يعاني الأطفال السوريون تبعات نفسية وخيمة جراء ما خبروه من قصف لأحيائهم، وتهجيرهم وفقدانهم لذويهم. وهم يقاسون مشقة التأقلم مع بيئة اللجوء. في مخيمات لبنان حاول البعض التخفيف من وطأة المعاناة عن طريق العلاج بالفنون

أصبح العلاج النفسي بالفنون الإبداعية أمرًا معروفًا اليوم. ويُقدَّم هذا العلاج حاليًّا لأطفال سوريين يعانون تبعات النزاع المسلَّح الذي أنهك بلادهم. ويحاول خبراء في هذا المضمار توظيف الفنون الإبداعية، كالرسم والنحت والموسيقى والرقص والدراما، بهدف التخفيف من وطأة العبء النفسي الذي يشعر به الأطفال اللاجئون.

والعلاج بالفن هو معالجة نفسية تستند إلى وسائط فنية كالرسم والنحت وكل ما هو صوري كأداة أساسية للتعبير، إذ لا يعتمد المرء على الكلام فقط في عملية التواصل، وإنما أيضًا يتفاعل مع الأعمال الفنية من أجل إيصال أفكاره، والعمل على تخطي الصعوبات النفسية التي تعترضه، على ما تشرح أخصائية العلاج بالفن من جامعة غولدسميث البريطانية دانة فواز.

وتتابع دانة، التي تعمل حاليًّا مع اللاجئين السوريين في لبنان، أنها تستهل نشاطها مع الطفل حتى يبدأ بإعداد عمله الفني. ويختلف الوقت الذي يستغرقه ذلك من طفل لآخر. فأحيانًا تشاهد في البداية آثار الحرب في رسوم الطفل، فيما تبقى غائبة لدى أطفال آخرين، إذ إن لكل منهم طريقته في التعامل مع الأزمة النفسية التي يمرُّ بها.

ويعتمد ذلك بشكل أساسي على عوامل كثيرة منها خلفية الطفل وخبراته، كعلاقته ومدى ارتباطه بأفراد أسرته، والأهم الطريقة التي اختبر بها الحرب وعاش من خلالها، بما انطبع في ذهنه من صور ومآسٍ، كلُّها عوامل تؤثر في تعامل الطفل مع أزمته النفسية وطريقة تعبيره عنها. تقول دانة: «تظهر الأبحاث اليوم أن الصدمة تترك أثرها في العوامل غير النطقية، إذ يجري تذكرها في الجسد، الروائح، الأصوات، الصور، الألوان… إلخ. لذا فالعلاج بالفن يقدِّم طريقة غير صدامية في التعبير عن شيء ما مرعب، ما يجعل الطفل أحيانًا غير مرتاح في التحدث عما جرى، إلا أنه قد يفضل التعبير عنه في صور، تجعلك ترى مأساته من دون التكلم عنها».

وتتحدث دانة مليًّا عن الدور الذي يلعبه الأهل في هذا الإطار، لذا فإلى جانب العمل مع الطفل تتعاون مع الأهل، لأن الأمر مرتبط ارتباطًا وثيقًا بما عليه الحال في المنزل. فعلى سبيل المثال، الطفل الذي لا تؤمَّن له سوى وجبة واحدة من الطعام فقط، يصعب علاجه. وهنا يبرز دور المؤسسات غير الحكومية التي تُعنى بمساعدة هذه العائلات. «إن لم تكن تملك الاحتياجات الأساسية لا يمكنك أن تتجاوز الخوف… الأمر صعب جدًّا. لكن أجمل ما في ذلك هو قدرة هؤلاء الأطفال على التصدي [وتجاوز الخوف]».

عملت دانة مع أطفال من مشارب مختلفة، عملت مع طفل لا يرسم ما يتعلّق بالحرب ويتسلّح برفضه، أو طفلًا أتى من منطقة ريفية، حيث بيته الشاسع، ليعيش مع عائلته في غرفة ضيقة، ويعاني أحيانًا من تعليقات سلبية لا ترحب به وسط المجتمع الجديد الذي فر إليه، وعملت أيضًا مع أطفال يربطون صوت الألعاب النارية، وصوت الرعد، وصوت إقلاع الطائرات بالقصف العسكري، فيصابون بالذعر.

