أنا المترجم، أنا الخائن: معضلة الترجمة في العمل الإنساني

وجهات نظر

أنا المترجم، أنا الخائن: معضلة الترجمة في العمل الإنساني

غالبًا ما يُنظر إلى الترجمة على أنها صورة من صور «الخيانة» لاستحالة نقل نفس المعاني والرسائل من لغة إلى أخرى. إلا أننا إذا نظرنا إلى الترجمة على أنها وسيلة إلى تحقيق التفاهم والتواصل بين مختلف الثقافات، سندرك قيمتها في مد الجسور بين البشر. وتلعب الترجمة في إطار الاستجابة الإنسانية دورًا حاسمًا في تحديد احتياجات السكان المتضررين والاستجابة لها. ويساهم عمل المترجم «المخلص» للمهمة الإنسانية في تحقق القبول لدور المنظمات الإنسانية ووصول المساعدات للمحتاجين.

في هذا المقال، تفند رشا محمود عبد الفتاح، رئيسة قسم الترجمة العربية في المركز الإقليمي للإعلام التابع للجنة الدولية للصليب الأحمر في القاهرة، المزاعم حول انطواء عمل الترجمة على الخيانة وعدم الأمانة، وتسلط الضوء على بعض التحديات اللغوية والثقافية التي تنطوي عليها عملية الترجمة إلى العربية في منطقة منكوبة بالنزاعات.

 

لم يقتصر التنافس التاريخي بين إيطاليا وفرنسا على ساحات القتال، فإلى جانب الغزوات والمواجهات العسكرية، هناك تنافس ثقافي بين البلدين يعود إلى ما قبل عصر النهضة. فقد تنافس الفلاسفة والكتاب والفنانون والعلماء من الجانبين على موقع الصدارة في هذا العصر. وكانت الكوميديا الإلهية لدانتي أليغييري من أهم ما أُنتج في عصر النهضة وما زالت تُعتبر إحدى أعظم قصائد الأدب العالمي. إلا أن عمل المترجمين الفرنسيين على نقل القصيدة إلى لغتهم، أثار غضب الإيطاليين الذين زعموا أن الترجمات الفرنسية «خانت» القصيدة الأصلية، وفشلت في نقل جمالها المعجمي والصوتي.

كان هذا التنافس وراء المثل الإيطالي الشهير(traduttore, traditore) أي المترجم «خائن». وبصفتي مترجمة أعمل في مجال العمل الإنساني، واجهت كغيري من المترجمين العديد من التهم في أثناء حياتي المهنية منها طبعًا الخيانة. إذ يُنظر إلى الترجمة أحيانًا على أنها «كتابة متواضعة» أو «إعادة كتابة» للنص الأصلي، ويصل الأمر أحيانًا إلى تصوير الترجمة على أنها «اعتداء» على النص الأصلي – وهو ما رآه الإيطاليون في ترجمة دانتي.

وربما يكون أبسط هذه التهم وأكثرها شيوعًا أن الترجمة «نقل حرفي» للنص من اللغة الأصلية، وأن النص حتمًا سسيفقد جوهره وربما يكتسب أو يفقد فروقًا دقيقة وظلالًا عند نقله إلى لغة أخرى.

والترجمة في الواقع عمل توفيقي، ما قد يجعل البعض يراه «خيانة». فحتى أكثر المترجمين خبرة لا يمكنهم تجنب استحضار ثقافتهم ومعارفهم وخبراتهم وحتى صفاتهم الشخصية في عملية الترجمة. لكن من يخون المترجم؟ وماذا يخون؟ النص؟ المؤلف؟ القارئ؟ أم ثلاثتهم؟ فمن الناحية النظرية، لا يمكن لأي ترجمة أن تنقل الأبعاد كافة: المعنى والعاطفة والسياق الذين ينطوي عليهم النص الأصلي. ومع ذلك، فإن صعوبة مهمة الترجمة تكمن في تمكين قارئ اللغة الهدف (المترجم إليها) من «قراءة» النص الهدف بنفس عمق المعنى والعاطفة والسياق الذين يشعر بهم قارئ النص الأصلي.

ومن ثم، فقد نفسر المثل الإيطالي على أنه يشير إلى خيانة المترجم لكاتب النص الأصلي. ويحدث هذا حتمًا عندما يعمل المترجم بين لغات تنتمي إلى عائلات لغوية مختلفة (مثل الترجمة من اللغة العربية التي تنتمي إلى عائلة اللغات السامية، إلى اللغة الإنجليزية وهي لغة جرمانية، أو الفرنسية وهي لغة رومانسية). إذ لا تختلف هذه اللغات في بنيتها الدلالية والنحوية فحسب، وإنما تختلف أيضًا في أنظمتها الثقافية والسيميائية (علم العلامات ودلالات المعاني). فإذا التزم المترجم بحرفية الترجمة، بافتراض رغبته في أن يكون مخلصًا للمؤلف، فهذا غالبًا يُفقد اللغة الهدف السلاسة وإحكام الصياغة وحسنها. أما إذا فضل المترجم أن يوظف الآليات التواصلية أو الدلالية في الترجمة، فينقل رسالة مؤلف النص الأصلي بدلًا من نقل دقيق وحرفي لكلماته، فإنه يخاطر بأن يُتهم بالخيانة.

