1-

نجح سوري في عبور البحر الأبيض نحو أوروبا من بلده، الذي صار كـ«الأرض الخراب»، دون لمعان الصحف بخبر يحمل صورته غريقًا كالطفل الأيقونة «إيلان».

بدت هيئته متماسكة مشيرة إلى أنه لاجئ «ناجٍ» وهو يجلس في أتوبيس عام بالمدينة الغنية، لوكسومبورغ، لكن عينيه كانتا تائهتين، لا تستطيع أن تقرأ فيهما ضامنًا أكيدًا لنجاة روحه وقلبه.

استقر نظره على كرسيٍّ في الجانب المقابل تجلس عليه فتاة سمراء.. ترجمت ملامحها وشعرها الغامق المجعد من تحت الطاقية الصوف التي كانت ترتديها، فكرة لديه بأنها مثله قادمة من الشرق، لكن ثقتها وثباتها أبلغاه بأنها ليست وافدة جديدة مثله.

تشجَّع وسألها بحيرة: «هل ترى هذه المدينة الشمس أبدًا؟»

أي طقس عاشه في سورية جعل أكبر ما يفتقد في قلب مدينة أوروبية مترفة، شمسًا تدفئ غربته وتمسح عنه العيون التي استعارها في أثناء رحلته البحرية من سمكة صاحبته في الخروج إلى الشاطئ ميتة؟

2-

كنا نهاية العام.. وكسا الثلج هامبورغ في ألمانيا بلون أبيض مائل للرمادي، لا تستطيع رؤيته ناصعًا، لاختباء الشمس خلف الضباب.

خرجنا من مطعم مُدفأ «صناعيًّا» بعد غداء بصحبة عائلة ألمانية.. كنا منهمكين في استعادة المعاطف الثقيلة والقفازات وأغطية الرأس حين صدمتنا الأم الألمانية بصيحتها: «زونَّا»، مشيرة إلى شعاع شمس اخترق زحام السُّحب.

حماستها تلك جعلت لنا نصيبًا في تمشية سريعة تحت شمسهم هذه، لعلنا نكتسب بعض فيتامين «د».
سخرية المشهد بدت فيَّ وأختي ونحن متذيلتَان صف التمشية.. نجرُّ أرجلنا الثقيلة من كثرة طبقات الملابس، متسائلتين: «هي فين الشمس دي؟!».

تلك الحادثة أوضحت لي بشكل عملي لأول مرة الفرق الكبير بين ضوء النهار وضوء الشمس، ووضعتني أمام أسئلة لا تنتهي.. كم مرة لمست أشعة الشمس جِلد هذه المرأة طوال خمسين سنة عاشتها؟ وكم مرة استمتعَت بنهار حقيقي لا ظلمة فيه؟ وكم مرة اضطرت إلى أخذ جرعات فيتامين كيميائية تعويضًا عن غياب الشمس؟

3-

كثير من مهندسي العمارة يرسمون تصميمات المطابخ والحمَّامات على المناور، لتستحوذ غرف النوم والمعيشة على الشبابيك التي ترى الشمس لنفسها.

نشأتُ في بيت بالطابق الثامن، ترتيبه قبل الأخير في المبنى.. شباك مطبخه كان كما جرت العادة على «مَنْور»، لكنه كان «باصص على السما».

تلك الطاقة المفتوحة على اللا محدود رسمت للمطبخ روحًا صافية، ثم أصبحت الشمس بالعِشرة طوال أول عشرين سنة تقريبًا من عمري شريكًا أصليًّا لتفاصيل حياتي في المطبخ:

أكلات شهية تتذوق فيها طعم شمس الخريف الممتعة، وأخرى محروقة كشمس أغسطس القاسية.. فضفضات سرية جمعتني طويلًا بلمعان عينَي أمي، التي اختلط في مائها البُنِّي نور الشمس مع حرارة أسرارنا المشتركة.. مناجاة روحية حملتها أشعة الشمس بيني وبين السماء في مهمات غسل المواعين (الأطباق).

لم أزل أرى حُفرًا في ذاكرتي لصور انعكاسات الشمس من أسطح السكاكين والأواني على جلدي.. وقعتُ في غرام المطابخ، التي ترى الشمس.

ظللت طوال تنقلاتي السكنية مشغولة بموقع شباك المطبخ من الشمس قبل أي شيء.. حتى إنني أسكن الآن بيتًا ليس بداخله مناور أصلًا، ومطبخي مفتوح على شرفة صغيرة ترى حديقة بشمسها.

4-

درسنا في علوم المرحلة الابتدائية أن الشمس مركز المجرة، تدور الأرض وباقي الكواكب حولها..

