300 خبير وهدف واحد: العراق يضع خارطة طريق جديدة للطوارئ الطبية

القانون الدولي الإنساني / من الميدان

300 خبير وهدف واحد: العراق يضع خارطة طريق جديدة للطوارئ الطبية

لقطة من المؤتمر الدولي الأول لتعزيز الرعاية الطبية الطارئة في العراق

في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، اجتمع أكثر من 300 طبيب وممرض ومسعف وخبير من العراق وخارجه تحت سقف واحد في بغداد، على مدار يومين استثنائيين. جاؤوا للمشاركة في المؤتمر الدولي الأول لتعزيز الرعاية الطبية الطارئة في العراق، ليُعيدوا معًا تعريف “الاستجابة” – ليست كمجرد إجراء طبي، بل كفعل إنساني عاجل وحق أساسي يتطلب جاهزية واستجابة سريعة.

شهد العراق، على مدار عقود، حروبًا ونزاعات متعددة تركت آثارًا طويلة على البنية التحتية والخدمات الأساسية. لم تكن تلك التحديات عابرة، بل امتدت آثارها لتطال كل جوانب الحياة: الاجتماعية، والاقتصادية، والخدمية، وأضعفت قدرة المؤسسات على تقديم أبسط الخدمات الأساسية. وكان القطاع الصحي من أكثر القطاعات تضررًا، حيث أصبحت أقسام الطوارئ والمراكز الإسعافية تعمل تحت ضغوط هائلة تفوق طاقتها بكثير، وتعاني نقصًا حادًا في الكوادر والتجهيزات والموارد.

العراق.. نموذج إقليمي في التعافي

هذه المعاناة، ورغم قسوتها، شكّلت أيضًا مصدرًا لتراكم الخبرة، وإعادة التفكير في طبيعة الاستجابة، وضرورة بناء أنظمة أكثر مرونة وعدالة. وفي هذا السياق، يأتي برنامج الرعاية الطبية الطارئة كخطوة نوعية، تعكس تحولًا في التفكير من الاستجابة العاجلة إلى التخطيط المستدام.  أُطلق البرنامج في عام 2024 بمبادرة من دائرة العمليات والخدمات الطبية الطارئة في وزارة الصحة، وبدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كخطوة وطنية لتعزيز سلسلة رعاية الطوارئ في العراق – بدءًا من الإسعاف الميداني وحتى أقسام الطوارئ في المستشفيات.

الهدف الرئيس للبرنامج هو ضمان حصول المصابين والمرضى في الحالات الحرجة على رعاية طبية طارئة فعّالة، وغير متحيزة، وفي الوقت المناسب، سواء قبل وصولهم إلى المستشفى أو داخل قسم الطوارئ، مع ضمان سلسلة رعاية متواصلة. في هذا السياق، تم تأهيل أقسام طوارئ في بغداد والموصل، وإنشاء مركز وطني للتدريب في وزارة الصحة ليكون نواة للتعليم المستمر.

بناء نظام طوارئ في العراق كضرورة إنسانية

وبينما يواصل العراق بناء نظام طوارئ أكثر جاهزية وإنسانية، لا تأتي الخبرات من الكتب وحدها، بل من الميدان أيضًا، من ساحاتٍ شهدت أقسى الأزمات. من بين هذه الشهادات المؤثرة، يروي لنا الدكتور سريهاري كاتامانشي، أخصائي طب الطوارئ في بعثة اللجنة الدولية في العراق، تجربته من غزة، وتحديدًا من قسم الطوارئ في مستشفى الشفاء، يوم 14 أيار/مايو 2018.

يقول الدكتور «سريهاري»: «هناك لحظة واحدة لن أنساها ما حييت، في أقل من أربع ساعات (من الساعة 11 صباحًا حتى الثانية بعد الظهر) ، استقبلنا أكثر من600 مصابا، كثير منهم بإصابات في الأطراف السفلية. كان قسم الطوارئ مكتظًا بشكل خانق؛ المرضى على النقالات، على الأرض، وفي الخيام التي نُصبت بسرعة خارج منطقة الفرز»

ويضيف: «وسط تلك الفوضى، رأيت أمرًا استثنائيًا. فريق صغير- أربعة ممرضين شباب وثلاثة أطباء مقيمين في طب الطوارئ، أنهوا مؤخرًا تدريبهم ضمن برنامج دعم أقسام الطوارئ التابع للجنة الدولية للصليب الأحمر – بدأوا بإعادة النظام إلى الفوضى. تحرّكوا بين الجموع بثبات وهدوء، نظموا عملية الفرز الثانوي داخل القسم، وجّهوا الحالات الحرجة مباشرة إلى العمليات،  وعندما تم إدخال آخر مريض حرج إلى غرفة العمليات حوالي الساعة السادسة مساءً، وقف الفريق بصمت في زاوية الغرفة.. نظرت إحداهن إليّ وهمست: «لولا في الإصابات الجماعية الذي تلقيناه خلال الأشهر الستة الماضية، لما عرفنا ماذا نفعل».

ويستطرد: «تلك الجملة ظلت ترنّ في ذهني منذ ذلك اليوم. لأن هذا بالضبط ما تعنيه رعاية الطوارئ –  ليست مجرد خدمة طبية، بل الحق في أن تُنقَذ، والحق في أن يكون هناك من هو مدرّب، ومجهّز، ومحمِي ليتصرف عندما ينهار كل شيء من حولك».

