السودان الأرض كان هنا منذ فجر التاريخ وعلى ثراه شبت قبائل وقامت مشيخات وإمارات وممالك وسلطنات. ولكن السودان الدولة بحدوده الجغرافية الراهنة مولود حديث لم يبلغ عمره قرنين من الزمان.

يمكن أن نؤرخ لمولد السودان الدولة بالغزو المصري العثماني الذي أطاح بمملكة سنار السلطنة الزرقاء عام 1821م فاجتاحت جيوش محمد علي هذه المملكة التي قامت في الجزء الأوسط من السودان واستسلم حكامها وسقطت عاصمتها سنار في أيدي الغزاة.

ونقل محمد علي العاصمة من سنار إلى مدني أولًا ثم إلى الخرطوم بعد بضع سنوات فأحال قرية الصيادين الصغيرة الواقعة عند ملتقى النيلين إلى عاصمة ومقر لسلطته الجديدة ثم ما لبث أن توسع شرقًا بعد خمسة عشر عامًا ليضم إقليم التاكا إلى ملكه ويفتح مجرى النيل الأبيض للملاحة لتمر البواخر متجهة جنوبًا نحو خط الاستواء.

وعلى مدى نصف قرن استمر التوسع بضم الجنوب أولًا ثم الاستيلاء على سلطنة دارفور بحيث لم يحل العام 1874 حتى أخذت حدود الدولة الجديدة تتشكل وتمتد إليها يد الحكم الجديد وأصبح للحكم الجديد قواعده وقواته المنتشرة في الأقاليم المختلفة ونشأت للحكومة مراكز ومكاتب حكمتها نظم وقوانين ولوائح جديدة تتسق مع مفهوم الدولة في القرن التاسع عشر، أي الدولة المركزية التي تجبي الضرائب وتحمي الأمن وتفتح الطرق للنقل والتجارة وتدير شؤون البلاد.

امتداد جنوبي لمصر

وقد اعتبر محمد علي إقليم السودان امتدادًا جنوبيًا لسلطته في مصر ولم يستقر الرأي عنده وعند أبنائه من بعده على أسلوب إدارته: هل يحكم من القاهرة عبر مركز واحد هو الخرطوم؟ أم يقسم إلى أقاليم يستقل كل منها بإدارته الذاتية ويكون مسؤولًا أمام السلطة العليا في القاهرة مباشرة ولذلك دخلت الإدارة المصرية في تجارب تتراوح بين هذا وذاك، فهي قد جربت اللامركزية الداخلية حينًا من الدهر فعهدت لشيوخ القبائل بمسؤولية إدارة شؤونهم وشكلت مجالس لهذا الغرض، فكانت هناك إدارات محلية أهلية، ثم عادت إلى مركزية بسيطرة تامة لممثلي الحكومة وجباة الضرائب في الأرياف، وبالمثل فإن العلاقة بين السلطة في القاهرة والإدارة في السودان شهدت تغييرت عديدة، فكانت تجنح طورًا لتوحيد القطر كله تحت حاكم عام واحد يعمل تحت إمرته مديرون مسؤولون عن الأقاليم وموظفون في مختلف الجهات ثم عادت تارة أخرى ليتم تقسيم السودان إلى إدارتين منفصلتين، ثم إلى ثلاث إدارات منفصلة على رأس كل منها مدير مسؤول أمام القاهرة.

بداية التحديث

ورغم هذه التغيرات ظلت هناك هياكل لإدارة حديثة للدولة ووجود فعلي للدولة وجيشها في مختلف المناطق وقامت الدولة بأعمال ذات طابع اجتماعي واقتصادي فهي مثلًا ابتدرت مشروعًا للتعليم الحديث فأنشأت أول مدرسة في الخرطوم عام 1848 لكنها لم تلبث أن توقفت.

