إدارة العمل في خضم العنف: خمس رؤىً متعمقة لتعزيز العمل الإنساني في الأراضي المتنازع عليها

القانون الدولي الإنساني / وجهات نظر

إدارة العمل في خضم العنف: خمس رؤىً متعمقة لتعزيز العمل الإنساني في الأراضي المتنازع عليها

امرأة تمر بالقرب من سيارة مدمرة في الموصل.

يعيش أكثر من 200 مليون شخص اليوم في أراضٍ متنازع عليها، وهي أماكن تكون فيها سلطة الدولة موضع نزاع صريح وتسيطر عليها مجموعات مسلحة سيطرة كاملة أو جزئية. ومنذ العام 2021 زاد عدد هؤلاء 30 مليون شخص. وليست هذه الأعداد مجرد إحصاءات نظرية، بل يمثل كل رقم شخصاً يعيش في ظل قوى متنافسة، ويتخذ قرارات صعبة في بيئة يكاد يكون اتخاذ القرارات فيها مستحيلاً.

فكيف يتعامل الناس مع وجود جهات فاعلة مسلحة متعددة، وغالباً ما تكون متنافسة؟ وهل يتسنى حفظ الكرامة في ظل المواجهة، أو إيجاد الأمن في ظل امتثال غير طوعي؟ وكيف تؤمّن العائلات الطعام أو الماء أو الرعاية الصحية حين لا تكون الدولة ولا المجموعة المسلحة قادرة على توفير الخدمات الأساسية، أو راغبة في ذلك؟ والأهم من ذلك، ماذا يمكن للهيئات الإنسانية فعله لتتمكن من حماية الأشخاص العالقين في هذه الأماكن المقسمة؟  

في هذا المقال يعرض أرجون كلير، كبير المستشارين في مجال السياسات في اللجنة الدولية، وماثيو بامبر-زريد، المستشار المعني بالمجموعات المسلحة لدى اللجنة الدولية، خمس رؤىً متعمقة يهدفان من خلالها إلى المساعدة في تعزيز الاستجابات الإنسانية في الأراضي المتنازع عليها. وهذه الرؤى متجذرة في الواقع الذي يعيشه الأشخاص الذين يتعاملون معه بشكل يومي. ويستند كاتبا المقال إلى بحث نُشر مؤخراً ويغطي الكاميرون والعراق والفلبين.

 

“نلقي بأنفسنا في النهر لنهرب من النار” هكذا وصف أحد زعماء قرية في منطقة شمال غرب الكاميرون الحياة في المناطق التي تدّعي مجموعات مسلحة سيطرتها عليها. وفي أماكن كهذه، يجب على الناس حين يتخذون خطوات للفرار من خطر داهم أن يزنوا في الوقت عينه التهديدات الجديدة التي يمكن أن تجلبها هذه الخطوات بعينها. ويتطلب كل قرار توخي الحذر؛ وتتحول كل حركة إلى مفاوضة ترمي إلى تفادي الخلاف مع هذا الطرف أو ذاك. فهذه المناطق كالرمال المتحركة، تتقلب باستمرار، ولا يجد فيها المرء الأمن والاستقرار، إن وجده، إلا في البحث الدائم عن موطئ ثابت له.

وفي محادثاتنا مع المجتمعات المحلية المقيمة في هذه المناطق، كانت كلمة “الخوف” هي التي تفوه بها الناس مراراً وتكراراً. خوف الناس من أن يعلقوا في براثن الاشتباكات، وخوفهم من العودة إلى ديارهم، وخوفهم من أن يُصنّفوا عُملاء. ووصف الناس بيئة من التهديدات تشمل الهجمات التي تستهدف المجتمعات، والخطف للحصول على فدية، والابتزاز والعنف الجنسي والنزع القسري لملكية الأراضي.

وعندما بدأنا هذا البحث، أردنا أن نفهم كيف يفاوض الناس المجموعات المسلحة على أمور الحياة اليومية، ليكون هذا الفهم أساساً لتعزيز الاستجابات الإنسانية. لكن النتائج جاءت أكثر تعقيداً بكثير مما توقعنا. فالمجموعات المسلحة ليست إلا قطباً واحداً من أقطاب التهديدات. ولا تقتصر السلامة على إدارة علاقة واحدة فحسب، بل على التنقل بتأنٍ بين جهات مسلحة متعددة، بما فيها القوات المسلحة الحكومية، إلى جانب عدد هائل من المجموعات المسلحة.

