بعد أكثر من 150 عامًا على التوقيع على اتفاقية جنيف الأصلية لعام 1864، وبعد أربع سنوات منذ اعتماد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2286، لا تزال الرعاية الصحية تتعرض للهجوم في أثناء النزاعات المسلحة وحالات الطوارئ الأخرى.

تتعرض المنشآت والمركبات الطبية للهجوم على يد أطراف النزاع – سواء كان ذلك بسبب الاستخفاف المتهور أو استراتيجية عسكرية متعمدة أو عدم فهم القانون الدولي الإنساني والمبادئ الإنسانية. كما تواصل أطراف النزاع إساءة استخدام المرافق والمركبات الطبية باستخدامها لأغراض عسكرية.

وفي بلدان عديدة، لاتزال مساحات شاسعة من الأراضي أو مناطق في المدن محظورة على العاملين في قطاع الصحة والعاملين في المجال الإنساني، المحليين والأجانب على حد سواء. ويؤدي ضرب الحصار وفرض العقوبات وإنشاء الحدود التعسفية التي تضعها الدول والجماعات المسلحة من غير الدول وغيرها إلى منع حرية انتقال العاملين في قطاع الصحة والإمدادات الطبية والمرضى.

وفي مواجهة هذه التحديات، أطلقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر وشركاؤها في الجمعيات الوطنية والحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر (الحركة) مبادرة “الرعاية الصحية في خطر” في العام 2011. وتسعى هذه المبادرة إلى خلق عالم يحترم فيه حمَلَة السلاح والسلطات السياسية والسكان في البلدان المتضررة من النزاعات وحالات الطوارئ الأخرى حرمةَ الرعاية الصحية في جميع الأوقات.

وبعد ما يقرب من عشر سنوات من الأنشطة التي تعزز حماية العاملين في قطاع الصحة والمرافق والمركبات الطبية، لايزال الاحتياج ملحًّا إلى بذل جهود عالمية لحل مشكلة العنف ضد الرعاية الصحية.

وتشير الخبرة الميدانية التي راكمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن نثبت أن التدابير الفعالة الرامية إلى حماية الرعاية الصحية من العنف ممكنة وفي متناول أيدينا.

ففي مدينة مراوي بالفلبين، ساعدت مجموعة واسعة من الأنشطة – تتراوح بين تدريب العاملين في القطاع الصحي إلى اتفاقية بين الجيش ومرافق الرعاية الصحية الإقليمية – على التخفيف من آثار الأزمة في العام 2017 واستعادة الوصول إلى مرافق الرعاية الصحية الآمنة.

وفي العراق، وهو المعروف بمستويات عالية من العنف في الآونة الأخيرة، انطلقت حملة إعلامية عامة كبيرة في عام 2018. وكانت أهدافها زيادة ثقة الجمهور في الطاقم الطبي، وتقليل مستويات العنف التي تعوق الوصول إلى الرعاية الصحية الضرورية. كما سلطت الحملةُ الضوءَ على الحاجة إلى جهود مستقبلية لحماية العاملين في قطاع الصحة حتى يتمكنوا من الاستمرار في أداء واجباتهم الطبية في ظروف آمنة.

وفي مخيم اللاجئين الفلسطينيين في عين الحلوة بلبنان، وقَّعت مجموعات عديدة من حمَلَة الأسلحة اتفاقية بوساطة اللجنة الدولية لاحترام مرافق الرعاية الصحية التي تخدم المجتمع المحلي. كانت هذه خطوة رائدة استوعبت حَملَة الأسلحة في إيجاد حلول وجعلتهم مساءلين إذا أخفقوا في الوفاء بواجبهم في حماية العاملين في القطاع الصحي والمرافق الصحية واحترامهم.

نهر البارد.. حالة نجاح

عين الحلوة هو أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان. تبلغ مساحته كيلومترًا مربعًا واحدًا فقط، ويقيم فيه زهاء 70000 شخص، بما في ذلك اللاجئين الفلسطينيين من سورية وأعداد أقل من اللاجئين السوريين والمواطنين اللبنانيين. ظروف المعيشة في المخيم أقرب إلى الأحياء الفقيرة في المناطق الحضرية، مع بنية تحتية غير كافية ووصول محدود إلى الخدمات الأساسية. ونظرًا لأن معظم السكان مهمشون من المجتمع اللبناني ولا يتمتعون بالحقوق نفسها التي يتمتع بها المواطنون اللبنانيون – بما في ذلك الحق في الرعاية الصحية المدعومة من الدولة – تزايد اعتمادهم على المساعدات الإنسانية.

ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) هي المصدر الرئيسي للمساعدات في المخيم.

أقامت القوات المسلحة اللبنانية أربعة حواجز حول عين الحلوة وهي تسيطر على جميع منافذ الدخول إليه والخروج منه. وداخل المخيم، يتقاسم المهام الأمنية 15 فصيلًا فلسطينيًّا أو نحو ذلك، يخدم كل منها مصالح وأجندات مختلفة. حَملُ السلاح واسع الانتشار ويميل الناس إلى تسوية خلافاتهم بالعنف المسلح الذي يمكن أن يتصاعد بسرعة. ويشيع وجود القذائف الصاروخية الدفع والرشاشات الثقيلة في محيط المخيم المكتظ والضيق.

وكثيرًا ما تسبب الاشتباكات أضرارًا في المباني وإعاقة الحركة على الطرق وسقوط ضحايا من المدنيين. بل في بعض الحالات دخلت المجموعات المسلحة المستشفيات والعيادات.

اللجنة الدولية تعمل في عين الحلوة منذ العام 2014، ونجري حوارًا مع المجموعات المسلحة غير الحكومية لتعزيز ثقافة المساءلة وتغيير السلوك بين حمَلَة السلاح. وبعد إجراء عملية تشاور، وافقت المجموعات المسلحة على التوقيع على إعلان نموذجي أحادي الجانب يحدد التزامها بكفالة تقديم الرعاية الصحية وحماية الجرحى والمرضى في المخيم.

فهم المشاكل ومعالجتها

الحقيقة المحزنة هي أن العاملين في قطاع الصحة بعين الحلوة يواجهون المشاكل نفسها التي يواجهها زملاؤهم الذين يعملون في سياق حالات عنف أخرى، إذ يستهدف حملة السلاح الموظفين وسيارات الإسعاف والمستشفيات فيمنعون المرضى والجرحى من الحصول على الرعاية التي يحتاجونها. وقد أطلقنا مشروعًا متعدد الأقسام ممتدًا عبر سنوات عديدة لمعالجة أسباب المشكلة والتحاور مع المجموعات المسلحة من غير الدول، والتوصل إلى حل دائم للعنف. قُسِّم المشروع، المستوحى إلى حد كبير من المبادئ التوجيهية للجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن كفالة تقديم الرعاية الصحية، إلى ثلاث مراحل:

في المرحلة الأولى، تحدثنا إلى المجموعات المسلحة من غير الدول بشأن حماية الرعاية الصحية، بما في ذلك الدورات التدريبية على الإسعافات الأولية التي تديرها اللجنة الدولية.

في المرحلة الثانية، صِغنا إعلان نموذج أحادي الجانب بناءً على نتائج عملية التشاور هذه، ثم شاركنا المسودة مع المجموعات المسلحة من غير الدول ومقدمي الرعاية الصحية لاستقبال تعليقاتهم والحصول على موافقتهم.

في المرحلة الثالثة، نظمنا احتفالًا عامًا تعهدت فيه المجموعات المسلحة من غير الدول بالالتزام بالإعلان النموذجي أمام دوائرهم المعنيّة (بما في ذلك العاملين في قطاع الصحة في المخيمات وممثلي المجتمع المدني). وفي إطار هذه المرحلة النهائية، التي لا تزال جارية، سنواصل رصد كيف تنفذ المجموعات المسلحة من غير الدول شروطَ الإعلان، مع تقديم الدعم أو التدخل عند الضرورة.

تعريفات

يشمل العنف ضد المرضى قتلهم وجرحهم ومضايقتهم وتخويفهم أو فعل أي من ذلك مع الذين يحاولون الحصول على الرعاية الصحية، وعرقلة الوصول إلى الرعاية في الوقت المناسب أو التدخل في تقديمها، ورفض تقديم المساعدة أو الإخفاق المتعمد في تقديمها، والتمييز في الوصول إلى الرعاية وفي جودتها ومقاطعة تقديم الرعاية الطبية.

يشمل العنف ضد مرافق الرعاية الصحية القصف، والنهب، والتطويق، والدخول القسري إلى مرافق الرعاية الصحية وإطلاق النار عليها أو بداخلها، وأيّ تدخل قسري آخر في إدارة هذه المرافق (مثل حرمانها من الكهرباء والمياه).

