من الانفجار إلى اللوحة: رحلة الفنان الجزائري محمد إسياخم

ثقافة / قضايا إنسانية

من الانفجار إلى اللوحة: رحلة الفنان الجزائري محمد إسياخم

في الرابع من نيسان/أبريل من كل عام، يُحتفى باليوم العالمي للتوعية بمخاطر الألغام ومكافحة آثارها، ويُسلط العالم الضوء على معاناة آلاف المدنيين الذين تتقاطع حياتهم فجأة مع لحظة الانفجار المفاجئة. فهذه اللحظة الصغيرة قد تغيّر مصير إنسان ومسار حياته بالكامل، تاركة ندوباً جسدية ونفسية تمتد لعقود. ولعل تجربة الفنان الجزائري محمد إسياخم مع الألغام مثال على قدرة الفن على تحويل الألم الشخصي إلى رسالة إنسانية عالمية. فالانفجار الذي شهده في صغره لم يكن حادثاً عابراً، بل نقطة فاصلة شكلت حياته بالكامل، وحوّل تجربة فقده وصدمته إلى لغة بصرية تنطق بالوجع والصمود، ونموذجاً حيّاً للمعاناة الإنسانية الناتجة عن الألغام.

الانفجار ليس مجرد حدث عابر، بل لحظة فاصلة تقلب حياة الإنسان رأساً على عقب. ومضة خاطفة، صوت مدوٍ يملأ الفضاء، جسد يُقذف في الهواء، ووعي يتلاشى… ثم يعود على وقع الألم. في هذه اللحظة، يواجه الإنسان احتمال الموت، قبل أن يدرك أنه نجا أو فقد جزءاً من نفسه إلى الأبد. الزمن يتوقف، والواقع يتشظى، والذاكرة تتشكل على نحو جديد مليء بالصدمات والارتباك.

في لحظة واحدة، شعر بأن العالم كله انهار، وأنه فقد جزءًا منه لا يمكن استعادته.

هذا ما حدث مع إسياخم وهو في الخامسة عشرة من عمره، حين انفجرت قنبلة يدوية بين يديه. فقد ذراعه اليسرى، وخسر اثنتين من أخواته وابن أخيه في لحظة واحدة. لم تكن مجرد حادثة، بل صدمة وجودية حولت طفلاً بريئاً إلى شاهد على مأساة لا تُنسى. هذه اللحظة أصبحت محور حياته الفنية والإنسانية.

في تلك الثانية القصيرة، لم يكن الألم الجسدي وحده ما يعانيه الطفل، بل شعور بالذنب والفراغ الداخلي، شعور بأن العالم لم يعد آمناً وأن الروابط العائلية يمكن أن تتفكك بين ثانية وأخرى. وهكذا، تحوّل الألم الشخصي إلى وعي مبكر بالمسؤولية.

 

العودة إلى البيت: مواجهة الأم والفقد

بعد النجاة، تبدأ معاناة أخرى أكثر صمتاً وقسوة. العودة إلى البيت لم تكن مجرد عودة جسدية، بل مواجهة نفسية ومعنوية تتطلب شجاعة كبيرة. أصعب ما واجهه إسياخم كان التعامل مع والدته[1]، التي غرقت عيناها في الحزن على أولادها الذين فقدتهم، وعلى الألم الذي يرافقه نجاة ابنها الممزق جزئياً. كل نظرة منها كانت مرآة للألم والذنب، وكل كلمة مفقودة كانت ثقيلة كالصمت القاتل.

كيف يمكن لطفل أن يواجه حزن والدته، وأن يثبت وجوده في بيت أصبح يضج بالفراغ؟ كيف يتحمل ثقل البقاء بينما رحل الآخرون؟ كيف يتعامل مع نظرات الشفقة أو الغضب أو الحزن المستمر من حوله؟ داخل إسياخم، وُلد شعور ثقيل بالذنب، شعور بالنجاة وسط موت الآخرين، شعور بأن العودة تعني مواجهة قلب أمٍ محطم، ومع صورة عائلة لم تعد كما كانت.

