طيلة خمسة عشرَ عامًا، هي حصاد عملي صحافيًّا ومراسلًا حربيًّا، أستطيع بعد هذه السنوات أن أقف منتقدًا أداء غالبية وسائل الإعلام والصحافة العربية، فأنا فرد من داخل المؤسسة، وتوجيه بعض النقد من موقعي ليس بهدف الهجوم، ولكن بهدف التطوير.

لم يكن الثامن والعشرون من كانون الثاني/ يناير من العام 2011 والمعروف إعلاميًّا باسم «جمعة الغضب» هو ذروة التوتر في مصر خلال ذلك العام، بل يمكن القول إن الثاني من شباط/ فبراير والمعروف إعلاميًّا باسم «موقعة الجمل»، كان ذروة التوتر.

فعقب «الانتصار الميداني» للمتظاهرين واحتفاظهم بميدان التحرير، كان توتر المتظاهرين على أشده، قبل هذا اليوم اعتبر المتظاهرون أن كل وسائل الإعلام – عدا المملوكة من الحكومة المصرية –هم أصدقاء ورسل يقومون بنقل رسالة المتظاهرين «النقية الطاهرة الباسمة العادلة» إلى العالم، ولكن، هل كان «مجتمع المتظاهرين في ميدان التحرير» مثاليًّا فعلًا كما نقلته بعض وسائل الإعلام؟

يمكنني أن أجزم بالنفي. فخلال عملي كمراسل ميداني لقناة إخبارية عربية في ميدان التحرير والإسكندرية منذ 30 كانون الثاني/ يناير 2011 وإلى منتصف آذار/ مارس، كنت أقضي ليالي كاملة في التحرير والشوارع المؤدية له والتي تخضع لسيطرة المتظاهرين أو ما اصطلح على تسميته آنذاك باسم «اللجان الشعبية». وخلال تلك الفترة رأيت الكثير من الممارسات السلبية والعنف الذي مارسه هؤلاء ضد أفراد قادهم حظهم العثر ليكونوا في المكان والزمان الخاطئين. هل كنت وحدي من لاحظ تلك الظواهر؟ أجزم بالنفي أيضًا، فأي صحافي قضى يومًا كاملًا في ميدان التحرير، لا بد وأن تكون قد وقعت عيناه على مشهد من تلك المشاهد. لكننا لم نجرؤ، وأكررها، لم نجرؤ نحن الصحافيين، عربًا أو أجانب، على الإشارة ولو من بعيد لتلك المشاهد.

هناك أسباب عدة تجعل الصحافي يغمض عينًا أحيانًا عما يراه خلال التغطيات الميدانية، مثل إيمانه الشخصي بعدالة قضية ما، أو تخوفه من أن يفقد ترخيصه الصحافي، أو يفقد عمله، إن نشر ما يختلف مع السياسة التحريرية للمؤسسة التي يعمل بها. أو أن يفقد قدرته على الوصول إلى مكان الحدث الذي ينوي تغطيته. ففي مثل حال المظاهرات المصرية في كانون الثاني/ يناير 2011، لم يكن «التصريح» صادرًا من جهة حكومية مصرية، وإنما هو تصريح ضمني يصدر من جموع المتظاهرين، ممن تعرضوا عمدًا لمحاولات تشويه من الإعلام الحكومي المصري والموالي له آنذاك، ما جعلهم، وكلنا رأينا ذلك، يرفضون دخول العاملين في قنوات التلفزيون المصري.

ولا يقتصر إغماض العين أو عدم ذكر كامل الصورة على الفترة التي يكون فيها الصحافي في ميدان التحرير، وإنما يمكن أن تمتد أبعد بكثير من تلك اللحظة. ماذا لو كان الطرف المعني في السلطة أو تابعًا للجو السياسي والاجتماعي العام، إذ يصبح تناول أي موضوع بمهنية صحافية أحد التابوهات لأي صحفي يود أن يحتفظ بإمكانية دخول مكان الحدث.

لا أحاول هنا أن أتحيز إلى ما روجته بعض وسائل الإعلام آنذاك ضد المتظاهرين. قصدي أن أوثق أن ذلك الميدان لم يكن «يوتوبيا» تمامًا، رغم أنني وآخرين غيري من الصحافيين ساهمنا في تصويره كذلك.

مسؤولية الإدارة

لا يوجد خبر يستحق المخاطرة بحياتك. شعار نسمعه كثيرًا في الصحافة، ولكن التطبيق العملي مختلف، فرئيس قسم المراسلين «الجيد» هو من يضغط ويدفع بالمراسلين إلى أتون المعارك، ولعل لوثة «الصور الخاصة والحصرية» هي السبب في تفشي هذه الحمى. عانيت كثيرًا وأنا مراسل في مناطق الحرب من هذه المشكلة.

