في حزيران/ يونيو الماضي، ألقى الدكتور عمر مكي، المنسق الإقليمي للقانون الدولي الإنساني بالشرق الأوسط وشمال افريقيا باللجنة الدولية للصليب الأحمر، محاضرة إلكترونية حول موضوع «تحديات القانون الدولي الإنساني في المنطقة العربية.» ونظرًا لما تناولته المحاضرة من إضاءات مهمة وشرح واف لبعض القضايا المعقدة والإشكالية التي تخص القانون الدولي الإنساني، لا سيما في المنطقة العربية، فقد آثرنا على تفريغ المحاضرة ونشرها هنا في مدونة مجلة «الإنساني» (بعد تحريرها هنا في أضيق الحدود). والمحاضرة جزء من نشاط مجموعة «رحالة القانون الدولي الإنساني» على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وهي منصة تهدف تسهيل تبادل ومشاركة الآراء والمعلومات والمنشورات الخاصة بالقانون الدولي الإنساني.

مقدمة

أحيي كل زملائنا الذين ضحوا بقسط من وقتهم حتى يكونوا حاضرين معنا اليوم في أولى حلقات القانون الدولي الإنساني، المحاضرات التي نقدمها على مجموعة رحالة القانون الدولي الإنساني.

لي الشرف أن أتحدث معكم اليوم عن موضوع يعد من أهم موضوعات المجتمع الدولي من وجهة نظري تشويقًا وجدلًا، والتشويق والجدل في هذا الموضوع يأتي من ثلاثة جوانب، الجانب الأول هو جانب جيوسياسي تاريخي متصل بمنطقة الشرق الأوسط أو المنطقة العربية، طبعًا هناك أسباب كثيرة جدًّا في المنطقة سواء تتعلق بوضع كيان إسرائيلي أو النفط أو الموارد الطبيعية والغاز الطبيعي أو حتى الطوائف المختلفة الموجودة في المنطقة العربية، أدت للأسف الشديد إلى أن تصبح منطقة الشرق الأوسط الآن مسرحًا للعمليات العسكرية من جميع أنحاء العالم، دول كثيرة جدًّا منخرطة في نزاعات مسلحة بالوكالة داخل منطقة الشرق الأوسط.

والجانب الثاني في التشويق والجدل أيضًا في موضوع محاضرة اليوم وهو متصل بعامل موضوعي، متصل بالقانون الدولي الإنساني نفسه، وظاهرة الحرب المتصلة بالقانون الدولي الإنساني، القانون الدولي الإنساني وًضع لكي يؤطر أو ينظم ظاهرة الحرب، وهناك استحالة منطقية بالنسبة لغير المتخصصين في القانون الدولي الإنساني أن يفهموا كيف يمكن لقواعد قانونية موضوعة أن تنظم ظاهرة بهذا الشر.

نحن معتادون في القوانين الوطنية أن الظاهرة الشريرة- السرقة، القتل، الضرب- يتم تجريمها وفقًا لقواعد القانون، لكن نادرًا ما تجد قانونًا يحاول أن ينظم ظاهرة بهذا الشر، الأمر الثاني داخل العامل الموضوعي هو فكرة الحرب نفسها، السلوك الإجرامي بها ليس بوضوح السلوك الإجرامي الموجود في جرائم القانون الوطني، بالتالي من الصعب جدًّا أن أجد مادة [كالتي] تتحدث عن من اختلس مالًا منقولًا مملوكًا للغير يعد سارقًا. هذا شيء موجود في القوانين الوطنية. ولكن في القانون الدولي الإنساني جريمة الحرب قتل مدني، ليس بالضرورة جريمة حرب، إذا كان المدني سقط كضرر جانبي في حالة استهداف هدف عسكري أو مقاتل بجانبه، هذا طبعًا عامل آخر يضيف للتحديات. 

