بحلول العام 2005، يكون قد مضى على تواجد اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالعراق خمسة وعشرون عامًا. إذ يرجع تاريخ عملها في هذا البلد إلى عام 1980، وذلك عندما تدخلت كوسيط إنساني محايد بين الأطراف المتنازعة في الحرب العراقية الإيرانية.

كانت مهمة اللجنة الدولية في تلك الفترة تتمثل في العمل على ضمان تطبيق القانون الدولي الإنساني من جانب كل من الطرفين المتحاربين، والعمل على وقف الانتهاكات التي ترفضها القوانين والأعراف الدولية، إضافة إلى التدخل من أجل ضمان المعاملة الإنسانية للضحايا من الأسرى والمحتجزين على الجانبين.

كما هو معروف، أسهمت تعقيدات هذا النزاع، كما أسهمت الظروف الدولية غير المواتية في تلك الفترة إلى إطالة أمد هذه الحرب لما يزيد على الثماني سنوات، وفي استفحال نتائجها المروعة التي جعلت منها أكثر الحروب التي وقعت بعد الحرب العالمية الثانية قتلًا وتدميرًا، ليس في تاريخ الشرق الأوسط فحسب بل في تاريخ العالم، فقد سقط فيها مئات الآلاف من الضحايا، بينهم نسبة لا يستهان بها من المدنيين، إضافة إلى وقوع أعداد، قدرت بما يفوق المائة ألف بين أسير ومفقود على الجانبين.

وغني عن القول أيضًا أن مهمة اللجنة الدولية صادفت الكثير من التعقيدات، التي حالت دون القيام بدورها الذي كانت ترجوه على الوجه الأكمل، وبالتالي في وجود العقبات التي سعت اللجنة بكل دأب إلى تذليلها. فعلى سبيل المثال، وحتى بعد انتهاء الحرب عام 1988، ظلت مشكلة الأسرى والمفقودين تمثل معضلة عالقة. لذا كثفت اللجنة من مساعيها وكرست كافة خبراتها الفنية والدبلوماسية لدى أطراف النزاع ليستمر تبادل الأسرى تحت إشرافها، وهي العملية التي تواصلت زهاء الخمسة عشر عامًا، أي حتى عشية حرب قوات التحالف ضد العراق في مارس/ آذار 2003، وتم فيها تبادل أكثر من سبعة وتسعين ألف أسير حرب من الطرفين.

آثار حرب الخليج الثانية

في أعقاب حرب الخليج الثانية عام 1991، قامت اللجنة الدولية بترتيبات لإعادة أكثر من 70.000 عراقي وأكثر من 4.000 كويتي وأسير حرب من قوات التحالف إلى وطنهم، علاوة على 1.300 معتقل ومحتجز مدني. ومنذ ذلك الحين، استمرت اللجنة الدولية في المساهمة في جهود الأطراف المعنية للبحث عن الأشخاص الذين لم يُستدل عليهم. وفي أبريل/ نيسان 1991 عملت اللجنة الدولية في إطار الجهود الرامية إلى تسوية القضايا الإنسانية التي لم تُحسم، على تشكيل لجنة ثلاثية، من ممثلين على مستويات عليا من العراق والكويت ودول التحالف (السعودية وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة) للمساعدة في التحقق من مكان ومصير الأشخاص الذين لم يُستدل عليهم عقب الأعمال العدائية. وقد عملت هذه اللجنة من عام 1991 حتى سبتمبر/ أيلول 1998.

زمن العقوبات الاقتصادية

مع فرض العقوبات الاقتصادية التي وقعتها الأمم المتحدة على العراق في أعقاب غزو الكويت في أغسطس/ آب 1991، أصبح السكان المدنيون العراقيون يعيشون حالة من الشقاء المتزايد، وصارت حياتهم اليومية سلسلة من الكفاح المتصل بفعل تدهور الحياة المعيشية والغلاء وتدني الرواتب إلى جانب الأزمات الغذائية وشح الأدوية ونقص مياه الشرب النقية، مما كان يهدد بقاءهم على قيد الحياة. فقد أصابت هذه العقوبات البنى الأساسية في مقتل.

وفي تقريرها الذي أصدرته اللجنة الدولية عام 1999 بعنوان “عقد من العقوبات” أوضحت موقفها الرافض لاستخدام العقوبات الاقتصادية ضد السكان المدنيين في أي نزاع. كما أكدت في مذكرة شفهية نقلت إلى فريق من خبراء الأمم المتحدة كان قد اجتمع للنظر في القضايا الإنسانية بالعراق في مارس/ آذار 1999 أن المعونة الإنسانية لا يمكن أن تكون بديلًا عن الاقتصاد الكامل في أية دولة، لأنها لا تستطيع أن تلبي الاحتياجات الأساسية لاثنين وعشرين مليونًا من السكان أو تكفل الصيانة لبنية أساسية تهالكت بأكملها.