وفي مرحلة لاحقة أنشأت خمس مدارس في الخرطوم وبربر ودنقلا والأبيض وكسلا، فكانت تلك هي بداية التعليم الحديث في السودان كما ربطت أنحاء البلاد بخطوط للتلغراف تمتد حتى القاهرة ودرست مشروعًا لإقامة السكك الحديدية- لربط أواسط السودان بسواكن الميناء على البحر الأحمر ولربط السودان شمالًا بمصر ولكن عدم توفر التمويل المطلوب حال دون ذلك ونظمت تجارة الصادرات فاحتكرتها أولًا ثم أطلقتها لتجار سودانيين وأجانب وفتحت قنصليات للدول الأوروبية في الخرطوم وأنشأت خطوطًا ملاحية استجلبت لها بواخر بخارية وأقامت ترسانة لبناء وإصلاح السفن في الخرطوم ودربت السودانيين على أعمال الورش في مجال صناعات الحديد والنجارة والميكانيكا واستجلبت مطبعة جديدة لطباعة أوراق الدولة ومنشوراتها ونظمت البريد عبر الجمال التي تنقله لشتى أنحاء السودان ومن السودان إلى مصر.

وهكذا بدأ جهاز الدولة الحديث- بمستويات القرن التاسع عشر- يتجذر رويدًا رويدًا في السودان، إلى أن هبت رياح الثورة المهدية مطلع العقد التاسع واستطاعت قوات الثورة أن تسترد الخرطوم في السادس والعشرين من يناير عام 1885م وأن تقضي على حكومة الاحتلال وتلحق الهزيمة بجيوشها وتنشئ على أنقاضها دولة سودانية وترث الكثير من مقومات الدولة الحديثة من العهد التركي ولكنها طوعته لمقاصدها وأهدافها وسياساتها وظل ذلك الجهاز يدير السودان خمسة عشر عامًا إلى أن سقط أمام الجيوش المصرية والبريطانية الغازية آخر عام 1898م، ليواجه السودان مرة أخرى عهدًا استعماريًا جديدًا كان الشريك فيه والذي بنى وأدار جهاز الدولة الحديث هم البريطانيون.

المهدية ومركزية الحكم

وقد استفادت دولة المهدية من البنى التحتية التي ورثتها من العهد التركي ووظفتها في حدود الإمكانات المتاحة فأنشأت نظامًا مركزيًا للحكم ونقلت العاصمة من الخرطوم إلى أم درمان ومن مقرها في أم درمان أدارت شؤون الحكم كلها بنظام مركزي مرجعيته النهائية المهدي والخليفة عبد الله من بعده.

كما أضعفت المركزية المهدية سلطة القيادات التقليدية وأنشأت منصب “العامل” وهو المدير الذي تعينه الحكومة المركزية لإدارة أي إقليم فيصبح هو السلطة النهائية في ذلك الإقليم مستمدًا نفوذه من المركز مباشرة وهو في نفس الوقت قائد الجيش في المنطقة. أما إدارته لكل هذا فتتم حسب توجهات أم درمان التي تأتي في شكل منشورات عامة لكل الشؤون المدنية والعسكرية في إقليمه على أن يرجع للسلطة المركزية فيما يحتاج إلى توجيه. وقد استفادت دولة المهدية من الأسطول التركي الذي ورثته وكان مكونًا من ثمان وابوارات هي بوردين والصافية والفاشر ومحمد علي والمسلمية والتوفيقية والزبير التي تغير اسمها إلى “الطاهرة” وقد استغلت هذه السفن في النقل الداخلي كما استعملت الجمال في النقل البري.

كما استفادت دولة المهدية من الخط التلغرافي في ربط الاتصال ببعض جهات السودان، ومن المطبعة في طباعة منشورات المهدي ومؤلفات بعض حوارييه- على أن الثورة المهدية لم تعمر طويلًا إذ سرعان ما تعرض السودان إلى غزو ثنائي- مصري بريطاني- بحجة أنه “استرداد” للممتلكات الخديوية المصرية التي أزاحتها الثورة المهدية.

