في عام 1962 بعد مقتل الإمام أحمد- حاكم اليمن الشمالي- قامت مجموعة من الضباط والمدنيين بالإطاحة بحكم خليفته الإمام البدر، وإعلان الجمهورية العربية اليمنية.

وقد فرّ الإمام البدر بمساعدة بعض القبائل الموالية، وبدأ بدعم من المملكة العربية السعودية بمحاربة الجمهوريين المدعومين من مصر. لذا نشب قتال عنيف في المرتفعات اليمنية الوعرة- في بلد كان حتى ذلك الوقت شبه منغلق عن العالم الخارجي.

وعقب اندلاع القتال، في أواخر عام 1962، أقامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر اتصالاتها مع ممثل الإمام بدر في الأمم المتحدة من ناحية، ومع ممثل الجمهورية العربية اليمنية في القاهرة من ناحية أخرى من أجل إيجاد وسائل لتقديم المساعدة والوساطة بين الأطراف المتقاتلة من أجل مصلحة الجنود الجرحى والمدنيين بالإضافة إلى أسرى الحرب.

وفي أوائل عام 1963 وصل فريقان من أطباء ومندوبي اللجنة الدولية إلى اليمن من أجل استكشاف الوضع في جبهتي القتال. وتوجه الطبيبان السويسريان روبلي وبيدرمان عبر المملكة العربية السعودية إلى المنطقة الواقعة تحت سيطرة القوات الموالية للإمام البدر، في حين توجه الفريق الثاني من أخصائي اللجنة الدولية إلى صنعاء لتقييم الوضع الصحي في جبهة الجمهوريين.

وخلال هذه الزيارات، ألزم الملكيون والجمهوريون أنفسهم باحترام اتفاقيات جنيف ومبادئ حركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر.

على الجانب الجمهوري كانت هناك بعض المستشفيات وبعض الخدمات الصحية الأخرى، إلا أن مندوبي اللجنة الدولية لاحظوا أن هناك نقصًا شديدًا في الأدوية والأدوات. وفي فبراير/ شباط 1963، وجهت اللجنة الدولية نداء إلى كل جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر الوطنية لتوفير الأدوية للخدمات الصحية في الجمهورية العربية اليمنية. فقامت الجمعيات الوطنية بإرسال أدوية بقيمة 125.000 فرنك سويسري عن طريق عدن، حيث تم توزيعها في الشهور التالية بواسطة مندوب اللجنة الدولية على المستشفيات والعيادات.

لقد كان الوضع الصحي في مناطق القتال في المرتفعات اليمنية مأساويًا، إذ لم يتمكن المقاتلون الجرحى من الحصول على أي رعاية طبية، وكان معظمهم يموتون في كهوفهم ومخابئهم.

المستشفى الميداني

ومن هنا جاءت فكرة إنشاء مستشفى ميداني في منطقة قرب خطوط القتال مجهز بكافة المستلزمات الجراحية. وتم اختيار سهل مرتفع يدعى العُقد، في شمال محافظة الجوف القريبة من واحة نجران السعودية، في المنطقة المحايدة والمراقَبة من قبل الأمم المتحدة، وذلك لإنشاء مستشفى يحتوي على خمسين سريرًا، وقسم أشعة ومختبرات وعيادة عامة. أما القسم الأساسي في هذا المستشفى فكان الوحدة الجراحية سابقة التجهيز.

بدأ العمل في المستشفى في ديسمبر/ كانون أول 1963 لمعالجة المقاتلين الجرحى إلى جانب سكان المناطق المجاورة من المدنيين. وفيما بعد قامت الفرق الطبية من عُقد بمهمات إلى مناطق القتال لتتمكن من معالجة جرحى الحرب بسرعة. ومع حلول نوفمبر/ تشرين ثاني 1965 قام أطباء وممرضو مستشفى عقد بعلاج 1700 مريض، وقاموا بإجراء 2088 عملية جراحية، وتشخيص 60500 حالة في العيادة العامة. كما تمت إقامة مستشفى ميداني آخر في كهف في العقبة، وهي قرية صغيرة في شمال محافظة صعدة واقعة تحت سيطرة القوات الملكية.

وفي أغسطس/ آب 1965 قام الطرفان بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في جدة، إلا أنه في أوائل عام 1966 اندلع القتال من جديد، مع زيادة استخدام القصف الجوي من قبل القوات المصرية الداعمة للجمهوريين.

في يناير/ كانون ثاني 1967 وصل أطباء اللجنة الدولية إلى قرب كتف في محافظة الجوف بعد يومين من مقتل حوالي 120 شخصًا نتيجة للقصف، ووجدوا أدلة حول استخدام الغازات السامة. وبعد عدة حوادث مماثلة، قامت اللجنة الدولية بمناشدة كل أطراف النزاع، مذكرة إياهم بأنه “يمنع منعًا باتًا ضمن القانون الدولي والعرفي استخدام هذه الأسلحة”.

ومع اقتراب القتال من العاصمة صنعاء في ديسمبر/ كانون أول 1967، أنشأت اللجنة الدولية مستشفى ميدانيًا آخر في قرية جحانة شمال العاصمة، وهو المستشفى الذي بقي يعمل حتى سبتمبر/ أيلول 1969.

لقد كان العمل الطبي في اليمن يمثل نوعًا من التحدي للجنة الدولية، حيث لم يكن هناك أي مكون من مكونات حركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر، بالإضافة إلى مشاكل الإمداد حيث يصعب الوصول إلى معظم السلاسل الجبلية.

إلا أن المحلل في اللجنة الدولية، فرانسوا بيريت اختتم قوله: “استفاد مندوبو اللجنة الدولية من التفهم الكبير من قبل الجمهوريين وقوات الإمام للقواعد الإنسانية لقانون جنيف والمبادئ العالمية المذكورة في الشريعة والعرف الإسلامي”.

نُشر هذا المقال في العدد 32 من مجلة الإنساني الصادر في صيفة 2005. وكاتب المقال شغل آنذاك «منصب مندوب الإعلام والنشر في بعثة اللجنة الدولية بصنعاء».

 

انظر أيضا لمزيد من المعلومات عن تغطيتنا للأوضاع الإنسانية في اليمن:

نشوان محمد السميرى، لا أحد يبكي على مدن اليمن

نشوان العثماني، وسط الحرب والدمار…اليمن تطل علينا بفيلم سينمائي

صفحة من تاريخ العمل الإنساني في اليمن: تأسيس جسور الثقة 

ميريلا حديب: النزاع في اليمن تجاوز كل قواعد قانون الحرب

فريا راضي، اليمن: نزاع ومعاناة، وكرم لا ينضب

بشير عمر، النزاع في اليمن: العيون لا تكذب أبدًا