توشحتْ السماءُ بردائها الأسود، واختفى شفقها الأحمر وراء ستار الظلام. مساءٌ كئيب يعزفُ لحنه على أوجاع الشباب المكلوم في قطاع غزة. غلاف الصمت يلف المكان في خان يونس، وعقاربُ الساعة تدق التاسعة والنصف، فتملأ دقاتها الفراغ بالصخب.

تفرض السلطات الحكومية في قطاع غزة حظر تجوال كإجراء احترازي لمواجهة أزمة تفشي فيروس «كورونا» (كوفيد-19)، تحت وطأة الظرف القهري وحاجته للدواء، قرر الشاب المقعد عبد الرحمن القاضي، 19 عامًا، الذهاب لإحضار العلاج من بيت عمته، إذ نفد من عنده.

ظن «القاضي» أن الشرطة ستراعي الظروف الاستثنائية، فكيف وإن كان مُقعدًا؟! دفع بيديه عجلات كرسيه المتحرك، وقطع مسافة تقارب الكيلومترين، بمدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، تحت جنح الليل، إلى أن وصل إلى حاجز يتبع مركز شرطة. أوقف شرطيان «القاضي» وابن عمه، الذي رافقه، وطلبا من الثاني الدخول للمركز لأخذ بياناته.التفت شرطي إلى «القاضي» ونظر إليه بسخرية: «امشِ انزل عن الكروسة.. روح على المركز».

شعر «القاضي» بكلمات الشرطي وكأنها طلقات الرصاص، كانت كلماته كفيلة بسحق مشاعره التي لاحقها العجز، والمرض، والقيود الاستثنائية هذا المساء. صُدم لكلمات الشرطي، ونظر مشدوهًا، تبعثرت الكلمات في فمه، فلم يقوَ على الرد. نسي كل أبجديات الحوار، وهوت دمعة منه، وعاش لحظات من الذهول! ثم توالى سقوط الدمعات، كاتمًا ألمًا سرعان ما دوى صداه في أعماقه.استجمع قواه وأجاب الشرطي والدموع تغلبه، وتعلو ملامحه خيبة الأمل، وتغشاه أمواج الحزن: «إني مقعد، ولو كنت أستطيع المشي لما جئتك على كرسي متحرك».

لكن الشرطي أصر على ترجُّل «القاضي»، دون أدنى اعتبار لحالة الشاب الصحية، قائلًا: «بدك تنزل». سبقت الدموع رد «القاضي»، واستدرك: «كلامك هذا بيجرحني.. أنت فاهم شو يعني كرسي متحرك؟! وشو يعني مُقعد؟!» حتى جاء شرطي آخر وأدخله المركز وسمح له بالذهاب إلى بيت عمته.

مأساة مزدوجة عاد الشاب لمنزله بعدما أحضر أغراضه، وأغلق باب غرفته خمسة أيام متواصلة، وهو يراجع الموقف، ويفكر بتلك الكلمات التي ما زال صداها يتردد داخله، وينهش تفكيره. لقد فتح كلام الشرطي جرحًا عميقًا في قلب «القاضي». يقول: «كلام الشرطي كان جارحًا جدًّا. احتجت أغراضًا خاصة لذوي الإعاقة افتقدتها وكان ذهابي لعمتي الحل الوحيد. خمسة أيام كنت أفكر في الموقف». لم يكن «القاضي» قبل 14 أيار/ مايو 2018 مُقعدًا، بل كان سليمًا يمشي على قدمين.

في ذلك اليوم أصيب برصاصة متفجرة، خلال مظاهرات مسيرات العودة الكبرى بمنطقة شرق خان يونس، وسببت له شللًا نصفيًّا، بعدما هشمت نخاعه الشوكي، وأقعدته على كرسي متحرك. ليس هذا فقط ما حطم نفسية «القاضي»، بل أيضًا قيود الحجر الصحي الاستثنائية وظروفها التي لا تناسب وضعه الصحي، وقد عانى من ذلك نفسيًّا وصحيًّا.يقول: «في فترة الحجر لم أستطع الخروج من المنزل، وقد كنت أخرج مع أصدقائي على الأقل مرتين في اليوم قبل أزمة الجائحة، الآن ليس بمقدوري تحمل الجلوس في البيت… كما حرمت التعليمَ الجامعي في سنتي الدراسية الأولى، تخصص وسائط متعددة، والذي أنتظرته بشغف». وتابع «سأقول شيئًا يخيفني: كشاب من ذوي الإعاقة لا أعتقد أنني سأجد فرصة عمل، وهذا ما أخشاه، لأن الشباب من غير ذوي الإعاقة لا يعملون».

