كان السودان وما يزال على الرغم من دعاوى السلام الكثيرة، والمؤتمرات التي تعقد هنا وهناك للم الشمل، وعدم تشتيته في نزاعات لا تجدي، مرتعًا للحروب، الكبيرة والصغيرة على حدٍّ سواء، تلك التي تنشأ بين قبيلتين، وبين قبائل عدة، وبين منشقين عن الوطن، ضد الوطن. وأظن أن السودان من الدول التي يمكن تصنيفها دولة «مَحرَبة»، أو أريد لها أن تظل هكذا تنهض من حرب، لتواجه حربًا أخرى.

إذا عدت بذاكرتي لتلك المرحلة التي عاصرتها إلى حدٍّ ما، أي مرحلة الحرب الأهلية في السودان (1983-2005)، لعثرت على ملايين اليتامى، وآلاف القتلى والجرحى المشوهين. وما زلت أذكر أشخاصًا من أقاربي أو معارفي، تاهوا في ذلك الظلام، وتركوا خلفهم الصرخات والعويل.

أذكر الطيار رضوان الذي كان عسكريًّا فذًّا، ومات بلا أي معنى وفي مكان كان من المفترض ألا يكون فيه أصلًا. كان في السادسة والثلاثين، أذكر الصادق، الذي ذُبح في الليل وهو نائم، وحامد الذي كان بمثابة العم. ذلك إضافة إلى المشوهين الذي كادوا أن يضيعوا بألغام زرعت أصلًا لضياعهم، وشاء حسن الحظ أن يفقدوا أطرافًا فقط، ويعودوا إلى بيوتهم لكن بمعنويات محطمة من جراء ما تبثه ذاكرتهم عن حوادث تلك الأيام التي عاشوها.

الحرب في غرب السودان، وتلك أيضًا معضلة كبرى أمسكت بآمال الوطن ردحًا من الزمان، وخنقتها، الناس هناك يتحاربون منذ الأزل، يتحاربون بسبب وبغير سبب، الأرض واسعة والمراعي كثيرة، والأمطار تأتي، لكن القبائل تتحارب، ثم ليتسع نطاق الحرب بعد ذلك، ويصبح فعلًا همجيًّا، هناك من يبحث عن السلطة أيضًا، ويستطيع استخدام القبلية والجهوية، والمعاني المغمورة في اللغات المحلية، لإشعال الحرب، ومثل ما حدث في الجنوب، حدث في الغرب، وتكونت بناء على ذلك جماعات كل منها يتزعمه رسول حرب. وهؤلاء دخلوا القرى والمدن، وأنهكوا الاقتصاد القومي، وعلى الرغم من عدالة مطالب كثير من المتحاربين، فإن الشَّرار كان طائشًا.

وطالت مأساة الحرب أشخاصًا لا علاقة لهم بأي سلطة، بل في الحقيقة ضحايا أيضًا للسلطة. تقول تلك الجماعات إنها تريد أن تقتص للناس، لكن في الحقيقة هي أضاعت الناس بإضاعة استقرارهم.

صورة أرشيفية لنازحين من دارفور وهم ينتظرون توزيع المساعدات الغذائية في 30 نيسان/ أبريل 2004. في ذلك الحين، قالت الأمم المتحدة إن النزاع في دارفور أدى إلى مقتل 10 آلاف وتشريد نحو مليون. تصوير: MARCUS PRIOR /
EPA.

ماذا يتبقى من الحرب؟ لنسأل واحدًا هو المقدم فضل الله، الذي عمل معي في شرق السودان، حين كنت مفتشًا طبيًّا، وكان قائدًا لحرس الحدود، عن تجربته حين كان في الحرب؟ فضل الله لم يكن بحاجة لسؤال، وطوال سنة قضيناها معًا في الحدود السودانية الإريترية، لم يكن له حديث غير الحديث عن الحرب وما تركته فيه من أحلام مزعجة، وذكريات لا ينبغي أن تعود، هو دائمًا يتحدث عن زملاء ذُبحوا أو قُتلوا بالرصاص أو تمزقوا أشلاء بسبب ألغام لم ينتبهوا لوجودها، يتحدث عن قرى دخلوها في الجنوب، وفوجئوا بنساء يحملن الحراب ومستعدات لغرسها في قلوبهم، عن عربات مدرعة، سقطت في الفخاخ ومات أصحابها، عن جثث كثيرة متغضنة، ومشوهين كثيرين جدًّا، بلا حياة تقريبًا. وتحدث مرة عن واحدة اسمها سوشيلا، جنوبية حسناء كما يصفها، كان يتحدث معها حديثًا هامسًا في إحدى القرى، حين أصابها أحد الجنود برصاصة وأسقطها، بزعم أنها من الخونة.