ولهذا السبب اخترنا أن نسمي هذه المناطق “أراضٍ متنازع عليها” لنشدّد على الطبيعة التنافسية لأشكال السيطرة والسلطة والنفوذ التي تمارسها الجهات المسلحة.

انهيار الخدمات

لا توفر الدولة ولا المجموعات المسلحة الخدمات الأساسية بشكل موثوق في هذه المناطق المتنازع عليها. وتبلغ نسبة المجموعات المسلحة التي توفر الرعاية الصحية أو التعليم أقل من 20 بالمائة. والأخطر من ذلك أن لا جهة تقريباً توفر وثائق مدنية. وحين لا تقوم الدولة ولا المجموعات المسلحة بتسجيل الولادات والوفيات، يفقد الناس القدرة على إثبات هوياتهم. ولا يمكنهم بالتالي التنقل بحرية، ولا الالتحاق بالمدارس أو دخول العيادات. ولا يستطيعون في وقت لاحق طلب الحصول على الميراث أو إثبات صلة القرابة.

مثال على ذلك امرأة التقيناها في العراق بقيت غير قادرة لسنوات على الحصول على شهادة ولادة لأطفالها الذين ولدوا خلال حكم تنظيم الدولة الإسلامية، لأن تسجيل الوثائق كان يجب أن يكون باسم زوجها، لكنه كان مفقوداً.

في هذه المناطق ولا يكون انهيار الخدمات أمراً عرضياً. فالمدارس تغلقها المجموعات المسلحة سعياً إلى تقويض سلطة الدولة أو يهجرها الناس لأن المعلمين لاذوا بالفرار. وتتعرض المرافق الصحية للهجوم وتتدهور أنظمة توزيع المياه في غياب الصيانة. ويلجأ الناس إلى جهات بيع خاصة باهظة الثمن أو يتزودون بالمياه من مصادر ملوثة. وتدفع القيود على الحركة التجارية والقيود الناجمة عن العقوبات الاقتصادات إلى العمل بسرّية، ما يولّد مشهداً يعتمد فيه البقاء على الموارد الشخصية والشبكات الاجتماعية والحظ.

ولم ترقَ الاستجابات الإنسانية هي أيضاً إلى مستوى الاحتياجات في الأراضي المتنازع عليها. وتُظهر عمليات التقييم، الواحدة تلو الأخرى أن الاستجابات تتركز عادة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، أي تحديداً حيث تكون الاحتياجات أقل حدة في أغلب الأحيان. لما ذلك؟ لأن تحديات الوصول والأمن تهيمن على المناقشات بشأن السياسات والعمليات، مما يوجه الحوار نحو ما هو ممكن عوضاً عما هو ضروري. ونحتاج إلى تغيير هذا المنطق، فالتصميم على تلبية احتياجات الناس الفعلية يجب أن يكون نقطة انطلاقنا.

خمس رؤى متعمقة للاستجابة الإنسانية

لا جدال في أن الدول مسؤولة عن حماية المدنيين الذين يعيشون على أراضيها، بمن فيهم من يعيشون في المناطق المتنازع عليها، حيثما أمكن. وتقع على عاتق المجموعات المسلحة من غير الدول هي أيضاً التزامات بموجب القانون الدولي الإنساني تقضي بحماية وتسهيل وصول الناس إلى الخدمات الأساسية. ولتحقيق ذلك، يجب على الدول والمجموعات المسلحة من غير الدول أن تسمح للهيئات الإنسانية غير المتحيزة بتنفيذ عمليات سريعة ودون عوائق، وأن تسهل مثل هذه العمليات، بما في ذلك ضمان احترام العاملين في المجال الإنساني وحمايتهم.

لكن علاوة على هذه الدعوات للدول والمجموعات المسلحة من غير الدول، ينصبّ تركيزنا على كيفية تعزيز الاستجابة الإنسانية في المناطق المتنازع عليها. ونحتاج إلى فهم أوضح لكيفية تعامل الناس وتكيّفهم مع التآكل التدريجي للخدمات الأساسية، حتى حينما يقترب العنف إلى حدّ يعرقل مسار حياتهم اليومية.

ويعرض بحثنا خمس رؤًى متعمقة من شأنها إعادة تشكيل مقاربة الهيئات الإنسانية للمناطق المتنازع عليها.