وقد كان من نتائج هذه العقوبات ما عانت منه بشكل خاص كل الفئات الضعيفة في العراق وهي صغار الأطفال والحوامل والمسنين. فقد ارتفع معدل وفيات الأطفال في وسط العراق وجنوبه من 56 في الألف إلى 131 في الألف، وعاودت الدفتريا ظهورها لأول مرة منذ عشرات السنين. وتضرر أكثر من مليون عراقي من عواقب سوء التغذية. كما تدهورت حالة المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية لمستويات مفزعة.

وبطبيعة الحال لم تكن اللجنة الدولية لتكتفي بإعلان موقف دون الإسهام العملي في محاولة رفع المعاناة عن السكان، لذا بذلت قصارى جهودها للعمل، جنبًا إلى جنب مع العراقيين لمحاولة إصلاح البنى الأساسية في مجالات مياه الشرب والصرف الصحي وتأهيل المستشفيات، فأسهمت منذ عام 1991 في إصلاح مائة وخمس وخمسين محطة لتنقية المياه، واتخذت تدابير عاجلة في مايو/ آيار 1999 تهدف على المدى الطويل إلى ضمان تزويد السكان بما لا يقل عن 20 لترًا يوميًا للفرد بالإضافة إلى تقديم خدمات تتعلق بالمياه والصرف الصحي مستوفية للمعايير التي قررتها منظمة الصحة العالمية.

وفي إطار هذه التدابير قامت بتركيب مضخات جديدة عند نقاط السحب من الأنهار لضمان القدرة على ضخ المياه إلى محطات التنقية. وقد أمكنها خلال عام 1999 إتمام 23 مشروعًا خاصًا بالمياه والصرف الصحي استفاد بها ثلاثة ملايين ونصف المليون من السكان. وفي مجال الكهرباء تدخلت اللجنة بإصلاح عشرين مولدًا لتمكين محطات المياه من زيادة إنتاجها. أما على صعيد إعادة تأهيل المستشفيات فقد بذلت اللجنة قصارى جهدها في دفع عجلة تحسين أداء هذه المستشفيات والمراكز الصحية ودعم الأطباء بالمراجع والمعلومات الحديثة ومحاولة سد النقص الذي يشكون منه سواء في الأدوية أو المواد والأدوات الجراحية. وهو العمل الذي تواصل قبل وأثناء وفي أعقاب الحرب الأخيرة على العراق في مارس/ آذار 2003.

أضخم عملية إنسانية في 2003

مع توقعها باحتمال قيام حرب في مستهل عام 2003، قامت اللجنة الدولية برفع درجة استعدادها إلى الدرجة القصوى وذلك بتوفير كل الإمكانيات لتلافي حدوث أضرار إنسانية وخيمة للمدنيين والمقاتلين. وقد ترتب على ذلك زيادة أفراد طاقمها العامل بالميدان إلى رقم لم يسبق له مثيل. ومع بدء الحرب واشتداد حدة القتال، قامت اللجنة الدولية بأكبر عملية إنسانية في تاريخها، وتمكنت من الاستجابة للأوضاع الطارئة في كافة مجالات أنشطتها المتعلقة بالحماية والمساعدة. واستمر ذلك في أعقاب سقوط النظام في بغداد.

لكن الانهيار الشامل لكافة أبنية الدولة العراقية، إضافة لانفلات الأوضاع الأمنية الذي فقدت اللجنة الدولية بسببه عددًا من أعضائها العاملين، وما نجم عن الهجوم على مقرها في بغداد، أدى كل ذلك لتأزم أوضاع العمل الإنساني في هذا البلد بشكل عام، الأمر الذي اضطرت معه اللجنة الدولية إلى اتباع طريقة استثنائية للعمل هناك، وقد عني ذلك في عام 2004 تخفيض عدد موظفيها العاملين إلى 400 موظف يدعمهم فريق من المندوبين الأجانب الذين يعملون انطلاقًا من قواعد قائمة في شمال العراق وكذلك من خلال مهمات منتظمة من عمّان في الأردن إلى بغداد والبصرة، وتقليص جانب من أنشطتها المبذولة على صعيد المساعدة المقدمة للعراقيين مع الحرص على الأولويات الضرورية.

المحتجزون

تركز اللجنة الدولية في العراق بشكل رئيسي على زيارة الأشخاص المحتجزين لدى القوات المتعددة الجنسيات ولدى السلطات العراقية، بهدف تفقد الأحوال المعيشية لهم ومعاملتهم وتمكينهم من ربط الاتصال مع عائلاتهم من جديد بواسطة رسائل الصليب الأحمر. لذا قام مندوبو اللجنة الدولية في 2004 بزيارات منتظمة في وسط العراق وجنوبه إلى أربعة مراكز للاحتجاز تديرها قوات التحالف وإلى مركز تحت مسؤولية الحكومة العراقية المؤقتة. كما سجل المندوبون بانتظام الأشخاص المحتجزين وأبلغوا عائلاتهم معلومات عن أوضاعهم. وحتى أواخر عام 2004 كانت اللجنة الدولية تزور أكثر من 7300 محتجز لدى القوات المتعددة الجنسيات وحوالي 1800 شخص محتجزين لدى الحكومة العراقية المؤقتة.

