إذا كانت الضحية الأولى للحرب هي الحقيقة، فربما تكون الضحية الثانية شيئًا يقدره العالم بأسره حق قدره في الوقت الحالي: الرعاية الصحية. 

تدرك العائلات الفارة من أتون النزاع، أو تقع في محيطه في الوقت الحالي، أن المساعدات الطبية هي ميزة نادرة وثمينة في المناطق التي تكتوي بنار الحرب. إذ تحت سماء مرعبة من القنابل والرصاص تلوحُ المنشأةُ الطبية العاملة في الأفق واحةً منقذةً للأرواح، ولكن من شبه المؤكد أن الطاقم الطبي في تلك الواحة سيواجه سيلًا من الحالات وعجزًا في الإمدادات.

هذا النقص في الرعاية الطبية هو ما يجعل الزحف القاسي لهذه الجائحة نحو مناطق النزاع يبثّ الرعب في القلوب، فهي تمثل تهديدًا خطيرًا للحياة في الأماكن التي غالبًا ما يُنظر إلى الأشخاص فيها كأنهم آخرون لا أسماء لهم ولا وجوه. لكن منظمتي [اللجنة الدولية للصليب الأحمر] تساعد بشرًا من لحم ودم وتتعرف إليهم، عائلات من أناس حقيقيين يقفون الآن في وجه عاصفة عاتية.

وبصفتي رئيسًا للجنة الدولية للصليب الأحمر، عرفتُ عن قرب المشاهد الصعبة للغاية التي تفرض نفسها على ضحايا الحرب. فنحن نقدم المساعدات الغذائية للمصابين بسوء التغذية الحاد وننصتُ إلى من نجوا من الاعتداء الجنسي، ونعيدُ توثيق عرى العلاقات العائلية التي انفصمت بسبب النزاع، ونضمد الجروح البشعة التي تخلفها الحروب. 

وباختصار، فنحن منظمة ترى العالم وهو في أسوأ حالاته، ولهذا أودّ من قادة العالم وحكوماته أن ينصتوا لي بعناية: أنا مرعوب. 

أنا مرعوب لأن فيروس كورونا يكتسح قدرات البنية التحتية الطبية المتقدمة للدول الغربية ذاتها. 

وأخشى اللحظة التي يصل فيها الفيروس إلى السجون التي تعاني من نقص الموارد حول العالم، فالصحة الهشة أصلًا والقدرات الطبية المحدودة والمنخفضة ستتحدان فتفضيان إلى تفشي المرض. 

أنا مرعوب بسبب اللحظة التي ستصل فيها الجائحة إلى مخيمات اللاجئين المكتظة، ومراكز الإيواء المؤقتة غير المستقرة في العالم، إذ إن التباعد الاجتماعي مستحيل، والموارد الطبية شحيحة. 

سيُترك الأطفال والآباء والأجداد، خصوصًا المقيمون هناك قريبًا، ليكافحوا المرض بأنفسهم، ولهذا السبب فإنني أحث الحكومات والمنظمات الإنسانية مثل اللجنة الدولية على بذل قصارى جهدها لمساعدة هؤلاء الأشخاص الأكثر استضعافًا. 

لقد كانت هذه المساعدات ضرورة لزمن طويل. أما اليوم فمساعدة من هم أقل قدرة على مواجهة هذا المرض هو واجب أخلاقي وسياسي، لا سيما في أثناء الآثار الاجتماعية والاقتصادية المعوِّقة التي تفرضها هذه الأزمة الصحية العالمية.

بوسعنا – ويتحتم علينا – أن نخفف من المعاناة التي يسببها هذا المرض للأشخاص الأقل قدرة على التأقلم.

لقد توصلت مؤسسة راند في دراسة أجرتها عام 2016 إلى أن أفغانستان وهايتي واليمن و22 بلدًا في أفريقيا تشكل 25 بلدًا هي الأكثر عرضة لتفشي الأمراض المعدية فيها. كانت غالبية البلدان العشرة الأكثر استضعافًا مناطقَ نزاع. 

وتضطلع اللجنة الدولية حاليًا بإعادة توجيه رئيسة لأنشطة المساعدة التي ننفذها، فنعدّل عملنا الحالي ليتلاءم مع الواقع المتسارع. ففي المرافق الطبية التي ندعمها في بلدان مثل سورية والصومال والعراق، نزيد من مخزون الإمدادات الأساسية ونعزز تدابير الوقاية من العدوى ومكافحتها. 

وتعمل اللجنة الدولية مع السلطات في أماكن الاحتجاز في أكثر من 50 بلدًا على تعزيز الفحوصات الطبية وإجراءات الوقاية للوافدين الجدد والزوار والحراس وطواقم تسليم المحتجزين. كما ندعم إجراءات التطهير ونوزع مستلزمات النظافة الشخصية. فلقد رأينا مثل هذه التدابير تحول دون انتشار الكوليرا والإيبولا في أماكن الاحتجاز في غينيا وليبيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ويجب أن نفعل الشيء نفسه للحد من انتشار كوفيد-19.

هذه خطوات حاسمة الآن. ولكن هذه خطوة حاسمة أخرى: يجب على اللجنة الدولية وغيرها من المنظمات مواصلة الأنشطة غير المتعلقة بكوفيد-19. على سبيل المثال، استقبلت المستشفيات التي ندعمها في جنوب السودان أكثر من 145 مصابًا بجروح بسبب أسلحة نارية في الأسابيع الأخيرة. فهؤلاء تجب مساعدتهم أيضًا. 

والحقيقة المحزنة هي أنه بالنسبة للأشخاص الذين يحيط بهم النزاع، قد يكون فيروس كوفيد-19 مجرد تهديد مميت إضافي. ولسبب وجيه دعا الأمين العام للأمم المتحدة [أنطونيو غوتيريش] إلى وقف إطلاق النار على مستوى العالم، إذ يحتاج العاملون في المجال الإنساني إلى كل المساحات الممكنة للتصدي لهذه الجائحة.

إن استجابتنا المزدوجة لكل من النزاع وجائحة كوفيد-19 تواجه صعوبات إضافية بسبب الإجراءات الحيوية المتخذة لاحتواء الجائحة. فالقيود المفروضة على السفر تحول دون جمع المساعدات الإنسانية وتمنع فرقنا من دخول البلدان أو توصيل الإمدادات. وسنعمل على التغلب على هذه التحديات، لكننا نطلب من صناع القرار وضع استثناءات للقائمين بأنشطة في مجالي الصحة والعمل الإنساني. 

وإذا كان تقديم المساعدة ضرورة أخلاقية، وجب على الحكومات والأطراف الفاعلة المسلحة الأخرى على مسرح النزاعات حماية مساحة إنسانية محايدة وغير متحيزة، لا تكبيلها باللوائح والقيود. يجب على الجميع صون الكرامة الإنسانية، لا تهميش البشر واستبعادهم ووصمهم.

وأخشى من أن هجمة جائحة كوفيد-19 على أكثر الأشخاص استضعافًا في العالم ستكون شرسة. والوقت محدود بالفعل، فيجب أن نتعاون الآن من أجل تقليل أي معاناة قدر استطاعتنا. ويجب على الحكومات والمتحاربين والسلطات تغيير سلوكهم. ولأن الفيروسات لا تعرف حدودًا فقد يؤثر نقص الاستجابة وقلة الموارد الموجهة للمحتجزين واللاجئين على العالم بأسره.