يعيش «القاضي» واقعًا مرتبكًا، ويواجه مستقبلًا مجهولًا مع الحصار وأزمة الجائحة. افتقد «القاضي» – خلال فترة الحجر – برامج العلاج الطبيعي لقدميه التي كان يتلقاها حتى لا تضمر. ويقول: «منذ شهر لم تأتِ الفرق الطبية لإجراء جلسات العلاج الطبيعي لي، لذلك لا أستطيع الجلوس جيدًا، فعملية التدليك لقدمي تشعرني بالراحة وكأني استطعت المشي قليلًا». شباب غزة يتقدمون في السن، وهم في ريعان الشباب يحملون على كاهلهم هموم الشيوخ، وكأن الدهر أَدَارَ لَهُم ظَهْر الْمِجَنِّ.

تتعدد أزمات الشباب في قطاع غزة نتيجة عوامل عدة أبرزها قيود الحصار الإسرائيلي، والتبعات السلبية للانقسام الفلسطيني الداخلي، الذي ساهم بانخفاض معدلات التوظيف وتغييبهم عن المشاركة السياسية، وارتفاع تكاليف الزواج، وصعوبة في التعليم والتنقل من وإلى القطاع.

ربيع آفل

أنسام السرساوي، 26 عامًا، شابة أخرى مكلومة، ضاعفت القيود الاستثنائية للسيطرة على كوفيد-19 من أحزانها. بل إن كل شيء يذكرها برحيل أمها بصاروخ سقط على منزلهم بحي الشجاعية في حرب عام 2014. تقول: «الحصار وفيروس كورونا قضيا على الربيع الأول من حياتي، حتى إن سماع الأخبار كل يوم يؤذيني كثيرًا، ومع ذلك فأنا أستمع لها لكي أبقى على علم بما يحدث». تبكي، وتشكو ألمًا مشتركًا يعيشه معظم الشباب في القطاع المحاصر: «جاء كورونا لكي يغلق ما بقي من ثغرة هواء على غزة، دائمًا ننتظر تلك الاتفاقيات والمؤتمرات التي تعقد، لربما تُفتح المعابر لإرسال الوقود لتوليد الكهرباء، ولإرسال مستلزمات الحياة. نحن شعب منكوب، فلم يكن ينقصنا إلا هذا الفيروس ليودي بنا إلى الهلاك».

مرت ست سنوات على فراق أمها، وما زالت «السرساوي» تعيش وقع الصدمة كأنها كانت بالأمس. لم يكن الحال كما هو اليوم قبل هذه السنوات. تذكر أنها أفاقت على صوت انفجار كبير هز أركان المنزل. وكأن صوت الانفجار يعلن الوداع، بدأت الرؤية تتضح قليلًا، فرأت شقيقتها «أميرة» تجرُّ شخصًا ما، ثم أمعنت النظر فإذا به أمها، وكانت عيناها مفتوحتين، ولونهما الأخضر بعينيها ظاهرٌ بوضوح، وصوتها ما زال عالقًا في أذنيها، وهي تنادي بخفوت: «أنسام.. أنسام».

تقول «اعتقدت أنها فقدت الوعي، هززتها: أمي قومي.. يلا لنهرب أجا الصبح، لكنها لم تجب.. شددتها فإذا برأسها يميل»، بقيت «السرساوي» تتأمل المشهد وتنادي «أمي.. أمي.. أمي»، لكن دون إجابة. تعيد الشابة العشرينية تقليب شريط الذكريات، تراجع صفحاته غير المنسية، نافضة عنها غبار الزمن، وما أشبه اليوم بالأمس، تقول: «فقدت أمي وبيتي في الحرب التي اندلعت العام 2014.أذكر أننا بقينا بمراكز الإيواء لأكثر من شهر، ولم نخرج منها، ولم نخالط أحدًا من كثرة وجعنا من مصابنا، وهذا أشبه بما أعيشه الآن، فأنا حبيسة البيت لا أخرج، وازداد خوفي كثيرًا بعد إصابة خالتي وشقيقتي بفيروس كورونا، فقد انتقل إليهما (الفيروس) من أحد أقاربنا، فماذا لو فقدت أحد أفراد عائلتي؟ هل ستُعاد سلسلة الخسارة لدينا؟!».