كانت مجرد معلومة لدلْقها في ورقة امتحان تنقلني إلى المرحلة الإعدادية.. معلومة لأكبر بها سنة أو سنتين بفعل الشمس.. لكنني أسترجعها الآن ويتجدد اكتشافي لهذا الكائن الضخم، الذي كنت أظنه يتحكم في نجاحي الدراسي فقط، بل اتضح أنه يتحكم في عالم أكبر..

هي بوصلة الحياة.. تتوه الأرض – ومَن عليها – إذا فقدت مسار دورانها حول وجهها البرتقالي.. إنها دليل الوجود واتزانه.. إذا قست على قطبي الأرض كان طوفانَ نوح جديد، وإذا حرمتنا دفئها هلكنا جامدين متجمِّدين.
وجه آخر للشمس بدا في أول درس تعلمته في مشوار التصوير بكلية الفنون التطبيقية: التصوير هو الرسم بالنور.. و«الشمس» هي المصدر الأصلي لكل ضوء.

تحت هذا الدرس تفرعت مناهج التصوير، التي تتخذ الشمس مصدرًا للإلهام.. كالتصوير بطريقة «السيلويت» مثلًا، حين تضع الشمس في خلفية الشيء المصوَّر، واستخدام عواكس ومرايا للتحكم في زوايا أشعة الشمس، وخلق شكل جديد للشارع نفسه إذا صوَّرته في ساعتين مختلفتين، أي حسب مكان وجود قرص الشمس في السماء، ورسم صورة بظلال الشمس كبطل أساسي للتكوين، وغيرها من دروس لا تنتهي كنارها ونورها.

وضعتُ سحر كل هذه القواعد الغنية لاستغلال نور الشمس وظلها في كفة، وعندما قابلتُ صورة الإبل الأيقونية للمصور الأمريكي «جورج شتاينمتس» وضعتُها في كفة أخرى.. صورة جوية التقطها «شتاينمتس» عام 2005 من طائرة شراعية لقافلة جِمال تسير في صحراء بسلطنة عُمان..

ستأخد وقتًا عندما ترى الصورة لتستوعب أن شكل الجمال باللون الأسود ما هو إلا ظلالها، وبالتدقيق سترى بقعة صغيرة فاتحة اللون بجانب كل ظل هي أجسام الجِمال الحقيقية.

ربما لم تكن تلك فقط براعة من المصور، الذي امتلك الإمكانات المناسبة لتجميد اللحظة، ولا من الجِمال التي اتخذت وضعًا مراوغًا بلا خطة مسبقة.. ربما كان الأمر فقط استثمارًا معقولًا لثروة الشمس التي تُتحفنا بالنوادر كلما أرادت.. تمامًا مثلما أهدتني بعد أكثر من عشر سنوات من صورة «شتاينمتس» لحظة كنت أستجم فيها على ضفة نيل أسوان/مصر وقت الغروب، حين وجدت الشمس قد خلقت على الضفة الأخرى خيالاتٍ لأناس يتزحلقون على الرمال.. رفعتُ الكاميرا دون تغيير جلستي، التقطت الصورة وبتقريبها اكتشفت تفاصيل لم أكن أراها بعيني المجردة، ولم تكن لتُخلق في ساعة أخرى من النهار.. رسومات دقيقة لحبَّات رمال ونقاط صغيرة مبهمة لأجسام من صنعوا الظلال وهم يسبحون كالشمس فوق الجبل الرملي.

5-

ربما نقضي، نحن مصورو الشرق المشمس، سنوات تجوال طويلة بالكاميرا في الشارع، نتخيل فيها أن تصوير مشهد الغروب مثلًا «سذاجة فنية».. فقد رصدت آلاف الصور عبر الأزمنة البحر يبتلع دائرة شمس بها مئات الدرجات للون الأحمر..

فماذا لو تخيلنا أننا هاجرنا غدًا إلى عالم لا يعرف الشمس؟

ربما وقتها سنخطط لتخزين كميات كبيرة من مشاهد الغروب في كروت إلكترونية مضغوطة تُعينُنا على غربتنا، لئلا نكون كسُوريٍّ عبر البحر دون شمسه.

كم أتمنى أن نسرق بضع دقائق يومية ننظر فيها إلى السماء ونمتن.. ننعم بحرارة الشمس تخترق بشرتنا لتجدد ميلادها.. نلتقط ما استطعنا من صور، تخلقها بنورها وظله، سواء بكاميرا أو بعيوننا المجردة.

نٌشر هذا المقال في العدد 69 من مجلة «الإنساني» الصادر في خريف/ شتاء 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. للاطلاع على العدد كاملًا، انقر هنا.

يمكنكم الحصول على عدد مطبوع من المجلة التي توزع مجانًا من خلال بعثاتنا في المنطقة. انقر هنا لمعرفة عناوين البعثات.