1. ديناميات دائمة التحوّل داخل المجتمعات المحلية

تعرف الهيئات العاملة في المجال الإنساني ما للمجتمعات المحلية من أهمية. لكن ما نغفله غالباً أن اندلاع التنازع المسلح على الأراضي يغيّر قيادة تلك المجتمعات. وحين تتغيّر السيطرة على الأراضي، بشكل يومي أحياناً، تشهد علاقات القوة داخل المجتمعات المحلية تحولاً دائماً. وتنقلب القيادات الهرمية التقليدية رأساً على عقب، وتظهر قيادات جديدة من حيث لا يتوقعها أحد.

ولأن المجموعات المسلحة، كما القوات المسلحة الحكومية، تسعى إلى كسب المجتمعات المحلية في صفها، تتحوّل الهوية إلى نقطة استقطاب يدور حولها النزاع، وهو ما يُعمّق التوترات بين المجتمعات.

فقد رأينا في المنطقة الناطقة بالإنجليزية من الكاميرون أن بعض زعماء القرى وشيوخها فقدوا نفوذهم لأن الناس اعتبرت أنهم يتماهون مع الدولة أو يسعون وراء مصالح شخصية. وفي الوقت نفسه، راكم أشخاص آخرون النفوذ رويداً رويداً: امرأة تولت إدارة مجموعة ادخار لصالح العائلات النازحة؛ مدرس سابق كان قد علّم أعضاء في المجموعات المسلحة قبل سنوات وكسب احترامهم؛ وزعيم ديني يحظى بثقة المجتمعين المحليين. ويمارس هؤلاء القادة غير الرسميين نفوذاً يفوق أحياناً نفوذ المسؤولين الرسميين.

لكننا غالباً ما نجري رغم ذلك تحليلاً واحداً للنزاع، في بداية التواصل مع الجهات المعنية، ونعتبره تحليلاً ثابتاً. ونحدد الأشخاص الرئيسيين الذين يزودوننا بالمعلومات وزعماء المجتمعات المحلية، ثم نُبقي على هذه العلاقات لسنوات دون تغيير. فانصبّ جلّ تركيزنا على تحليل المجموعات المسلحة والنطاق السياسي الأوسع، لكننا غالباً ما نواجه صعوبات في تلمّس الديناميات الاجتماعية المتغيرة على مستوى المجتمعات المحلية.

لذا لا بدّ لنا من أن نضع هذه التحولات في الحسبان، وأن يكون تحليل النزاع عملية متواصلة تشمل فهماً أعمق للعلاقات داخل المجتمعات المحلية وفيما بينها. ولهذا الأمر أهمية حاسمة لفتح الأبواب الموصدة أمام إمكانية وصولنا إلى الناس وإدارة المخاطر الأمنية وتوفير استجابات غير متحيّزة.

2. الاقتصاد السياسي للأراضي المتنازع عليها

لا تكتفي الجهات المسلحة، أكانت تابعة للدولة أو كانت مجموعات مسلحة، بخوض الحروب، بل هي تنظّم أيضاً هيكل الحياة الاقتصادية. فهي تسيطر على الأسواق، وعلى جباية الضرائب، وتنظّم الإنتاج الزراعي وتدير الخدمات العامة. ومن الضروري أن نفهم من المستفيد من الترتيبات الحالية على الصعيد الاقتصادي، ومن الخاسر، لكي نتمكن من فهم ديناميات النزاع ونعرف أين يمكن أن تُركز الهيئات الإنسانية جهود التواصل.

ويرسم الاقتصاد السياسي، أي التفاعل بين السلطة والمجتمع والأسواق، معالم مصالح جميع الجهات المسلحة ودوافعها التي تؤثر بدورها بشكل عميق على حياة الناس اليومية.

كيف ترتبط المجموعات المسلحة بالمجتمعات المحلية المختلفة والمجموعات القائمة على الهوية؟ هل تفضل مجتمعاً على آخر؟ كيف تولّد الإيرادات؟ من يسيطر على النشاط الاقتصادي في الأراضي المتنازع عليها، وما علاقته بالجهات المسلحة؟ كيف تتأثر ملكية الأراضي واستخدامها؟ ليس هذا إلا بعضاً من الأسئلة التي يمكن أن تسلط الضوء على كيفية ممارسة السلطة ووجهة تدفق الموارد.