والجانب الثالث والأخير نابع من اقتناعي بالفكر النقدي Critical thinking وعدم إيماني بالفكر الوضعي لقواعد القانون الدولي على عكس القوانين الوطنية، فأنت كقاضٍ متمرس أو كقانوني متمرس تؤمن بمبدأ سيادة القانون على المستوى الوطني، لكن بالنسبة لقواعد القانون الدولي هناك حجج مختلفة، ليس كل شيء صوابًا على طول الخط أو خطأ على طول الخط، ولكن هناك مساحة كبيرة جدًّا لتفسير قواعد القانون الدولي بسبب الظروف الاجتماعية السياسية التي وُضعت فيها هذه المواد، بالتالي قراءتها يمكن أن تكون مختلفة قليلًا، هذه تقريبًا العوامل الثلاثة المتصلة بالموضوع، ولكن الآن سأحاول في خلال الـ30 دقيقة القادمة سرد بعض التحديات التي حاولت أخذها من ميادين القتال المختلفة في الشرق الأوسط أو في المنطقة العربية حتى أحدد أبعاد المشكلة التي نواجهها وما هو الوجه الجديد للنزاعات المسلحة الذي يتطلب تغيير شكل القانون أو تفسير القانون بشكل مختلف.

التفسيرات الفضفاضة لقانون اللجوء إلى القوة

أول تحدٍّ سأتحدث عنه اليوم هو ظاهرة ازدياد اللجوء إلى تفسيرات واسعة أو خاطئة لقانون اللجوء إلى القوة لحسم الخصومات السياسية ما بين الدول، أو ما بين الدول والكيانات المسلحة داخل الدولة، قد يكون معروفًا في قواعد القانون الدولي العام أن العلاقات الدبلوماسية هي الملاذ الأول لحسم أي خصومة سياسية ما بين الدول، ولكن للأسف الشديد الحرب هي إعلان لفشل الدبلوماسية الإنسانية ما بين الدول، وهي أيضًا إعلان لفشل النظم السياسية في بعض الدول، عندما يتعثر الفريقان سواء الجماعة المسلحة أو الأفراد أو الشعوب في الوصول إلى حل سياسي، يتطلب الأمر في نهاية أو آخر ملاذ أن يكون لدينا اقتتال أهلي، بالتالي أصبح لدينا أشكال مختلفة من اللجوء إلى القوة داخل منطقة الشرق الأوسط. السؤال البديهي في البداية، وهذا سؤال بعيد عن القانون الدولي الإنساني، هل يجوز للدول استعمال القوة لحسم الخصومات السياسية قِبل دول أخرى؟

طبعًا هنا ميثاق الأمم المتحدة وفقًا للمادة 2 فقرة 4 يجرم استعمال القوة أو حتى التهديد باستعمال القوة ضد سيادة دولة أو سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي، لكن طبعًا المجتمع الدولي فتح مجالًا لاستثناءات في استعمال القوة، الاستثناء الأول وفقًا للمادة 42 التي تجيز لمجلس الأمن وفقًا أو انتفاضةً لفكرة حفظ الأمن والسلم الدوليين أنه يجيز استعمال القوة على إقليم دولة أخرى إذا كان هناك تهديد للأمن والسلم الدوليين، ولكن هنا أيضًا لدينا فشل سياسي، لأنه بالطبع جهاز مجلس الأمن هو جهاز سياسي بامتياز، يتكون من الخمس دول دائمة العضوية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، ولكن للأسف الشديد نعود ثانيةً للوضع الجيوسياسي والتاريخي للمنطقة، ستجد دائمًا حلفاء لبعض هذه الدول داخل منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي كلٌّ منها لديها حق الاعتراض من الدول الخمس.

 بالتالي أي قرار يسمح بتدخل شرعي في استعمال القوة في منطقة الشرق الأوسط، إما أنه يواجه الفيتو الأمريكي، وإما أنه يواجه الفيتو الروسي، وهذا طبعًا امتداد للحرب الباردة وتقسيمة الدول العربية وحلفائها، وأبعاد سياسية أخرى لا يجب الخوض فيها في هذا المجال، فدائمًا يكون لدينا للأسف انسداد سياسي في مجلس الأمن، وبالتالي ليست هناك شرعية في استعمال القوة وفقًا لمجلس الأمن، وذلك لحالة الاستقطاب السياسي داخل منطقة الشرق الأوسط، وداخل أيضًا جهاز مجلس الأمن، إذن الاستثناء الأول في استعمال القوة يفشل فشلًا ذريعًا دائمًا أبدًا، باستثناء حالة واحدة وهي الحالة الليبية في قرار مجلس الأمن 1973 في 2011، عندما سُمح بتدخل حلف الناتو مع ما كان يُطلق عليه آنذاك الجيش الليبي الحر ضد نظام الرئيس الراحل معمر القذافي أو الحكومة الشرعية في ليبيا آنذاك.