صمتت «السرساوي» برهة، ثم تنهدت، فقالت: «نحن شعب منكوب من كل جانب، ربما سينجح العالم الحر بمنع انتشار الفيروس، أما نحن فسنحتاج إلى الكثير من الوقت للتعايش معه، هل سأقضي حياتي من خوفٍ إلى خوف، من الحروب والحصار والخسارة!؟ تعلمت وتزوجت وأنجبت، أصبحتُ أمًّا ولم أجد عملًا، فكيف سأشرح لأطفالي حالة الحصار في غزة وأن كل شيء مرهون بالكهرباء والماء والتعليم والسفر؛ حينها سيكون ربيعي الثاني قد بدأ بعدما لاحقت الأزمات ربيعي الأول».

يتفاوت معدل البطالة بشكل ملحوظ في الأراضي الفلسطينية. وتبلغ النسبة في قطاع غزة 49 بالمائة، وفي الضفة الغربية 15 بالمائة، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادرة في 10 أيلول/ سبتمبر 2020. وحسب بيانات سابقة للجهاز، تجاوزت بطالة الخريجين الشباب 55 بالمائة في القطاع. ويبلغ عدد الشباب الفلسطينيين من الجنسين، بين 18 و29 عامًا، حوالي 1.1 مليون، من أصل 5.1 مليون فلسطيني يعيشون بالضفة والقطاع.

السجين رقم M18

أحلام التيتي، 26 عامًا، كانت تحلم بـ«حياة وردية!» بعدما تخرجت من تخصص الصيدلة بمعدل 82 بالمائة، ثم تطوعت لنحو عامين، دون أن تجد فرصة عمل في غزة، لتحمل حلمها وتسافر إلى دولة الإمارات، حيث ادخرت مصروفها «قرشًا على قرش» كي تجمع ثمن التذاكر على مدار عام، وهذه حال آلاف الشباب. في الإمارات وقفت إجراءات «الحجر المنزلي» الاحترازي سدًّا أمام طموحها في العمل، ولم تجد حتى فرصة للتطوع، لتعود أدراجها إلى غزة خالية الوفاض تشيِّع حلمها منكسرة الجناح، وتلاشت أحلامها كأوراق الخريف في مهب الريح، ونكست رايات الأمل بـ«العمل».

عادت إلى غزة تريد نفض غبار اليأس والخروج من «أجواء الانكسار الداخلي»، إلا أنها وجدت نفسها في مراكز حجر صحي تُشبِّهها بـ«السجن» وأمضت 21 يومًا وكأنها جبال جثمت على صدرها. في زاوية غرفتها تجلس وحيدة، وتبدو عليها علامات اليأس، تسترجع «المرحلة المريرة» تلك، وتقول: «أغلقوا باب الغرفة عليَّ لثلاثة أيام، وكان المشرفون يأتونني بالطعام ويضعونه على النافذة. كان الشعور سيئًا، وينادون كل شخص برقم، فكان رقمي M18، وأنا التي أريد الخروج من حالتي النفسية… على مدار الوقت لم أقرأ أي كتاب، فقط أحاول التقاط الإنترنت حتى أتحدث مع عائلتي من شدة الخوف، فقد سمعت أن أفعى دخلت لغرفة محجورين، وليلتها لم يزرني النوم، ثم انتقلت في الأسبوع الأخير إلى مدرسة فيها مخالطون لمصابين». تضرب يدًا بيد نادبة «حظها السيئ»، تقول: «مكثت خمسة أيام بالمدرسة خائفة لا أغادر فرشتي خوفًا من المخالطين».

تقول الأخصائية النفسية ليلى أبو عيشة إن الأوضاع التي فرضتها جائحة كورونا أدت لزيادة التحديات التي يواجهها الخريجون الباحثون عن عمل على الصعيد النفسي بارتفاع معدلات الاكتئاب. وتوضح أن العزل المنزلي والبطالة من العوامل التي تؤدي إلى التوتر والقلق وكل الاضطرابات النفسية التي ترهق الشباب في الوقت الحالي، كما أن ارتفاع البطالة يؤدي إلى اتساع رقعة الفقر.

هذا المقال هو النص الفائز بالمركز الأول في مسابقة اللجنة الدولية للصحافة الإنسانية 2020. وقد نُشر في العدد 67 من مجلة الإنساني، ضمن ملف العدد الرئيس عن «جائحة كوفيد-19 في العالم العربي.»