وتكتسي هذه المسائل أهمية أكبر في المناطق المتنازع عليها، حيث تعمل الجهات المسلحة بشكل ممنهج على استغلال المطالب القائمة على الهوية وضعف هياكل التنظيم، فتُخلّ بتماسك المجتمع والأسواق.

وحين تتجاهل الهيئات الإنسانية الاقتصاد السياسي، فهي تتسبب في ضرر غير مقصود. فقد تعزز برامج دعم سبل كسب العيش الإكراه الاقتصادي الذي يواجهه المزارعون الواقعون تحت سيطرة المجموعات المسلحة، أو قد يستفيد مجتمع محلي دون آخر من هذه البرامج، مما يزيد التوترات.

 

3. المجموعات المسلحة كجهات حاكمة

إذا نظرنا إلى المجموعات المسلحة من منظور العنف فحسب، فإننا لا نرى الطرق الكثيرة التي تتأثر فيها هذه المجموعات والمجتمعات المحلية بعضها ببعض. فنرى المجموعات المسلحة كجهات عنيفة بحتة. ويغفل ذلك أمراً بالغ الأهمية، ألا وهو أن معظم المجموعات المسلحة تمارس شكلاً من أشكال الحكم، سواء كان بيروقراطياً ومستقراً، فوضوياً وقائماً على جباية الضرائب، أو حكماً يتعمّد تعطيل مقومات الحياة.

ويساعد وعي هذا الواقع في تحديد الأفراد أو المجموعات التي قد تكون الأكثر عرضة للخطر. فحين سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على أجزاء من شمال العراق، اعتمد نظاماً إدارياً معقداً سيطر فيه على جوانب اقتصادية مختلفة، بما فيها الإنتاج الزراعي في المنطقة، لكنه حدّ من الإمدادات الغذائية المخصصة للأقليات. وتحدثت نساء عما واجهنه من صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية لأنه لم يكن باستطاعتهن التنقل إلى المراكز الصحية إلا بصحبة رجل؛ فكان لذلك أثر سلبي على الصحة الجنسية والإنجابية.

ويساعد فهم أشكال الحكم في تحديد المجتمعات المحلية الأكثر ضعفاً، والأفراد الذين يتمتعون بنفوذ فعلي، والنقاط التي يستطيع العاملون في المجال الإنساني التفاوض عليها. ويرسم هذا النهج المعالم الأساسية لاستراتيجية التواصل.

 

4. حلّ مشكلة انعدام الثقة

حين يستشري الخوف تنتشر عدوى انعدام الثقة. ولذلك فإن الثقة هي أبرز ضحايا الأراضي المتنازع عليها. وكثيراً ما وصف الناس خلال البحث الذي أجريناه كيف تسللت المراقبة إلى داخل المجتمعات المحلية. وقالت امرأة في شمال غرب الكاميرون: “ثمة أزمة ثقة في المجتمع. فإذا كان الناس يغارون منك، يمكنهم أن يبلغوا عنك. وهذا ما يحدث الآن داخل المجتمع حيث يوجد الكثير من المخبرين”. وعندما يبدأ الناس في الحذر من جيرانهم، فمن غير المرجح أن يثقوا بالهيئات الإنسانية، خاصة إذا كانت جديدة في مجتمعاتهم. ومع ذلك، فإن بناء الثقة – أو على الأقل كسب القبول – مع المجتمعات والأطراف المتحاربة هو أساس الاستجابات الإنسانية القوية وغير المتحيزة. ولا وسيلة لتحقيق ذلك سوى التواصل. ومن المرجح أن تعمق القيود على التواصل المباشر، من قبيل القواعد الأمنية الفائقة الصرامة التي تحول دون التواصل المباشر مع المجتمعات المحلية والمجموعات المسلحة، انعدام الثقة في الهيئات الإنسانية.

وتنجم هذه الحواجز أحياناً عن قيود خارجية. ويشمل ذلك التشريعات المحلية والدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى قيود أخرى تفرضها الدول. ويتطلب التغلب عليها جهوداً مكثفة، كما حدث في الفلبين، حيث نجحت اللجنة الدولية والصليب الأحمر الفلبيني في التفاوض على إعفاءات من قانون مكافحة الإرهاب المحلي.

