مع ارتفاع عدد مستخدمي شبكة الإنترنت العرب، أخذت الكتابة الشخصية على المدونات في الذيوع، وباتت المدونات ساحة لعرض الحياة بجوانبها الإنسانية وكتابة اليوميات في مناطق الصراع والحرب. لكن التطور التقاني المتلاحق سحب بساط الانتشار والتأثير من تحت أقدام المدونات، ووضعه حذو الشبكات الاجتماعية، لتصبح هذه الشبكات هي الناقل الأكثر استخدامًا لأصوات المعايشين تجربة الحرب والنزاع.

بدأت كتابة اليوميات على الإنترنت أو – ما اصطُلِحَ على تسميته بالعربية «المدونات» عام 1999، عندما أطلقت شركة (بايرا لابس) الأميركية منصة (بلوجر) للتدوين، كخدمة مجانية تتيح للمستخدمين نشر المحتوى النصِّي والصور دون برمجة. واستخدم كثير من أوائل المدونين العرب هذه الخدمة. ولحق ذلك تقديم بعض الشركات العربية الداعمة للتكنولوجيا خدمة التدوين باللغة العربية عبر مواقعها، منها مدونات (مكتوب) و(جيران)، وهو ما ساهم في دخول مزيد من الأفراد إلى عالم المدونات.

ومع الحرب على العراق عام 2003 برزت مدونات «الكتابة تحت الحرب»، وهي مشاركة نصوص أو صور عن قصص الحياة اليومية للمدنيين في مناطق الحرب والنزاع المسلح. وكانت مدونة (سلام باكس) هي الأبرز والأكثر شهرة، كونها باللغة الإنجليزية، ما جعلها مقصدًا للغرب الساعي لفهم أحوال العراقيين في ظل الهجوم العسكري. واكتسبت فكرة التدوين عن الحرب وجاهة بعد أن اقتبست الصحافة العالمية نصوصًا من (سلام باكس)، لتبدو «مدونات الحرب» إلى جانب كونها أداة لتفريغ المشاعر والأفكار الزاخمة التي تثيرها النزاعات المسلحة، وسيلة للفت أنظار العالم إلى قضية النزاع.وهكذا، توالى ظهور مدونات باللغة الإنجليزية مع وقوع الحروب في المنطقة العربية، فعلى سبيل المثال، ظهر في الحرب على غزة عام 2009 مدونات (عُلا من غزة) و(مدونة خارج الصندوق).

غير أن الانتشار السريع للشبكات الاجتماعية وزيادة عدد مستخدميها أثَّر على قرائية المدونات، ومن ثمَّ الإقبال على استخدامها، لتؤدي الشبكات الجديدة مهمة منصات التدوين التقليدية في نشر المحتوى الذي ينتجه الأفراد، بما في ذلك الكتابة عن الحياة تحت الحرب والنزاع المسلَّح. ومن أقدم الشبكات التي تم استخدامها لنشر القصص الإنسانية في الحروب والنزاعات (تويتر) الذي تأسس في الولايات المتحدة عام 2006، وقدم خدمته تحت اسم «التدوين المُصغَّر»، وعرض من خلاله بعض المستخدمين خبراتهم في ظروف النزاعات المسلحة، وهو ما ظهر مع تزايد شعبيته، على سببيل المثال أثناء بدايات النزاع في سورية عام 2011 والحرب الأهلية في اليمن 2015 وغيرها من الصراعات المسلحة في المنطقة (مثلًا في سياق حرب اليمن ينشط استخدام وسم (هاشتاغ) مثل: # اليمن، # صنعاء، # الحوثيون، # الحوثيين(. وعلى (تويتر) يُستخدم وسم لكل مناسبة، إلا أن الشركة المالكة لهذه المنصة تقوم دوريًّا بأرشفة المحتوى، ليصبح متاحًا فقط من خلال التواصل مع الشركة ومقابل دفع أموال. أي أن التغريدات أو محتوى كل وسم يتناول الحياة تحت الحرب – أو أي موضوع آخر – متاح للقراءة بشكل مؤقت. ومسألة إتاحة المحتوى واحدة من الإشكاليات التي تظهر في الشبكات الاجتماعية بشكل عام عندما نفكر بها كبديل للمدونات الإنسانية. وأركز هنا على شبكة (فيسبوك) تحديدًا، باعتبارها الأكثر شعبية بواقع ما يتجاوز ملياري مستخدم نشط شهريًّا..