يشمل العنف ضد العاملين في قطاع الرعاية الصحية قتلهم وجرحهم وخطفهم ومضايقتهم وتهديدهم وتخويفهم وسرقتهم، واعتقال أيّ شخص بسبب أداء واجباته الطبية، بما في ذلك إعاقة واعتقال العاملين في الطب الشرعي في أثناء قيامهم بواجبات الطب الشرعي.

يشمل العنف ضد المركبات الطبية الاعتداء على المركبات الطبية وسرقتها والتدخل في تحركاتها.

تشمل مرافق الرعاية الصحية المستشفيات والمختبرات الطبية والعيادات ومراكز الإسعافات الأولية ومراكز نقل الدم ومرافق الطب الشرعي والمخازن الطبية والصيدلانية لهذه المرافق.

يشمل العاملون في مجال الرعاية الصحية الأطباء والممرضات والممرضين والمساعدين في مجال الإسعاف والمسعفين الأوائل وطواقم الطب الشرعي وموظفي الدعم المعينين للوظائف الطبية، والطاقم الإداري لمرافق الرعاية الصحية وموظفي الإسعاف.

تشمل المركبات الطبية سيارات الإسعاف والسفن والطائرات الطبية سواء كانت عسكرية أو مدنية، وأي مركبات أخرى تنقل الإمدادات أو المعدات الطبية.

يشمل الجرحى والمرضى جميع الأشخاص، عسكريين كانوا أم مدنيين، الذين يحتاجون مساعدة طبية ويكفّون عن إتيان أي عمل عدائي. وهذا يشمل الحوامل والأطفال حديثي الولادة والعجزة.

المرحلة الأولى: التواصل والتشاور (2014-2015)
عندما اندلع العنف المسلح في المخيم، كان حمَلَةُ السلاح يتصرفون كمسعفين أوائل بحكم الأمر الواقع – على الرغم من افتقارهم إلى التدريب والمعدات اللازمة – بسبب الخطورة التي ينطوي عليها وصول خدمات الطوارئ إلى المرضى والجرحى.

في محادثاتنا الأولية، قال جميع قادة المجموعات المسلحة الذين التقيناهم إنهم على استعداد للمشاركة بصورة أكبر في أنشطة “الرعاية الصحية في خطر” في المخيم، مشيرين إلى أن الفصائل المتنافسة أخفقت في إتاحة وصول الأشخاص بطريقة آمنة إلى خدمات الرعاية الصحية. كما طلبوا منا تدريب رجالهم المسلحين على الإسعافات الأولية.

بعد الاتصال بالعديد من المجموعات المسلحة من غير الدول، عقدنا الجولة الأولى من التدريب على الإسعافات الأولية ومشاورات الرعاية الصحية في خطر في آذار/مارس 2014. بدأت كل جلسة بنظرة عامة على اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومهمتنا ومبادئنا وعملنا في لبنان. بعد يومين من التدريب العملي على الإسعافات الأولية، تحدثنا إلى كبار الأعضاء حول المسائل المتعلقة بالرعاية الصحية في خطر. سهّل هذا النَّهج إجراء مناقشة مفتوحة حول حماية الرعاية الصحية، نظرًا لأن حملة السلاح يثقون بنا ويفهمون منظمتنا وكانوا أكثر استعدادًا للتحدث بعد إكمال يومين من التدريب.

في الجلسات الاستشارية، طلبنا من أعضاء المجموعات المسلحة إبداء آرائهم حول مسائل الرعاية الصحية في خطر من زاويتين: بوصفهم مرضى وحَمَلَة سلاح. كان تركيزنا أكبر على الإنصات إلى احتياجاتهم ومخاوفهم وتوصياتهم، في مقابل التحدث معهم حول القانون الدولي الإنساني أو مبادئ الرعاية الصحية في خطر. ونتيجة لذلك، كانوا يشعرون براحة كافية لمشاركة تصوراتهم بحرية وصراحة دون الشعور بأنهم محطّ أحكام وتقييم.