وبصرف النظر عن ثنائية «الخيانة» و«الإخلاص»، يجب أن يُنظر إلى الترجمة على أنها سبيل لتحقيق التفاهم والتواصل بين الثقافات. فعلى سبيل المثال، نرى في ترجمة الكلمة الإيطالية الدارجة (bravo) التي تعني شجاعًا، إلى اللغة الإنجليزية (well done!) التي تعني أحسنت عملًا! أو أحسنت في العربية، كيف أن المترجم لم يخن أحدًا في الواقع، وإنما تحرك بسلاسة بين الهياكل النحوية المختلفة في عدة لغات، بهدف «تطبيع» الرسالة التي يحملها النص المصدر (النص المترجم منه) لتصل إلى جمهور اللغة المترجم إليها. وهكذا، يكون إخلاص المترجم لمعنى ورسالة مؤلف النص المصدر لا لكلماته.

وتبرز أهمية الإخلاص للمعنى بالأخص عندما يتعلق الأمر بالترجمة في إطار الاستجابة الإنسانية. فالتواصل بين العاملين في المجال الإنساني والسكان المتضررين أمرًا حيويًا لضمان تحديد الاحتياجات والاستجابة لها بفعالية. علاوة على ذلك، فهناك حاجة ماسة لنقل حملات التوعية الرئيسية بشأن القضايا الصحية والكوارث الناجمة عن الأخطار الطبيعية والحقوق القانونية وحقوق الإنسان في سياقات النزاع أو غيرها من السياقات إلى اللغات المحلية وتكييفها مع الثقافات المستهدفة.

وهنا يمارس المترجمون الإنسانيون دورًا حاسمًا في مد الجسور الثقافية، أو «التوطين» (يشير مصطلح التوطين غالبًا إلى تكييف السياق الثقافي) كما صاغه مُنظِّر الترجمة الأمريكي الشهير لورانس فينوتي (Lawrence Venuti). إذ يشير مصطلح «التوطين» إلى عملية استبدال بالثقافة المصدر والعناصر اللغوية المرتبطة بها ثقافيًّا، الثقافة الهدف وعناصرها اللغوية، وبالتالي جعل النص المترجم أقرب إلى ثقافة اللغة الهدف.

ولكن لماذا يُعتبر «التوطين» استراتيجية الترجمة المفضلة في إطار الاستجابة الإنسانية؟ يعاني السكان المتضررون من العديد من مواطن الضعف على مستويات متعددة. ولكي تحقق الاستجابة الإنسانية أهدافها، يجب أن تحظى بـ«قبول» السكان المستهدفين. فالوعي بمواطن الضعف والقيود الثقافية والحساسيات هو السبيل إلى تحقيق القبول والثقة، وبالتالي وصول الاستجابة والمساعدات المختلفة لمن هم في أمس الحاجة إليها. وهكذا، يأتي دور المترجم – بصفته طرفًا أساسيًّا في عملية التواصل – ليسد الثغرات وليضمن أن الرسائل المنقولة في إطار العمل الإنساني تأخذ في الاعتبار مواطن الضعف والحساسيات وتحترمها.

أعمل في الترجمة في اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ ما يقرب من عقد من الزمان، وقد اختبرت هذه الاستراتيجيات أثناء عملي وطورت دوري وأدواتي إلى ما هو أبعد من النقل الحرفي للنصوص من لغة إلى لغة أخرى. فالعمل في منطقة متخمة بالنزاعات، جعل عملي – وعمل فريق المترجمين في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط – تحديًا يوميًّا، يجعلنا نجاهد أحيانًا مع كلمات وعبارات تبدو بسيطة، لكنها قد تحمل مخاطر جسيمة على تصور وقبول اللجنة الدولية في مناطق عملنا.

علاوة على ذلك، فإن الترجمة إلى العربية – وهي لغة تُصنف باستمرار باعتبارها واحدة من أصعب اللغات في التعلم والتوطين – تضيف المزيد من التحديات. وبالتالي، فإن الترجمة من الإنجليزية إلى العربية تنطوي على ديناميات عديدة وتتطلب قرارات لا نهاية لها من جانب المترجم. فاللغة العربية لغة سامية، لها سمة مميزة وهي اعتمادها بدرجة كبيرة على الاشتقاق، ما يمنحها مخزونًا لفظيًّا هائلًا يقدر بأكثر من 12 مليون كلمة. وعندما تقارن ذلك المخزون بكم المفردات في اللغة الإنجليزية، التي تضم نحو مليون كلمة، يمكنك تصور وفرة خيارات المفردات في اللغة العربية، ما يزيد من صعوبة اضطلاع المترجمين بالاختيار الصحيح لظلال المعاني المقصودة.