إدارة استعمارية بريطانية

ورغم أن القوات المنتصرة بقيادة كتشنر كانت تدعي أنها تحارب لكي ترد السودان إلى الحكم الخديوي إلا أن نظام الحكم الثنائي الذي نشأ أعطى لبريطانيا اليد العليا في الإدارة ولذلك جاءت هيكلة الحكم ونظامه وفق ما خطط له البريطانيون حسب خبرتهم في إدارة مستعمراتهم الأخرى وعلى النسق الذي يخلق إدارة حديثة ذات كفاءة عالية وتكاليف قليلة، إذ لم تكن ثمة موارد الميزانية طموحة بل إن السنوات الأولى سجلت عجزًا كبيرًا في الميزانية تكفلت به الحكومة المصرية وقامت الدولة الجديدة على ساقين: ساق إداري عسكري يفرض سلطة الدولة على كافة أرجاء السودان وساق خدمي تمارسه مصالح حكومية مسؤولة عن الصحة والتعليم والمواصلات والأشغال العامة وغير ذلك من المؤسسات الخدمية والإدارية.

وهكذا عرف السودان لأول مرة الإدارات المتخصصة في كافة مجالات الحياة وهياكل الحكم الحديث وفق النمط الأوروبي وكان يجلس على قمة هذا الجهاز “حاكم عام للسودان” وهو بريطاني ترشحه حكومة بريطانيا ويعينه خديوي مصر وله سلطة مطلقة في الإدارة الداخلية ويعد مسؤولًا أمام الحكومة المصرية والحكومة البريطانية عن حسن الإدارة، وهو أيضًا القائد العسكري ويأتي تحت إمرته مباشرة ثلاثة من السكرتيريين: السكرتير القضائي المسؤول عن أجهزة العدالة والسكرتير الإداري المسؤول عن إدارة كل أقاليم السودان والسكرتير المالي المسؤول عن كافة الشؤون المالية والإدارية.

وتم تقسيم السودان إلى “مديريات” على رأس كل مديرية مدير إنجليزي كان من العسكريين أولًا ثم أصبح من المدنيين في مرحلة لاحقة- وكان هذا هو المسؤول عن إدارة المديرية والمشرف على كل نشاط حكومي فيها، وقسمت كل مديرية إلى “مراكز” على رأس كل منها “مفتش مركز” بريطاني يعاونه “مأمور مصري” يقوم بمهام المدير على مستوى المركز ويتحمل المسؤولية الأمنية والإدارية ويكون المفتش مسؤولًا عن أداء واجباته أمام المدير.

أما الخدمات والأنشطة الاقتصادية فقد نشأت لها “مصالح” تدير شؤونها، منها مصلحة للتعليم، ومصلحة للصحة، ومصلحة للسكك الحديدية والوابورات النيلية “النقل النهري”، ومصالح للأشغال، والمخازن، والبريد والبرق، والزراعة، والتجارة… إلخ، يتولى شؤونها مسؤولون بريطانيون يعاونهم مصريون وأحيانًا بعض العرب الوافدين، خاصة من الشام. وكان من أولى المهام التي اضطلعت بها الإدارة الحديثة هي سن قانون للعقوبات اقتبسته من القانون الهندي وإنشاء المحاكم في المديريات والمراكز يديرها قضاة بريطانيون أو يتولى أمرها الإداريون الذين يمنحون سلطات القاضي كما سنت الحكومة لائحة القضايا المدنية وأنشأت المحاكم الشرعية للمسلمين التي كانت مختصة بالأحوال الشخصية وأدارها قضاة مصريون وسودانيون.

ميزانية عاجزة

أما المالية- إيرادات وتحصيلًا- فقد كان أمرها متروكًا للسكرتير المالي وموظفيه، وهم يضعون الميزانية وينتظرون من الوحدات الحكومية- سواء كانت مديريات أو مصالح- الالتزام بها وتوفير الإيرادات المطلوبة منهم والصرف في حدود الميزانية المجازة لهم- وفي بداية الحكم كان الدخل في أدنى مستوياته ولا يتكافأ مع الصرف على الإدارة ولذلك كان هناك عجز دائم ظلت مصر تتكفل بتغطيته منذ غزو السودان وحتى العام 1913 كما أنها تحملت العبء الكامل فيما يخص مشاريع البنية التحتية وفي مقدمتها بناء السكك الحديدية ويكفي لكي ندلل على ضعف موارد السودان وعجزها عن مقابلة مصروفاته في السنوات الأولى أن نورد أرقام الميزانية للأربعة أعوام الأولى بعد الغزو.