لن أغفل مسألة اللاجئين، وهي من مضاعفات الحروب التي لا تخمد أبدًا، وشخصيًّا وثقت لتلك المسألة في روايات عدة، منها رواية «منتجع الساحرات» التي تحكي عن لجوء الإريترية الجميلة أببا تسفاي إلى مدينة بورتسودان لتُقتل هناك. اللجوء من أشد عذابات الحروب وطأة، إنه باختصار انتقال من الجحيم المعروف إلى الجحيم غير المعروف، فاللاجئ الذي يترك بلده المشتعل، يبحث في العادة عن الأمان، عن الرحمة، عن بداية جديدة، لحياة جديدة، لكن ذلك في الغالب لا يحدث. هي عذابات تُحمل مع المرء أينما ذهب، ومجهول في الغالب له سيوفه وسكاكينه التي سيشهرها في وجه اللاجئ.

أنا سآخذ أببا تسفاي نموذجًا، وهي في الحقيقة نموذج أخاذ لمعنى الضياع الذي تعممه الحرب على الأبرياء، هذه الفتاة الجميلة كانت بالقطع تعيش ماضيًا حتى لو كان بائسًا وجائعًا، لكنه مستقر، الحرب اندلعت في بلادها. أببا عملت في بورتسودان بائعة للشاي، بائعة فقيرة لكن تملك معاني جيدة عن الشرف، والبقاء بلا ندوب أخرى غير ندوب الأسى التي أحدثتها الحرب، لكن مثل هذا الجمال في بلاد غريبة، ووسط أفاعٍ وجرذان وأشخاص بلا هوية معروفة، وربما لصوص وقتلة، جعل منها فتنة تصنع الشاي، ثم ليطعنها عاشقها عبد الكريم بخنجر حاد وينتهي الأمر، أنا كنت أعمل في المستشفى حين جاءوا بها، كانت بيضاء مثل الورقة، كانت بلا نقطة دم واحدة ولم نستطع أن نفعل شيئًا، فقد شهقت شهقتها الأخيرة ونحن نركض بها إلى غرفة العمليات.

نماذج كثيرة لما تركته الحروب في سمائنا نحن السودانيين، كثيرة جدًّا، وقد جرت على مر السنوات، محاولات عديدة، لتعويد ذلك الشعب المتباين السحنات واللهجات والأهواء، على حب الوطن، وعدم إراقة دم الوطن، والسعي لرفعة الوطن، لكن دائمًا ثمة ردة إلى الحرب.

مؤخرًا جرت محاولات جادة فعلًا لإلغاء مفهوم الحرب عن ذاكرة الناس، لإلغاء بطشها وتهاونها في أمان المواطنين، وذلك بدعوة زعمائها إلى سلام كبير، خاصة أن كل من كان يحمل سلاحًا، يقول بأنه يحارب النظام [الذي حكم السودان زمنًا] وكنسته ثورة الشباب، الآن يبدو ثمة سلام، وشبح تنمية يلوح في الأفق، وربما تنكسر تلك الحدة القديمة للمزاج الناري، مزاج الحرب، إلى الأبد.

لكن حتى لو نجح ذلك المسعى تماما، وأصبحنا خالي الوفاض من الحرب ونارها، هل تُمحى تلك المشاهد التي رسخت بعنف في الذاكرة؟ هل ينسى المقدم فضل الله مثلًا، رفاقه القدامى، والألغام، والخناجر التي ذبحت أحبة؟ هل تعود أببا من منفى الموت، إلى رونق الحياة، وهل سيصحو عمي حامد من غيبوبة الحرب المقدسة التي مات بسببها، إن عاد مرة أخرى؟

لا أعتقد، نحن أصحاب ثارات مع الحرب، ولن تخمد تلك الثارات.

نٌشر هذا المقال في العدد 69 من مجلة «الإنساني» الصادر في خريف/ شتاء 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. للاطلاع على العدد كاملًا، انقر هنا.

يمكنكم الحصول على عدد مطبوع من المجلة التي توزع مجانًا من خلال بعثاتنا في المنطقة. انقر هنا لمعرفة عناوين البعثات.

نشرنا في السنوات الماضية، مجموعة منوعة من النصوص حول السودان، والتحديات الإنسانية والفكرية  للنزاعات التي تدور في البلاد، انظر مثلا:

محجوب محمد صالح، الدولة الحديثة في السودان: التاريخ والنشأة

فيصل محمد صالح، الخرطوم: عاصمة القُطر على ضَفَّاتِ النيل تندب حظها

مزدلفة محمد عثمان، في السودان: آمال العبور تطغى على هواجس الهلاك

ماجد القوني، «لو لم تكن الحرب في دارفور…».. رحلة حليمة بحثًا عن فضاء يتسع لإنسانيتها المُهدرة