هذا الصراع الداخلي أصبح فيما بعد جوهر رؤيته الفنية، محور التعبير عن الصمود والمعاناة الإنسانية.

محمد إسياخم- بورتريه ذاتي

 

الرسم كفعل بقاء وتحويل الألم

في المستشفى، بدأ إسياخم يرسم. لم يكن اختياراً فنياً واعياً، بل وسيلة للبقاء واحتواء الفوضى الداخلية التي خلفها الانفجار. وصف تجربته قائلاً: [2]» عندما أرسم، أتألم، أرتجف، أعيش في حالة من الغيبوبة، أنزل إلى أعماق نفسي.«

الرسم لم يكن ترفاً، بل ضرورة. لم يكن هروباً، بل مواجهة صريحة مع الألم والذكريات، مع الفقد والغياب والصمت. كل لوحة كانت رحلة داخل الذات، حيث تختلط الذكريات بالهواجس، ويتحول الألم إلى خطوط وألوان وصور حية تحاكي التجربة الإنسانية بكل قسوتها وصدقها.

مع كل خط وكل ضربة فرشاة، كان إسياخم يواجه العالم والذاكرة والجسد، ويحوّل المأساة الشخصية إلى لغة بصرية صادقة تصل لكل متلقي، تماماً كما يفعل الفن في تسليط الضوء على معاناة ضحايا الألغام، الذين يواجهون الحياة بعد لحظة الانفجار.

في تقديمه لكتاب إيسياخم، يصف بن عامر مدين الفنان محمد إيسياخم قائلاً: «محمد إيسياخم ناجٍ… طوال حياته سكن البرق… ناجٍ من ألف كمين، من الموت، من الكارثة الغامضة، ذلك الاسم الآخر للجنون، ناجٍ من حرب خاضها ضد نفسه، بنفسه، قنبلة في مواجهة قنبلة». وتكتمل هذه الصورة القاسية في شهادة صديقه الكاتب كاتب ياسين، الذي يرى فيه فناناً يمضي «بلا كلل في فنه كما في حياته على نفس الخط المكهرب»، مضيفاً أنه «يسكن جحيماً حيث ينبغي إشعال النار بكل ما يتاح ، وأنه هو نفسه الذي نراه يحترق، من بداية عمله إلى نهايته. »[3].

رسم أصبح بالنسبة لإسياخم وسيلة لفهم العالم المحطم حوله، وسلامة نفسية جزئية تساعده على مواجهة الألم الجماعي الذي أصبح جزءاً من حياته اليومية. كل لوحة كانت عبارة عن رحلة استكشافية للذاكرة، توثق الألم، وتمنح الناجين صوتاً، وتخلق مساحة للتعبير عن صراعات لم يسمع بها أحد، كما تذكّرنا في اليوم العالمي للألغام بأن الوقاية أفضل من العلاج، وأن الالتزام بالاتفاقيات الدولية ضرورة لحماية الأطفال والعائلات.

 

وجوه الألم: الإنسان في قلب اللوحة

تميّزت أعمال إسياخم بأسلوب يجمع بين التعبيرية والتجريد، مع حضور قوي للإنسان. خطوطه حادة، متكسرة، وكأنها تعكس اضطراباً داخلياً مستمراً، وألوانه داكنة: رماديات، ترابيات، وأحمر خافت يذكّر بالدم والذاكرة.

أهم عناصر لوحاته كانت الوجوه الإنسانية: وجوه متعبة، نظرات غائرة، أجساد مثقلة بالمعاناة. احتلت المرأة مكانة مركزية: الأم، الأرملة، الطفلة. لم تكن مجرد موضوع، بل رمزاً للألم والصمود في آن واحد.

في لوحة “الأرملة”، تتجسد امرأة مكسورة يحيط بها طفلان يحملان الحزن نفسه، لتصبح اللوحة صورة لوطن جريح.

وفي لوحته “الجزائر 1960″، تتداخل الأجساد مع قصاصات الصحف في تعبير عن العنف اليومي. وفي “الشهداء”، تتحول الأجساد إلى أشكال ممزقة تعكس فظاعة الحرب. كل لوحة شهادة صامتة، لكنها صادقة، وتعكس تجربة الإنسان في مواجهة الموت والفقد، كما هي معاناة ضحايا الألغام الذين يواجهون العالم بعد لحظة الانفجار.