أربعة أعمدة تُبنى عليها الحياة

يرتكز برنامج دعم الرعاية الطارئة في العراق على أربعة محاور رئيسة:

  1. التشريعات: عبر إعداد مسودات قوانين حيوية مثل “قانون المستجيب الأول” وتنظيم أقسام الطوارئ، يسعى البرنامج لتأسيس إطار قانوني يحمي المريض والمُسعف معًا.
  2. التوعية: لا يكفي تطوير النظام الصحي دون تغيير ثقافة المجتمع. لهذا، أطلق البرنامج حملات مجتمعية مثل “أفسحوا الطريق لسيارات الإسعاف” و”أوقفوا العنف ضد الكوادر الصحية”، بالتعاون مع وزارات التربية والداخلية، والمؤسسات الدينية والإعلامية.
  3. تطوير النظام: من توحيد بروتوكولات الإحالة، إلى إدخال السجلات الإلكترونية لرعاية المرضى في سيارات الإسعاف، وصولًا إلى تأهيل مراكز التدريب وأقسام الطوارئ – تتكامل جهود البرنامج لرسم مسار واضح من موقع الإصابة إلى المستشفى.
  4. بناء القدرات: بتدريب أكثر من ألف كادر صحي على عدد من الدورات التي تسهم في تأطير مهنة طب الطوارئ في العراق، وتحويلها إلى مسار مهني معترف به وفاعل.

رسم1: برنامج تدريب الطوارئ والرعاية

رسم 1: برنامج دعم الرعاية الطارئة في العراق

مؤتمر تعزيز الرعاية الطبية الطارئة

جاء المؤتمر الدولي ليُعزّز هذه الإصلاحات من خلال جمع صناع القرار، والممارسين الصحيين، والخبراء الدوليين، لوضع أول خارطة طريق وطنية شاملة لرعاية الطوارئ في العراق. لقد أسهم المؤتمر في تحفيز الحراك التشريعي وبناء شراكات وتحالفات على المستوى الإقليمي، كما وأعادة تعريف رعاية الطوارئ كأولوية وطنية وحق عام لكل مواطن.

كما برزت حماية العاملين الصحيين كإحدى أكثر الأولويات إلحاحًا خلال المؤتمر، باعتبارها ضرورة إنسانية من جهة، وشرطًا أساسيًا لبقاء النظام الصحي من جهة أخرى. إذ عانى نظام رعاية الطوارئ في العراق لسنوات من ضغوط هائلة؛ حيث تحوّلت أقسام الطوارئ في كثير من الأحيان إلى ظروف عمل معقدة قد تتأثر بالعنف أو التوتر وضعف الثقة، والاكتظاظ.

في بعض السياقات، يتعرض العديد من الأطباء لشكل من أشكال الاعتداء اللفظي أو الجسدي أثناء العمل. كما تتعرض فرق الإسعاف للتهديد أو العرقلة أثناء تأدية مهامها، سواء في الطريق أو داخل المستشفيات، مما تسبب في تراجع قدرة النظام على استبقاء بعض الكفاءات في مجال الطوارئ، وفاقم النقص في الكوادر، وأثّر سلبًا على جودة الرعاية. وفي هذا السياق، يضيف الدكتور سريهاري: «عندما تتعرض فرق الإسعاف للتهديد، أو يُعتدى على أطباء الطوارئ، فإن تأثير ذلك يمتد ليطال قدرة الناس على الوصول إلى رعاية تنقذ حياتهم».

وتقدم اللجنة الدولية للصليب الأحمر دعما حيويًا لوزارة الصحة العراقية بهدف حماية الكوادر الصحية وتعزيز قدرة نظام رعاية الطوارئ الوطني على الصمود. فمن خلال برنامج دعم رعاية الطوارئ، يتجاوز دعم اللجنة الدولية حدود المناصرة الإنسانية، ليُسهم في بناء أنظمة وقوانين وقدرات مستدامة تحمي من يُنقذون الأرواح.

وعلى الصعيد السياساتي، تُقدّم اللجنة الدولية خبرتها التقنية والقانونية لدائرة العمليات والخدمات الطبية الطارئة في وزارة الصحة في صياغة تشريعات أساسية، من بينها: مشروع قانون الحماية الخاصة للعاملين الصحيين و قانون حماية خدمات الإسعاف، بالإضافة الى قانون الوصول إلى رعاية الطوارئ. وتهدف هذه القوانين إلى تجريم العنف ضد العاملين الصحيين، وضمان الحماية القانونية للمستجيبين لحالات الطوارئ، ووضع آليات تعويض ودعم نفسي واجتماعي للكوادر المتضررة.

في نهاية المطاف، ينبغي أن تكون رعاية الطوارئ حقًا مضمونًا، آمنًا، ومتاحًا للجميع، لا امتيازًا يُمنح، بل التزامًا إنسانيًا يضمن أن لكل حياة القيمة ذاتها.  رعاية عادلة، منظّمة، ومحترِمة تصون الإنسان وكرامته في اللحظات الحرجة التي يتوقف فيها كثير من النتائج على سرعة الاستجابة.

Share this article

تعليقات

There is no comments for now.

Leave a comment