«الطريقة التي يرسم الطفل من خلالها معاناته على ورقة تخرجها من داخله، فيصبح بإمكانه التحدث عنها، كما لو لم تكن معاناته الشخصية. نحن، أنا والطفل في جلسة العلاج، ننظر إلى الرسم معًا فيصبح بإمكانه أن يريني ما يتحدث عنه، وهذا يريحه بطبيعة الحال، إذ يمكِّنه من التصالح مع تجاربه ومنحها شكلًا واسمًا وصوتًا».

من خلال وسائط فنية كالرسم والنحت عبَّر هؤلاء الأطفال عن مخاوفهم ونجح كثيرون في تجاوزها. تروي دانة: «حين ينتهي العمل معهم، فهذا يعني أن الطفل تمكَّن من تجاوز الصدمة وبإمكانه المضي قُدُمًا. غير أنه لن ينسى ما حدث لأنه تحدث وعبَّر عنه في رسوم، ما يجعله أمرًا في الذاكرة، وحين يسترجع هذه الأحداث، سيشعر بالحزن وبعض الخوف، إلا أن هذا لن يؤثر على أدائه في حياته اليومية».

الموسيقى علاجًا

للموسيقي البريطاني نايغل أسبورن (Nigel Osborne) سبق في العلاج بالفنون وتحديدًا الموسيقى قبل ظهور الأشكال الجديدة من العلاج كالرسم والنحت. ولأسبورن تاريخ عريض في تدريب العديد من المعالجين النفسيين المتخصصين بالموسيقى. يقول أسبورن: «أظن أنه ما من تدخُّل لتجاوز الصدمة يترك أثره على الجهاز العصبي والصحة النفسية أكثر من الموسيقى». كان أسبورن رائدًا في العمل في مناطق النزاعات حول العالم، وعالج مؤخرًا اللاجئين السوريين في لبنان من خلال الموسيقى.

يشرح الموسيقي البريطاني العلاج النفسي بالموسيقى بأنَّه استخدام النغمة في إحداث تغييرات في الجسد والفكر والروح، ما يمكِّن الأطفال من تجاوز التحديات النفسية التي تواجههم. ويؤكِّد أنَّه ومع قلة الدراسات التي تُعد في هذا المجال، مقارنة بما يطمح إليه، إلا أن عددًا لا يستهان به منها، يُظهر أن الموسيقى تساعد في ضبط الأنظمة الدماغية المتأثرة بتبعات الصدمات التي تسببها الحروب والنزاعات المسلّحة، إذ إن الموسيقى تمكِّن الأطفال من التواصل بسهولة، والتعبير عما يخالجهم، وكسب الثقة بالنفس وتعزيز المهارات السلوكية. الموسيقى تؤمِّن لهم الاسترخاء والحماسة في آنٍ.

وعن العلاج النفسي بالموسيقى في مخيمات اللاجئين، يوضح أسبورن أنهم يستخدمون في البداية ورش العمل التشخيصية، وقد يصعب أحيانًا تأمين العلاج العيادي الذي لا تتوفر له المتطلّبات اللازمة، ليقتصر الأمر على ورش العمل والبرامج النفسية العلاجية بالموسيقى. أما بالنسبة للعلاج النفسي العيادي بالموسيقى فإنَّه يتضمَّن الارتجال ما يشجِّع الأطفال على التعبير عن أنفسهم من خلال الموسيقى.

والأخصائي الناجح، حسب أسبورن، هو من يعرف ما يريد الطفل التعبير عنه وجوديًّا، وسلوكيًّا، وعاطفيًّا ويتجاوب معه في حوار موسيقي متطوِّر. لكن هذا الحوار لن ينجح إلا إذا أُخذ في الاعتبار التراث الموسيقي للفرد الذي يتلقى العلاج. فالأطفال السوريون لم تحركهم الموسيقى العالمية، ولكن حركهم التراث الموسيقي لبلدهم. يقول: «الأطفال السوريون ليسوا في منازلهم، إلا أنهم يرون ريف دمشق من خيمهم، ما اضطرنا إلى النزول على رغبتهم وبناء برنامجنا بالكامل على الأرشيف الموسيقي السوري».