عمليًّا، اللوغاريتمات المعقدة لـ(فيسبوك) تصل المستخدم بآخرين قبل أن يبحث عنه، وتوصل إليه المحتوى النصي والوسائط المتعددة دون البحث عنها في فضاء الإنترنت، كما كان يفعل جمهور المدونات، ولعل ذلك سبب أساسي في كونها الأكثر منافسة للمدونات، فالمستخدمون غالبًا ما يبحثون عن المحتوى على (فيسبوك) قبل (جوجل)، ففرصة أن تظهر لهم صفحات ومجموعات هذه الشبكة الاجتماعية أكبر بكثير من أن يصادفوا نصًّا منشورُا في مدونة. فضلًا عن أن التفوق التقاني لشبكة (فيسبوك) يجعلها توصل المحتوى للراغبين فيه قبل حتى أن يفتشوا عنه، فنجد قسم (صفحات مقترحة) تظهر لمستخدم الشبكة بناء على ما يقوم به من بحث داخل (فيسبوك) أو خارجه وأنشطته من إعجاب ومشاركة المنشورات. وهكذا، إذا بحثنا عن «قصص اللاجئين السوريين» على (فيسبوك) سوف نصل بسهولة إلى عدة صفحات لمشاركة القصص الإنسانية للاجئين من سورية، أبرزها مثلًا (تنسيقية اللاجئين السوريين في لبنان ويوميات اللاجئين السوريين في الأردن وأخبار اللاجئين السوريين في ألمانيا)، أما إذا بحثنا بنفس الكلمات على محرك بحث (جوجل) فسنجد معظم النتائج تخص صحفًا ومحطات إعلامية تنقل هذه القصص، ليصير (فيسبوك) هو قناة النقل المباشر لصوت الحروب والنزاعات دون وساطة إعلامية.

الدمار في حلب، 2015. رويترز

أيضًا، يظل (فيسبوك) مساحة مجانية لمستخدميه، لا يتطلب منهم أي مقابل مادي لإنشاء حساب شخصي أو أكثر، بخلاف المدونات التي يحتاج المستخدم إلى دفع أموال لشراء اسم للصفحة كمساحة استضافة إذا أرادها شخصية باسمه. وإلى حد كبير، يتولى (فيسبوك) إدارة أمن مستخدميه، بخلاف المدونات، كما أن التطبيق الخاص به على الهواتف الذكية في تحديث مستمر، على عكس غالبية التطبيقات الخاصة بمنصات التدوين الشهيرة.

لكن قبل مناقشة أفضلية (فيسبوك) على منصات التدوين لنقل الكتابة الإنسانية عن الحروب والنزاعات المسلحة، علينا أولًا تفهم أن ذلك تحول طبيعي، فالتكنولوجيا تتجدد باستمرار وتختفي أدوات وتظهر أخرى، وفقًا لأفضليات المستخدمين. فالشركات مالكة المواقع والخدمات المتعلقة بشبكة الإنترنت تبتكر وتعدِّل وتطور وتحذف حسب إحصاءات الاستخدام، والمثال ذو المعنى هنا هو ظهور (قارئ جوجل) عام 2007، كإحدى الأدوات لمطالعة المحتوى المنشور عبر المدونات التي يختارها المستخدم أولًا بأول، بحيث يصل إلى حسابه على بريد (جوجل) بدلًا من زيارة المدونات المفضلة لديه كلٍّ على حدة، ثم إغلاق هذه الخدمة في عام 2013؛ بسبب تضاؤل عدد مستخدميها، ما يعكس تراجع شعبية المدونات. وعلى الشبكات الاجتماعية – أيضًا – تلحظ أن المزيد من الخواص تظهر، أو بعضها يختفي، مثلًا، في بداية ظهور (فيسبوك) لم يكن هناك زر (إعجاب) الشهير، لكن تمت إضافته عام 2009. والشاهد من هذين المثلين أن المستخدمين هم محرِّكو المشهد التقاني، بالتالي فإن أفضلية شبكة عن أخرى لغرضٍ ما – وحديثنا هنا عن التدوين الإنساني – ليس مرتبطًا بتميز شبكة اجتماعية عن أخرى بشكل عام، بقدر ما هو مسألة تلبية الشبكة الاجتماعية لاحتياجات المستخدمين.

SASCHA STEINBACH/EPA

والآن، هل التحول في مكانة المدونات و(فيسبوك) إيجابي أم سلبي؟

ينبغي أن ننتبه إلى أن شعبية إحدى الأدوات لا تعني تفوقها، فلدى خاصية التدوين على (فيسبوك) بعض أوجه القصور، منها – مثلًا – أنها لا تعطي معلومات كميَّة وجغرافية دقيقة عن مطالعي المحتوى، بعكس منصات التدوين الأخرى (منها بلوجر وورد برس) حيث يتمكن المستخدم من معرفة عدد قراء كل منشور ومن أي بلد هم وتفصيلات عن عمرهم وسنهم ووقت قراءتهم للمحتوى والكلمات المفتاحية التي استخدموها للوصول إليه، وهي معلومات تخدم الراغبين في التدوين تحت الحرب بهدف لفت الأنظار إلى النزاع المسلح.