بخلاف ذلك لا يوجد أي تحرك لمجلس الأمن لأي أزمة سياسية، تحولت بعد ذلك لنزاع مسلح أو انتهاكات للقانون الدولي الإنساني تُرتكب من أي طرف. الاستثناء الثاني هو الدفاع الشرعي عن النفس، وهنا يأتي محل تفسير قواعد قانون اللجوء إلى القوة، المادة 51 تشترط وجود اعتداء فعلي، يشترط وجود عدوان بالفعل تم ضد الدولة حتى يسمح للدولة الأخرى بأن تتصدى لعدوان الدولة التي اعتدت عليها، في هذه الحالة يجب أن يكون فعل العدوان تم بالفعل، ولكن نحن نرى الآن أن الدول تخرج عن التفسير الضيق للمادة 51 وتفكر في فكرة الهجمات الاستباقية، بمجرد وجود خطر حال وشيك الوقوع من قِبل دولة مجاورة أو من جماعة مسلحة مجاورة موجودة على أرض دولة أخرى، تبدأ الدولة في التفكير في القيام بهجمات عسكرية كي توقف هذا العدوان قبل أن يحدث، وهذا طبعًا مخالف لنص المادة 51، ولكن على الرغم من مخالفته لنص المادة 51 فإن ممارسات الدول، كل دول العالم ومن ضمنها الدول العربية، تسمح الآن بفكرة الضربات الاستباقية، وهذا مثلًا لتطور السلاح، الدولة تقول لن أنتظر حتى تحصل الجماعة المسلحة على سلاح كيماوي وتستخدم السلاح ضدي وتبيد نصف سكاني ثم أبدأ أنا في مهاجمتها.

 بالتالي مع تطور ظاهرة الحرب بدأ يظهر تطور في مفهوم الدفاع الشرعي عن النفس، ولكن مثل كل تطور وكل تفسير يكون هناك انحراف للتفسيرات بعد ذلك، فهناك [مبدأ بوش] The Bush Doctrine وهذه نظرية ثالثة في الدفاع الشرعي عن النفس، وهي نظرية مرفوضة من قِبل أغلب فقهاء القانون الدولي، وهي نظرية الحرب الوقائية، ليس بالضرورة أن يكون هناك خطر حال وشيك الوقوع، ولكن يكفي أن يكون هناك خطر، وهذا هو المبرر الذي استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا في مهاجمة دولة العراق، بمجرد فكر النظام العراقي، لو كان هناك فكر، لوجود أسلحة دمار شامل أو لتصنيع أسلحة دمار شامل، وكانوا هنا يشيرون إلى السلاح الكيماوي، بمجرد وجود هذا الخطر، فأنا كدولة من حقي التحرك دفاعًا عن سيادة دولتي، على الرغم من بعد مئات الآلاف الكيلومترات أو الأميال من دولة العراق.

هنا أكرر،  الظاهرة الأولى هي ظاهرة مرتبطة بقانون اللجوء إلى القوة المنفصل عن القانون الدولي الإنساني، ولكن بالطبع كما تعرفون فاستعمال القوة هو الشرط المبدئي أو الأولي لتفعيل القانون الدولي الإنساني، قالت محكمة نورمبرج إن جريمة العدوان هي الجريمة التي تحوي في أحشائها كل الشرور، بالتالي بدون حرب، بدون اللجوء إلى القوة، ليس هناك تحريك أو تطبيق لقواعد القانون الدولي الإنساني، فيجب أن يكون هناك فصل معرفي أو فكري للجوء إلى القوة والقانون الدولي الإنساني كقانونين منفصلين أو فرعين منفصلين من القانون الدولي العام، ولكنهما وثيقا الصلة في تطبيقات مختلفة من ضمنها ما ذكرته.

تعقيد وتشابك تصنيف النزاعات المسلحة

التحدي الثاني مرتبط بظاهرة تعقيد تصنيف النزاعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط. قد تعرفون أن القانون الدولي الإنساني صنَّف النزاعات المسلحة في شكلين، الشكل الأول نزاعات مسلحة دولية تفترض الحرب الكلاسيكية، دولة تحارب دولة أو دولة تحتل إقليم دولة أخرى سواء كله أو جزءًا منه، ولا يشترط مقاومة الدولة المحتلة، أي أن الشعب المحتل ليس بالضرورة أن يقاوم، مجرد أن تحدث حالة احتلال من دولة لإقليم دولة أخرى، بالتالي ينطبق القانون الدولي الإنساني المعني بالنزاعات المسلحة الدولية، هذا هو النوع الأول وهو حالات النزاعات المسلحة الدولية.