وعن الحصانة التي يحوزها هؤلاء الأطفال أمام أية صدمات مستقبلية، يشرح أسبورن: «يُزود الأطفال بالأدوات والمعرفة الموسيقية العلاجية التي تعتبر مستدامة وتتجاوز فترة العلاج. وفي حال تعرض الطفل لأية صدمة في المستقبل، فإنه يستحضر مداركه هذه كي يتعامل معها». ويؤكِّد: «العلاج بالفنون عامة، والعلاج بالموسيقى على وجه الخصوص، هي طرق علاجية تتكامل مع العلاج النفسي التقليدي. إلا أن ما يميِّز العلاج النفسي بالموسيقى خلال أو بعد النزاعات المسلحة أنه لا يعتمد على الكلام. يفضل الأطفال في الغالب عدم التحدث عن تجاربهم، إلا أنهم يسرُّون بالتعبير عنها من خلال الموسيقى».

ويروي أسبورن عن تجربة تركت عميق الأثر في نفسه، وذلك في الحفل الذي نُظِّم لبعض الأطفال اللاجئين السوريين على هامش ورشة عمل علاجية، وحكى كيف أجهش الأطفال بالبكاء أمام الحضور عندما بدأوا بأداء الأغاني التي ترتبط بالمناطق التي ينتمون إليها. اعتبر أسبورن أن قدرة الأطفال على التعبير عن انفعالاتهم أمام الجمهور العريض هي خير دليل على نجاح العلاج بالموسيقى في تمكينهم من تجاوز صدماتهم والتصالح مع ذواتهم.

الدراما وصدمات الذات

عملت الدكتورة دلال مقاري أخصائية العلاج بالدراما ومؤسِّسة معهد «دراما بلا حدود» لسنوات مع الأطفال ضحايا الحروب، ولها تجارب عدة في هذا الإطار في أوروبا والعديد من الدول العربية كالأردن ولبنان وسوريا ومصر. والعلاج النفسي بالدراما أو السايكودراما هو علاج يعتمد على الدراما لتخليص الفرد من الصراع والصدمات النفسية من خلال تمثيل أحداث مشابهة باعتماد الفنون والألعاب الدرامية: كالحركة والتمثيل والكتابة.

تقول دلال: «تسعى جلساتي في العلاج النفسي بالدراما إلى التحريض عن طريق الألعاب الدرامية للدخول إلى الذات وتفريغ صدماتها ومعاناتها من الداخل. منهجي في العلاج يسعى إلى البحث عن الذات وإعادة تفسيرها من خلال تعريتها بالبوح الانفعالي العفوي عبر استخدام الدراما، وخاصة في حالات البوح والتفريغ لأنه الفضاء الأكثر ديناميكية وحميمية لمنح الفرصة للمتعالج كي يدخل إلى أعماق ذاته رغبة في إيجاد ممرات جديدة للحكاية».

ويقول خبراء استطلعت «الإنساني» آراءهم إن العلاج بالفنون يختلف عن العلاج النفسي العيادي أو الكلاسيكي، إذ إن الأخير: «دوائي، سريري، فردي، مغلق ومرتبط بمدارس تقليدية ذات توجهات واضحة، وتتأهَّب لنتائج متوقعة»، على ما تقول مقاري التي تضيف إن العلاج بالفنون، خاصة الدراما، «منفتح على كل العلوم والفنون والاحتمالات ويميل إلى خوض التجربة بطريقة تحتمل الدهشة والتغيير والمفاجآت». لكن يمثل هذان النمطان من العلاج منهجين يتكاملان معًا لتحقيق غاية واحدة وهي التخفيف من آلام اللاجئين خاصة الأطفال منهم.

تقول شاريل غزال الأخصائية والمعالجة النفسية: «العلاج النفسي بالفنون طريقة تُعتبَر تقنيًّا حديثة ولكنها «مجدية» على عدة أصعدة». وتضيف: «لا نستطيع اختصار مقاربات العلاج النفسي بكلاسيكي وعلاج بالفنون فقط. فمقاربات العلاج النفسي متنوعة ومختلفة. بعض الحالات العيادية تتطلَّب استعمال عدة مقاربات وتقنيات… وما نشهده منذ فترة يشكل «ثورة إيجابية» في العلاج النفسي من خلال مقاربة العلاج التكاملي».

وحول علاج الأطفال ضحايا الحروب والنزاعات المسلحة توضح راشيل غزل، وهي معالجة نفسية: «أثبتت الدراسات أن العلاج من خلال الفنون يعطي نتيجة جد إيجابية في العمل مع الأطفال بشكل عام، والأطفال الذين عايشوا الحروب والنزاعات المسلحة بشكل خاص، إذ يقدِّم لهم طرق تعبير أبعد وأوسع من العبارات والكلمات التي لا يملكون القدرة على استخدامها، في معظم الأحيان، لتخطي الصدمات النفسية».