 

السنة

الإيرادات المنصرفات

1899

126.596 جنيهًا

230.238

1900

156.888 جنيهًا

331.818

1901

242.309 جنيهًا

475.335

1902 270.226 جنيهًا

516.945

 ومع أن مصر قد تحملت كل عجز الميزانية الجارية إلا أنها قبلت أيضًا أن توفر تكلفة مد الخطوط الحديدية داخل السودان وكان هذا المشروع يمثل حجر الزاوية لهيكل الاقتصاد الذي اعتمدت الإدارة الجديدة عليه. وقد بدأ مد الخط الحديدي من حلفا أثناء الغزو فانتهى الخط في مدينة الخرطوم بحري إذ لم يشيد جسر النيل الأزرق إلا عام 1908 فتوقف الخط عند الخرطوم بحري وبدأت الإدارة الجديدة تفكر في مد شبكة تربط البلاد فبنت خطًا من عطبرة إلى ميناء سواكن (1906) ومع اكتمال جسر النيل الأزرق امتد الخط جنوبًا حتى سنار ومنها إلى كوستى ثم الأبيض (1912) وهكذا ارتبطت مناطق الإنتاج الزراعي في غرب ووسط السودان بالميناء على شاطئ البحر الأحمر.

خطة غوردون التعليمية

كان من الإنجازات التي أسهمت في إشراك السودانيين في جهاز الدولة الجديد الخطة التعليمية التي بدأت بكلية غوردون التذكارية (مباني جامعة الخرطوم حاليًا) التي اكتملت مبانيها في أكتوبر عام 1902م بتبرعات جمعت في بريطانيا تخليدًا لذكرى شاريس غوردون. وقد بدأت بمدرسة ابتدائية ومدرسة لتدريب المعلمين والقضاة الشرعيين ومدرسة صناعية ومعمل للتحليلات الكيميائية والبكتريولوجية وأضيف لها لاحقًا قسم للهندسة واستمرت تتوسع إلى أن أصبحت عام 1956 جامعة الخرطوم. وكان الغرض من إنشاء النظام التعليمي مطلع القرن الماضي توفير أعداد من السودانيين المتعلمين لملء الوظائف الصغرى في الجهاز الحكومي الجديد.

كانت هذه هي صورة الجهاز الذي نشأ مطلع القرن الماضي لحكم السودان والذي كان يجلس فوق قمته حاكم عام بريطاني هو صاحب الكلمة الأخيرة في شؤون القطر ولم يتغير هذا الوضع إلا عندما نشأ عام 1910 جلس الحاكم العام الذي يضم كبار موظفيه وكان مجلسًا استشاريًا للحاكم وكان كل أعضائه من البريطانيين.
وهكذا كانت صورة جهاز الدولة الذي تطور عبر السنين. وهو الجهاز الذي ورثه السودانيون عند الاستقلال.

نُشر هذا الموضوع ضمن ملف خرج للنور في شتاء العام 2004، وخصصته المجلة لمناقشة الأوضاع الإنسانية في السودان.

نشرنا في السنوات الأخيرة عدة مساهمات حول النزاع في السودان والوضع الإنساني للسكان المدنيين في البلاد، انظر مثلا:

فيصل محمد صالح، الخرطوم: عاصمة القُطر على ضَفَّاتِ النيل تندب حظها

ماجد القوني، «لو لم تكن الحرب في دارفور…».. رحلة حليمة بحثًا عن فضاء يتسع لإنسانيتها المُهدرة

مزدلفة محمد عثمان، في السودان: آمال العبور تطغى على هواجس الهلاك