النوع الثاني الموجود في الاتفاقيات والبروتوكول الإضافي الثاني يتطلب وجود قوات مسلحة نظامية، تحارب جماعات مسلحة منظمة ولديها القدرة على القيام بعمليات عسكرية متواصلة ومنسقة، وهذا ما يُطلق عليه نزاع مسلح غير دولي، حكومة تحارب جماعة مسلحة أو جماعتان مسلحتان تحارب بعضها البعض، هذه هي الحالات الموجودة في الاتفاقيات سواء 1949 والتي تمت مراجعتها عام 1977.

لنلقي نظرة على بعض النزاعات المسلحة دون تسمية دول لنحتفظ بمبدأ الحياد والسرية، كل النزاعات المسلحة الموجودة في الشرق الأوسط الآن تبدأ في شكل نزاع مسلح غير دولي، مرة أخرى الفشل السياسي أو الدبلوماسي أو مطامع بعض الجماعات المسلحة أو فئة من فئات الشعب أيًّا ما كان السبب، السبب غير ذي صلة بالنسبة لقراءة القانون الدولي الإنساني ولكن الفكرة في الشكل الواقعي الذي يتكون أمامنا، الدولة تحارب مجموعة من الأفراد شكلوا تنظيمًا، وهذا التنظيم أصبح اسمه جماعة مسلحة بمجرد قدرته على القيام بعمليات عسكرية متواصلة ومنسقة، هنا الجماعات المسلحة أو الجماعة المسلحة أيًّا ما كان عددها تحتاج إلى دعم خارجي حتى تستمر في العمليات القتالية، هنا هل يظل النزاع نزاعًا مسلحًا غير دولي أم أنه يتحول إلى نزاع مسلح دولي؟ حسب الدعم المقدم من الدول الخارجية، الدول لديها مصالح، سواء هي دول موجودة في المنطقة العربية أو دول خارج المنطقة العربية، وهذا نموذج من نماذج الحروب بالوكالة، يكون هناك دعم من الدول الخارجية، وهنا أستطيع تحديد إذا كان هناك نزاع مسلح دولي أم أن النزاع ما زال يعد نزاعًا مسلحًا غير دولي حسب نوع الدعم.

محكمة نيكاراغوا حسمت هذا الأمر وقالت إن المد بالسلاح أو الدعم بالسلاح والإمدادات والاستخبارات لا يشكل تدويلًا للنزاع المسلح، يجب أن تكون هناك سيطرة فعلية من قِبل الدول الداعمة على تلك الجماعة المسلحة.

في محكمة يوغوسلافيا لمحاكمة مجرمي الحرب، في قضية تاديتش، بدأ المعيار يعلو وحاولت عمل معيار آخر يُسمى السيطرة الكاملة، أنا أحاول هنا أن أفتح مجالات للبحث، يتطلب الأمر قراءات واسعة جدًّا لفقرات كثيرة جدًّا من أحكام محكمة العدل الدولية أو محكمة يوغوسلافيا، ونحن يمكننا أن نمدكم بالمصادر على جروب رحالة القانون الدولي الإنساني، هنا نجد أن الإشكالية أن الجماعات المسلحة غير الحكومية تتلقى دعمًا من دول خارجية، وهذه هي أغلب السيناريوهات الموجودة في الشرق الأوسط، وهنا لكي تصمد الدولة أمام جماعات مسلحة يتم إمدادها بالعتاد من دول متقدمة أو غنية أو أيًّا ما كان، فيجب أن تُطالَب بدعم تحالفات خارجية، بالتالي يكون لدينا شكل هجين عبارة عن تحالفات عسكرية تدعم حكومة الدولة الشرعية ضد مجموعة من الجماعات المسلحة المدعومة من دول مختلفة، ما هو تصنيف ذلك النزاع؟ وتصنيف النزاع ليس بالرفاهية الفكرية، تصنيف النزاع يعد أهم شيء بالنسبة لأي قانوني متخصص في القانون الدولي الإنساني، لأنه بدون تصنيف النزاع لن تعرف أي قانون يجب تطبيقه في هذه الأزمة أو هذا النزاع.