المرحلة الثانية: الدمج والموافقة (2016-2017)

بعد أن أتممنا عملية التشاور وطورنا فهمًا مشتركًا وحددنا سبل المضي قدمًا، صِغنا إعلانًا نموذجيًّا أحادي الجانب بدعم من موظفي اللجنة الدولية للصليب الأحمر في قسمي الشؤون القانونية والحماية في جنيف. تحتوي الوثيقة على مجموعة من المبادئ والتدابير لكفالة تقديم رعاية صحية محايدة. ومن المتوقع أن تُطلِع المجموعات المسلحة من غير الدول التي وقعت على الوثيقة أعضاءَها عليها.
وعقدنا اجتماعات مع قادة المجموعات المسلحة إذ قدمنا نتائج عملية التشاور (بما في ذلك التوصيات التي قدمها أعضاؤها) وشاركنا معهم مسودة الإعلان للتعليق والموافقة عليها. كما شاركنا الوثيقة مع قادة دينيين وسياسيين، وكذلك مع مقدمي الرعاية الصحية العاملين في المخيم والدوائر المعنية الأوسع، في محاولة لبناء إجماع عريض. ويشمل الإعلان تعهدات باحترام وحماية الجرحى والمرضى بغض النظر عن انتمائهم، ودعم وتيسير حصولهم على الرعاية الصحية شكل فعال، واحترام وحماية العاملين في قطاع الرعاية الصحية والمرافق والمركبات الطبية، بغض النظر عن انتمائهم وفي جميع الأوقات.

المرحلة الثالثة: المشاركة والتنفيذ والرصد والدعم (2018-)

في تموز/يوليو 2018، نظمنا احتفالًا داخل المخيم حيث وقعت جميع الفصائل الخمسة عشر الرئيسية على الإعلان (انظر الصورة في الصندوق) وتعهدنا علنًا بالالتزام بشروطه ومبادئه. في هذه الفعالية، التي تمثل بداية المرحلة الثالثة من المشروع، عقدنا أيضًا جلسة حول عمليات إنفاذ القانون واستخدام الأسلحة في المخيم المكتظ بالسكان.

كانت أولويات هذه المرحلة الثالثة ذات شقين. أولًا، أردنا تشجيع قادة المجموعات المسلحة من غير الدول على مشاركة الإعلان مع مرؤوسيهم (الأشخاص أنفسهم الذين قدموا مساهماتٍ وجدتْ طريقها إلى محتواه). وثانيًا، أردنا العمل مع العاملين في مجال الصحة المتضررين من القتال للتأكد من التزام المجموعات المسلحة بالشروط المتفق عليها. على سبيل المثال، شارك العديد من حمَلَة السلاح من عين الحلوة في اشتباكات في مخيم المية مية للاجئين في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2018.

وقد ناقشنا تقارير حوادث الرعاية الصحية في خطر مع الجناة المزعومين حيثما أمكن، في إطار حوارنا المستمر مع المجموعات المسلحة من غير الدول.

ثمة اتفاق واسع النطاق على أن الإعلان أحدث فرقًا حقيقيًّا على الأرض. على سبيل المثال، في آذار/مارس 2019، عولج أحد حمَلَة السلاح المصابين في إحدى مستشفيات المخيم دون تدخّل من الفصيل المسيطر على المنطقة. هذا الحادث، الذي تعتبره جميع الأطراف مثالًا على التأثير الإيجابي للإعلان، يجب أن يتبعه الآخرون مع ترسّخ التحول التدريجي في السلوك.

الدروس المستفادة

• دورات التدريب على الإسعافات الأولية هي بيئة فعالة على نحو خاص للحديث عن قضايا الرعاية الصحية في خطر (ربما أكثر من أي سياق آخر) لأن حمَلَة السلاح، بمجرد تدريبهم، يمكنهم الإحساس بما يمر به المسعفون الأوائل.
• تخدم مبادرة الرعاية الصحية في خطر أغراضًا أخرى تتجاوز حماية تقديم الرعاية الصحية: فهي تساعدنا على زيادة قبول المجتمعات وجودنا وعملنا، وعلى التحدث بصورة غير رسمية عن مبادئنا وقيمنا.
• جعلُ المشاورة عمليةً تشاركيةً أثمَرَ فائدةً: فبدلًا من تلقي المحاضرات من قبل منظمة خارجية، شَعُر قادة المجموعات المسلحة من غير الدول أنهم كانوا جزءً من الحل، وطوروا إحساسًا بالمساءلة وبأن الموضوع المطروح يخصّهم؛ لأن التوصيات جاءت من أعضاء مجموعتهم.

هذا عرض لتقرير أصدرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر حول التصدي للعنف ضد الرعاية الصحية في العراق ولبنان والفلبين. للحصول على التقرير كاملًا، انقر هنا.