بالطبع يمكنك دائمًا رفض الذهاب لتغطية معارك معينة أو مناطق نزاع وتوتر لأنك بخبرتك ترى الوضع غير آمن، ولن يستطيع رئيس قسم المراسلين إجبارك، ولكنه يملك تقييمك السنوي والذي ينعكس على ترقيتك ومكافآتك المالية أو زيادة الراتب الشهري. وكل «لا» تقولها لرئيسك، ستنعكس سلبًا على تقييمك السنوي. ويمكنني الجزم بأن ارتفاع أعداد القتلى أو المصابين أو المختطفين من الصحافيين العرب، يرجع بصورة أساسية إلى ما يمكن أن أصفه بتنمر بعض رؤساء التحرير أو رؤساء أقسام المراسلين الذين يجلسون في غرف الأخبار مكيفة الهواء ويدفعون بطواقمهم الميدانية لأتون المعارك، من أجل تعبئة بضع دقائق على الشاشة مع إشارة «صور حصرية» تزين شاشة القناة، ولتضعها في مركز متقدم في سباق القنوات 

كاتشاب في صحراء اليمن!
خلال تغطية مناطق النزاع يصادف الصحافي زملاء من جنسيات ووسائل إعلام مختلفة، وليلًا بعد أن يرسل كل منا مادته الصحافية، يجد الصحافيون فسحة لتناول العشاء أو كوبًا من الشاي معًا وتجاذب أطراف الحديث، وغالبًا ما يكون الموضوع هو مقارنة حالنا نحن «الصحافيين العرب» بالزملاء الأجانب. إذ غالبًا ما نجد بيننا زملاء عربًا أُرسلوا لمنطقة حرب من دون أي تدريب مسبق من أي نوع، ولو كان تدريبًا على دورة إسعافات أولية. وبعضنا لم يتلقَّ أي تدريب على التعايش في مناطق الحرب وطرق النجاة، فيما يُسمى بـ دورات «المراسل الحربي»، والبعض الآخر لم يعش يومًا خارج المدينة ولو في معسكر للحياة الكشفية. وتبدأ القصص والنوادر عن صحافي استفسر مثلًا من مزود الطعام في صحراء اليمن عن «كاتشاب»!

وننظر بحسرة لطواقم الصحافيين الغربيين، فهؤلاء كل شيء فيهم يشي بالاحترافية، بداية من الحذاء الآمن والمرافق المتمرس (عضو قوات خاصة سابق) والدورات التدريبية التي اجتازوها، ودورات الإسعافات الأولية وآليات التفاوض مع خاطفين، حتى دورات عسكرية للمبتدئين، وآليات التعايش في بيئات بريَّة أو صحراوية وغيرها. وأذكر أنني بعدما غادرت إحدى قنوات الأخبار التي عملت بها مراسلًا في منطقة حرب بأشهر عدة، التقيت مديري السابق في قسم المراسلين، وكان يعمل مع صحافيين غربيين في مشروع مشترك. وبدأ يشكو باستفاضة من طول وكم الاجتماعات التي يصر الصحافيون الغربيون على عقدها وكيف أنها تقتل يومه، فيخرج منها متهالكًا، من دون أن يشعر بأنه أنجز أي تقدم. حينها سألته إن كان هذا الجانب السلبي في العمل مع الصحافيين الغربيين، فما هو الجانب الإيجابي الذي رآه أو تعلمه طوال تلك الفترة؟

صمت قليلًا ثم قال: «تقسيم مهام العمل». مضيفًا «في غرف الأخبار العربية نطلب من المراسل أن يؤدي مهمتين أو ثلاثًا أو أربعًا، وأحيانًا خمسًا، أما الغربيون، فيصرون على تقسيم العمل، وإرسال عدد أكبر من الأفراد لضمان ذلك. فالمهمة التي نرسل لها مثلًا فريقًا من شخصين، يمكن أن يرسلوا لها فريقًا من ستة أشخاص أو أكثر! وبينما نبحث نحن دائمًا عن تقليل التكاليف، يبحثون هم عن راحة كل فرد في الفريق أثناء عمله، وضمان أن يكون الجهد وساعات العمل مقبولين إنسانيًّا، وهو ما ينعكس على نوعية العمل وجودته بالمقارنة بين فريق عربي من مصور ومراسل فقط قام بتغطية قصة أو حدث، وبين فريق غربي يمكن أن يصل عدده إلى سبعة أشخاص لتغطية الحدث نفسه.

لكن لعل أخطر ما يواجه الصحافة العربية حاليًّا، هو التحزبات السياسية والانقسامات الأيديولوجية والعرقية والمذهبية. فمنذ العام 2011 وإلى اليوم، يستطيع المرء أن يقول إن المهنية الصحافية والحيادية وحرية الرأي والتعبير تتآكل يومًا بعد يوم في منطقتنا. والجمهور العربي المتلقي لكل هذا الكم من الأخبار المؤدلجة يقف حائرًا من يصدق، ثم يقرر الانصراف عن متابعة الأخبار. وظني أن هذا هو السبب الرئيس لانصراف المتلقي العربي عن الأخبار، وإقباله أكثر على المحتوى الترفيهي.

صناعة الخبر تحتضر في العالم العربي.

 

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر إلا عن وجهة نظر أصحابها، ولا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي للجنة الدولية للصليب الأحمر.

نُشر هذا المقال في العدد 64 من مجلة «الإنساني» الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 2018 ضمن ملف «حروب الصحافيين الخاصة» الصادر في عدد المجلة الخاص بذكرى مرور عشرين عامًا على انطلاقها