وقد تبادل المحتجزون أكثر من 24600 رسالة مع عائلاتهم. كما زارت اللجنة الدولية في شمال العراق ما يزيد على 1200 محتجز في 26 مركزًا للاعتقال تحت مسؤولية السلطات الكردية المحلية. وتبادل المحتجزون أكثر من 2150 رسالة مع عائلاتهم. ووزعت أثناء هذه الزيارات مواد أساسية كمستلزمات النظافة والملابس. وعقب كل زيارة نقلت اللجنة الدولية ملاحظاتها بشأن معاملة المحتجزين وأحوالهم المعيشية داخل السجن مباشرة إلى سلطات الاحتجاز المسؤولة وطالبتها بتحسين الأوضاع كلما وحيثما كان ذلك ضروريًا. وعلاوة على زياراتها إلى أماكن الاحتجاز واصلت اللجنة الدولية تذكير جميع أطراف النزاع بواجبها المتمثل في احترام القانون الدولي الإنساني. فطلبات من الأطراف المعنية خاصة أن تحترم المدنيين وتعتني بالجرحى.

مساعدات الطوارئ

وبرغم القيود المفروضة عليها بسبب الوضع الأمني ناضلت اللجنة الدولية من أجل تقديم مساعدات اشتملت على إمدادات ومعدات طبية إلى المستشفيات التي يعالج فيها الجرحى ومرافق الصحة العاملة لخدمة المرضى، كما قدمت معونات أساسية إلى العائلات التي تشردت من جراء العمليات العدائية. ولمساعدة النازحين بسبب اندلاع القتال في النجف والفلوجة وزعت اللجنة الدولية طرود الأغذية والأغطية ومواد النظافة وأدوات الطبخ وصفائح الماء. إضافة إلى تزويدها لجمعية الهلال الأحمر العراقية بمواد الإغاثة لمساعدة ضحايا العنف في الفلوجة والنجف ومدينة الصدر وسامراء وتلعفر.

الماء والسكن

كان من شأن تصعيد العنف أن يؤدي إلى نقص في الماء وتدهور حالة مرافق الصحة في مناطق عديدة، وللرد على الاحتياجات الأساسية للسكان يقوم فريق من مهندسي اللجنة الدولية والمهندسين المعماريين والفنيين بدعم مجلس إسالة المياه المحلي كما يقوم في بعض الحالات بتصليح مباشر لمحطات إنتاج الماء ومعالجة المياه المحلية. وقد استمر في الوقت نفسه تنفيذ بعض المشاريع المتوسطة والطويلة الأمد كإصلاح محطات الصرف الصحي والمستشفيات ومراكز الصحة الأولية. ففي عام 2004 تم تحديد نحو ثلاثين من هذه المشاريع والبدء بتنفيذها. كما واصلت اللجنة الدولية نقل الماء إلى المجتمعات المحلية المحتاجة. وخلال العام وزعت 500 ألف لتر من الماء في ستين موقعًا بالعاصمة العراقية. وحتى شهر أغسطس/ آب وزعت في سنوني/ خنصور 560 ألف لتر من الماء في اليوم كما تم تزويد مستشفيات في البصرة بعشرة آلاف لتر من الماء في اليوم منذ أبريل/ نيسان.

التعاون مع الهلال الأحمر العراقي

ظلت جمعية الهلال الأحمر العراقية بشبكتها المنتشرة في ربوع الوطن وفروعها ومتطوعيها الشريك الرئيسي للجنة الدولية في العديد من عملياتها بالعراق. فبالإضافة إلى دعم جمعية الهلال الأحمر العراقية في جهودها لمواجهة حالات الطوارئ تساعد اللجنة الدولية والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر هذه الجمعية على بناء قدراتها. وفي مجال البحث عن المفقودين تقدم اللجنة الدولية الدعم الفني والمالي إلى موظفي البحث عن المفقودين بجمعية الهلال الأحمر العراقية الذين يوزعون رسائل الصليب الأحمر ووثائق تسجيل المحتجزين لدى السلطات. كذلك تقوم اللجنة الدولية بدعم جمعية الهلال الأحمر العراقية في برنامجها للتوعية بمخاطر الألغام بهدف التقليل من عدد الإصابات والوفيات الناجمة عن بقايا الحرب المتفجرة في هذا البلد المنكوب.

نُشر هذا المقال في العدد 32 من مجلة الإنساني الصادر في صيف 2005، للاطلاع على محتويات هذا العدد، انقر هنا