحرير “الإنساني”، فهو لم يكن مجرد مسؤول فني يهتم بالشكل فقط، لكنه ساهم أيضًا في كل عدد بالارتقاء بمحتواه المكتوب من خلال فكرة أو لمسة أضافها على عنوان أو جملة فيه.

في الرابع من أيلول/ سبتمبر الماضي [4 أيلول/ سبتمبر 2010] فقدت “الإنساني” أباها الروحي لكنها لم تفقد روحه، بل إنها كما غيرها من ركاب الترام المحظوظين صعدت معه في رحلته، فاستفادت وتحققت على مدى اثني عشر عامًا، وستظل ممتنة له ومسترشدة بتلك التجربة في رحلتها المستمرة.

محيي الدين اللباد.. وداعًا.

نُشر هذا النص في العدد 49 من مجلة «الإنساني» الصادر في صيف 2010.