فمثلًا، يمكن ترجمة كلمة إنجليزية بسيطة مثل (said) في بيان صحافي أو تصريح أو حتى قصة منشورة على شبكة الإنترنت إلى: قَال، تَكَلَّم، اِدَّعَى، أَلْقَى، تَحَدَّث، تَفَوَّه بـ، تَلَا، لَفَظ، نَطَق، نَبَس بـ، إلخ. ولترجمة كلمة (condemn) في بيان صحافي حول استهداف المدنيين، يجب أن يكون المترجم على دراية بالسياسة والاستراتيجية الإعلامية ذات الصلة قبل اتخاذ قرار باختيار إما يَشْجُب أو يُدين أو يسْتَنْكِر أو يُنَدِّد بـ. إن ظلال المعاني التي تحملها هذه المترادفات القريبة في اللغة العربية، تحدد موقف المنظمة التي تصدر البيان، إذ يمكن أن يضع أحد الخيارات المعجمية حياد المنظمة على المحك، فيبدو البيان الصحافي متحيزًا تجاه أو ضد طرف معين.

ويبرز تحدٍّ آخر عند الترجمة إلى اللغة العربية وهو اختلاف اللهجات. فلكل منطقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجموعتها الخاصة من اللهجات، إلى الحد الذي قد يتعذر فيه على سكان منطقة ما فهم لهجة منطقة أخرى. لهذا، يحدد المترجم جمهوره المستهدف واللغة التي يجب استخدامها وفقًا للسياق الذي يستهدفه، ثم يتخذ قرارات بشأن التفاصيل الدقيقة والمفردات المحلية. فمثلًا، كلمة (jerrycan) والتي تشير إلى أحد المستلزمات التي تستخدم بشكل متكرر في التواصل بشأن الأنشطة والمساعدات الإنسانية والاستجابة، عند ترجمتها إلى اللغة العربية في نصوص تستهدف الجمهور اليمني باسم دبة ماء، في حين لن يكون هذا الخيار نفسه مطروحًا عند الترجمة خارج سياق اليمن. فعند إصدار مواد إعلامية عالمية أو إقليمية، يفضل المترجم اختيارًا يفهمه جميع الجمهور الناطق باللغة العربية تقريبًا في المنطقة، فيترجم كلمة (jerrycan) إلى صفيحة مياه.

هناك تحدٍّ آخر يتعلق بالتوجهات المؤسسية إزاء بعض القضايا الحساسة، التي تتطلب قرارات حاسمة من جانب المترجم. النزوح، وهو مجال رئيسي من مجالات العمل الإنساني، أحد الأمثلة على كيفية «إدراك» المنظمات الإنسانية المختلفة لبعض المفاهيم والقضايا. فبينما تترجم بعض هيئات الأمم المتحدة  (IDPs) (Internally displaced persons) إلى المشردين داخليًّا، اختارت اللجنة الدولية ترجمة كلمة (displaced) إلى النازحين، ما يضفي على النازح صفة الإرادة في اللغة العربية فيظهر كـطرف فاعل باستخدام اسم الفاعل بدلًا من استخدام اسم المفعول الذي يسلبه تلك الإرادة.

أما مصطلح (mental health) فيترجم إلى الصحة النفسية في اللجنة الدولية بدلًا من الصحة العقلية لتجنب الدلالة السلبية والوصم المصاحبين للأمراض العقلية في بعض الثقافات. وبالمثل، فإن مترجم اللجنة الدولية يترجم كلمة (detainee) إلى محتجز باستثناء سياقات محددة للغاية يُفضل فيها ترجمتها إلى معتقل. هذه القرارات الواعية التي يتخذها المترجمون الإنسانيون ليست دليلًا على خيانتهم؛ إنها – على العكس من ذلك – جزء من التزامهم بمهمة المنظمة وإخلاصهم لها ولما تعليه من مبادئ الحياد والإنسانية والعالمية.

إذن، فإن الترجمة كونها جزءًا من الاستجابة الإنسانية هي في الأساس عمل تواصلي ووساطة ثقافية. فبهدف مد الجسور وبناء الثقة، يعتبر المترجمون حلفاء للجهات الفاعلة الإنسانية التي تستجيب لاحتياجات السكان المتضررين. وسواء كان مخلصًا للنص أو المؤلف أو القارئ أم لا، يظل المترجم الإنساني مخلصًا لمهمته؛ ألا وهي ضمان التواصل الفعَّال الذي يخفف المعاناة وينقذ الأرواح. وبناءً على تجربتي الشخصية والمهنية، ليس لديَّ شك – في سياق اليوم – أن الإيطاليين ربما أعادوا النظر في مثلهم (traduttore, traditore) «المترجم، الخائن.»

نُشر هذا المقال في الأصل بالإنجليزية في مدونة «القانون الإنساني والسياسات»، وقد ترجمت المؤلفة، رشا عبد الفتاح، النص من الإنجليزية للعربية. 

اطلع غيرك على هذا المقال

تعليقات

لا توجد تعليقات الآن.

اكتب تعليقا