والخاصية الأكثر خطورة – في تقديري – في التعامل مع (فيسبوك) كمنصة تدوين هي ضرورة أن يمتلك المدوِّن حسابًا على هذه الشبكة الاجتماعية، وهو ما يعني صعوبة إخفاء هوية المدوِّن، لأنه سيكون مضطرًا لمشاركة صور وإضافة أصدقاء وغيره من الأنشطة الاجتماعية على (فيسبوك). وفكرة أن ينشئ أحدهم حسابًا صوريًّا له ويخصصه للتدوين المجهول تقلل من مصداقية هذا الشخص على الموقع الذي يسمح لمستخدميه بالإبلاغ عن الحسابات الصورية وحذفها. وخطورة فكرة الإعلان عن هوية الكاتب أو إخفائها هي احتمالية تعرضه للخطر من جانب أحد أطراف النزاع حال نشر هويته. ويقوم البعض بذلك فعلًا على سبيل المثال، تشارك (عُلا عنان) صاحبة مدونة (عُلا من غزة) على حسابها بشبكة (فيسبوك) تدويناتها المختلفة، سواء المتعلقة بفلسطين أو الشخصية، وتترك الكتابات مقروءة للجميع، وحتى الآن لم تتعرض (عنان) لخطر بسبب كتاباتها تحديدًا.

وبينما يمكننا اليوم مطالعة مدونات الحروب بالمنطقة منذ عام 2003 على (بلغسبوت) و(وورد برس) تقل احتمالية أن نرى تدوينات اليوم على (فيسبوك) بعد عشرة أعوام مقبلة، لأن بقاء المحتوى متاحًا مرتبط باستمرار وجود الحساب الذي تم من خلاله نشر النص أو الصورة، والاحتفاظ بإعدادات الخصوصية للنشر العلني وليس المحدود على دوائر معينة للمستخدم. وهكذا، خيار التوقف عن التدوين والاحتفاظ بالمحتوى القديم غير مطروح في عالم (فيسبوك)، فالمستخدم لا يمكنه إغلاق حسابه على هذه الشبكة وفي نفس الوقت الاحتفاظ بالمحتوى الذي قام هو بنشره، ولا بد أن يظل حسابه مفتوحًا ومُفعَّلًا في سبيل الاحتفاظ بمنشوراته. وهي النقطة التي أشرت إليها مُسبقًا أثناء الحديث عن (تويتر).

بالإضافة إلى ذلك، على (فيسبوك) يصبح من السهل نسخ المنشورات ومشاركتها بمزيد من التفصيلات المختلقة أو الصور المفبركة، وعلى الرغم من وجود هذه الاحتمالية على المدونات، لكنها أكثر سهولة على الشبكة الاجتماعية التي تخصص زرًّا للمشاركة أسفل كل المنشور. وفكرة أن يضبط المستخدم إعداداته بحيث يختفي هذا الزر عن المنشورات تعني تقليل فرص نشر المحتوى لصفحات وحسابات خارج مكان النشر الأول.

وقد لا يهتم أحدنا بكل أوجه القصور السابقة في سبيل شعبية فيسبوك وأعداد مستخدميه التي تتزايد لحظة بعد الأخرى، لكن الواقع أن المحتوى المنشور على هذه الشبكة الاجتماعية يظل في دوائر المستخدم وأصدقاء أصدقائه فقط، ولا يخرج إلى «العلن» فعليًّا ما لم يدفع المستخدم أموالًا إلى (فيسبوك) لترويجه، والترويج هنا لا يقتصر على الإعلانات، فهذه الشبكة الاجتماعية يمكنها – في مقابل المال – وضع منشورك أمام مستخدمين يقرأون عن الحرب من بلدان مختلفة.

وأعود إلى السؤال الذي طرحته: «هل نعتبر التحول في مكانة المدونات و(فيسبوك) إيجابيًّا أم سلبيًّا؟» أرى أن «اقتصار» التدوين على منصة واحدة نقطة ضعف كبيرة، خاصة أنه في حالة (فيسبوك) يصبح الأمان الرقمي والشخصي للمدونين مهددًا، بسبب قواعد الاستخدام التي تنتظر أن يكون المستخدمون أشخاصًا حقيقيين يشاركون معلومات ولو في دوائر محدودة. كذلك فإن (فيسبوك) لا يضمن ديمومة النصوص المنشورة ويرهنها ببقاء حسابات أصحابها مفعَّلة، فضلًا عن أنه – على خلاف المتصور – وصول القصص الإنسانية للعالم الخارجي فرصته على ( فيسبوك) أقل من منصات التدوين، ما لم يلجأ المستخدم إلى خدمات ترويج المحتوى التي تقدمها الشبكة الاجتماعية.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر إلا عن وجهة نظر أصحابها، ولا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي للجنة الدولية للصليب الأحمر.
نُشر هذا المقال في العدد 64 من مجلة «الإنساني» الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 2018 ضمن ملف «حروب الصحافيين الخاصة» الصادر في عدد المجلة الخاص بذكرى مرور عشرين عامًا على انطلاقها.