5. دعم مبادرات المجتمعات المحلية

لا تنتظر المجتمعات المحلية تدخل العاملين في المجال الإنساني، بل هي تُنشئ مجموعات ادخار لجمع الموارد، وشبكات إنذار مبكر لرصد اقتراب أعمال العنف. وتُشكّل تلك المجتمعات لجان حوار للتفاوض مع الجهات المسلحة وتقيم مجموعات للدفاع الذاتي لحماية الأفراد الضعفاء.

وتبين لنا أن المجتمعات المحلية التي تتمكن من الحفاظ على عمل جماعي، أو تكّون هذا العمل، تحقق دائماً نتائج أفضل من غيرها في مجال الأمن. لكن المجتمعات المحلية تحتاج غالباً إلى المساعدة لضمان ديمومة هذه المبادرات. لذا تحتاج الهيئات الإنسانية إلى بذل قصارى جهدها لدعم هذه المبادرات حيث وجدت. ويعني ذلك فهم السبل المختلفة التي تعتمدها المجتمعات المحلية للتصدي والتكيّف.

وتميل الهيئات الإنسانية إلى التعامل مع المجتمعات المحلية غالباً من خلال هياكل مجتمعية رسمية، مثل شيوخ القرى أو زعماء هذه المجتمعات. لكن هذه الهياكل المجتمعية لا تعكس دائماً تنوع مجتمعاتها، مما يؤدي أحياناً إلى تهميش أصوات الأقليات والنساء. لذا، فإن الاكتفاء بالتواصل مع القادة العرفيين والتقليديين يعني أن الجهات الفاعلة الإنسانية قد تُسقط طرقاً أخرى مهمة لدعم المجتمعات.

في باميندا، شمال غرب الكاميرون، اجتمعت نساء يعشن في منطقة معرضة للعنف، وكثير منهن المعيلات الوحيدات لعائلاتهن، لتشكيل مجموعة ادخار. وقالت تلك النساء إنهن تلقين الطعام من منظمة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، لكن ذلك توقف بعد أن تعرض متطوعون من المنظمة لمضايقات من قبل مجموعات مسلحة أثناء تسجيل الأشخاص. وكان دعم مجموعة الادخار القائمة في هذه الحالة، سيكون أكثر استدامة وأقل تطلباً من الناحية اللوجستية، ويلبي احتياجات فئة ضعيفة بشكل خاص.

هذه هي القدرات التي يجب على الهيئات الإنسانية الاعتراف بها ودعمها وتعزيزها. من خلال تعزيز آليات الحماية والخدمات المجتمعية، يكوّن العاملون في المجال الإنساني قدرة على الصمود تدوم حتى بعد انتهاء وجودهم.

تجديد الالتزام بدعم الناس في الأراضي المتنازع عليها

إن دعم الناس في الأراضي المتنازع عليها أولوية عاجلة في مجالي السياسات والعمليات. وفي السياقات الثلاثة التي أجرينا فيها بحثنا، كان عدد قليل من الناس قادرين على مغادرة المناطق المتنازع عليها بشكل تام، أو راغبين في ذلك. حتى أولئك الذين غادروا بسبب العنف فضلوا البقاء بالقرب من منازلهم وأرضهم، على أمل العودة عندما تهدأ الأوضاع. وكان آخرون يفتقرون ببساطة إلى الموارد أو العلاقات اللازمة للمغادرة إلى أماكن أبعد.

ولتلبية احتياجات من لا يستطيعون المغادرة – والذين غالباً ما يتأثرون بالعنف أكثر من غيرهم– يجب على الهيئات الإنسانية إيجاد طرق للحفاظ على وجودها في الأراضي المتنازع عليها. ويجب أن نبتعد عن نهج التعامل الآني الذي يعتمد على تسليم المساعدات بشكل دوري، إلى نهج التزام وتصميم يسعى لتحسين بيئة حماية الناس في هذه الأماكن. وعلى منظومة العمل الإنساني التي تجهد للتعامل مع أزمات الثقة والشرعية، أن تؤكد التزامها تجاه أولئك الذين يعانون من أقصى درجات العنف والضعف.

ولطالما أظهر الأشخاص الذين يتدبرون عيشهم في الأراضي المتنازع عليها عزيمة وابتكار متميزين. وحان الوقت لأن تحذو الهيئات الإنسانية حذوهم.

 

نشر هذا المقال بالإنكليزية في مدونة “القانون الإنساني والسياسات”  

Share this article

تعليقات

There is no comments for now.

Leave a comment