محمد إسياخم، لوحة بعنوان «إلى ذكرى» تحية لضحايا الألغام: «لأولئك الذين حاولوا العبور، فظلوا في مكانهم…»

من الألم إلى الشهادة والرسالة الإنسانية

قصة إسياخم هي قصة طفل نجا من انفجار، لكنه لم ينجُ من أثره النفسي والجسدي العميق. وهي أيضاً قصة فنان حوّل الألم إلى لغة قوية يفهمها الجميع. بذراع واحدة رسم، وبقلب مثقل عبّر، وبفنه شهد على الألم والإنسانية وصمود الروح البشرية. شخصياته لا تزال تنظر إلينا، تذكّرنا بأن خلف كل انفجار إنساناً، وأن الألم لا يُقاس بما يُرى فقط، بل بما يُحس ويُحمل في الذاكرة.

أحياناً، بعد الانفجار، تستمر الحياة. لكنها لا تعود كما كانت. وأحياناً يصبح الفن هو الشاهد الوحيد، الذي يروي القصة ويحفظ الذاكرة ويعطي صوتاً لمن فقد صوته، ويحوّل الألم الفردي إلى رسالة إنسانية خالدة. كل لوحة لإسياخم شهادة صامتة لكنها قوية، وتدعونا للتفكر في معنى البقاء، والفقد، والصمود، والقدرة على تحويل الألم إلى لغة يفهمها الجميع، تماماً كما يذكّرنا اليوم العالمي للألغام وأهمية الالتزام باتفاقية أوتاوا لعام 1997 لتجنب معاناة المدنيين وإعطاء صوت للناجين، وحماية حياة الأطفال والعائلات من آثار هذه الأسلحة المميتة.

[1] صحراوي، فوزي. محمد إسياخم (فيلم وثائقي). إنتاج: الإذاعة والتلفزيون الجزائري، 1985.

[2,3]  مدين، بن عمار. إسياخم. الجزائر: منشورات القصبة، 2006

 

محمد إسياخم

وُلد محمد إسياخم في 17 حزيران/يونيو 1928 بمنطقة آث جناد قرب أزفون في تيزي أوزو، الجزائر. في عام 1943، غيّرت حادثةٌ مأساويةٌ مجرى حياته، عندما انفجرت قنبلة يدوية أودت بحياة أختيه وابن أخته، وأفقدته ذراعه اليسرى. تلقّى تعليمه الفني في مدرسة الفنون الجميلة بالجزائر العاصمة، ثم واصل دراسته في باريس بين عامَي 1953 و1958، قبل أن يستقر في ألمانيا الشرقية حتى استقلال الجزائر. عاد عام 1962 ليُسهم في بناء المشهد الفني الوطني، فعمل كرسام كاريكاتير في إحدى الصحف اليومية ثم أستاذاً ومديراً لمدرسة الفنون الجميلة في وهران، فضلاً عن تصميمه للعملة النقدية والطوابع البريدية الجزائرية.

تُعدّ أبرز لوحاته: الشهداء، الأرملة، والشمس السوداء. حصل عام 1980 على جائزة الأسد الذهبي لليونسكو للفن الأفريقي. توفي في الأول من كانون الأول/ديسمبر 1985 تاركاً إرثاً فنياً خالداً.

  •  حقوق استخدام صور الأعمال الفنية مُصرّح بها من صندوق إسياخم.

المراجع:

  • مدين، بن عمار. إسياخم. الجزائر: منشورات القصبة، 2006.
  • إنال، جعفر. إسياخم: الوجه المنسي للفنان. 2007.
  • أطلس مكافحة الألغام في الجزائر. 2017.
  • صحراوي، فوزي. محمد إسياخم (فيلم وثائقي). إنتاج: الإذاعة والتلفزيون الجزائري، 1985.

Share this article

تعليقات

There is no comments for now.

Leave a comment