 بالتالي لو لديك حالة اضطرابات أو توترات داخلية لم ترتقِ أو لم تدنُ إلى نزاع مسلح فيكون القانون الوطني والقانون الدولي لحقوق الإنسان هو المنطبق، أما في حالة النزاع المسلح غير الدولي فتنطبق المادة 3 المشتركة والبروتوكول الإضافي الثاني، وفي حالة النزاع المسلح الدولي كل اتفاقيات جنيف واتفاقيات الأسلحة والقانون الدولي العرفي، وأغلب الشرعية الدولية للقانون الدولي الإنساني تنطبق في حالة النزاع المسلح الدولي. إذن التحدي الثاني بالنسبة لنا هو تعقيد وتشابك مشهد تصنيف النزاعات بالنسبة لأي شخص متخصص أو قانوني متخصص في القانون الدولي الإنساني.

الدمار في حلب، 2015. رويترز

الحرب في المدن

التحدي الثالث مرتبط بمسرح العمليات نفسه وهو الحرب داخل المدن، لو تتذكرون كتاب «تذكار سولفرينو» الذي أسس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تأسست بناءً عليه وتأسست أول اتفاقية من اتفاقيات جنيف، كان هنري دونان يتحدث عن مشهد عاطفي ما بين 300 ألف مقاتل يقفون وجهًا إلى وجه على شريط حدودي، كأنهم ينتظرون صافرة الحكم ليبدأوا النزاع. هذا المشهد اختفى تمامًا الآن من النزاعات المسلحة الحالية، حتى في الحرب العالمية الثانية عام 1945 لم تكن هناك اتفاقية تحمي المدنيين إلا بعد الحرب العالمية الثانية التي انتهت 1945، وفي عام 1949 أصبح لدينا اتفاقية جنيف التي تحمي المدنيين، لم يكن متصورًا بالنسبة للمشرع الدولي أن الحرب ستنتقل بعد تطور سلاح الطيران إلى داخل المدن السكنية.

الآن لو نظرنا للحروب الموجودة في الشرق الأوسط، انظر إلى المشهد في غزة الذي امتد لسنوات، انظر إلى المشهد في ليبيا، في أي جزء في ليبيا، انظر للمشهد في الموصل قبل التحرير، انظر للمشهد في حلب أثناء الأزمة أو أثناء النزاع، كل هذه المشاهد ستجد فيها أن الحرب داخل المدن والمناطق السكنية المكتظة بالسكان المدنيين. القانون الدولي الإنساني هنا لم يحاول التعرض لهذا التحدي الجديد، القانون الدولي الإنساني مبني على فكرة التمييز ما بين المدني والمقاتل، هنا ستجد استحالة تطبيقية أو واقعية في تطبيق القانون، لأن في المناطق المكتظة بالسكان أو المدنيين ستجد أفراد الجماعات المسلحة موجودين بين السكان، وهنا فكرة تُسمى intermingling، وستجد الهدف العسكري قريبًا جدًّا من العين المدنية، في هاتين الحالتين من المستحيل أن تطلب من المقاتل أن يميز بين المدني والمقاتل لأن المشهد مختلط جدًّا، قد تجد مبنى سكنيًّا في الطابق الثالث منه أفراد من الجماعات المسلحة، وفي الطابق الأول والثاني والرابع والخامس يعيش مدنيون، ففي هذه الحالة ما نوع السلاح الذي سيستهدف طابقًا واحدًا ويحافظ على باقي الطوابق وأرواح باقي المدنيين؟ وهذا شكل متكرر جدًّا، لذلك ونحن نتحدث عن العامل الموضوعي الذي يعقد هذا القانون أو تطبيقه، هي فكرة أن السلوك الإجرامي صعب جدًّا وصفه، من الصعب جدًّا أن تحدد إذا كان هناك ارتكاب جرم وفقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني أم لا.

هذه هي الفكرة الأولى، الفكرة الثانية هناك غموض في مصطلحات الاتفاقيات في فكرة الأضرار الجانبية، فكرة الخسائر البشرية، فكرة الخسائر المادية التي تصيب المباني، طبعًا تعرفون مبدأ التناسب الذي يطلب من المقاتل أن يوازن ما بين الضرورة العسكرية أو الميزة العسكرية التي ستتحقق من جراء العمل العسكري والخسائر البشرية والمادية التي يمكن أن تلحق بالخصم أو بالأعيان المدنية المملوكة للعدو، في هذه الحالة هل أستطيع القول إن دبابة تساوي مسجدًا مثلًا؟ هل عشرة مقاتلين مساوون لعشرة مدنيين؟ ولو كان المقاتلون والمدنيون متجاورين، هل أستهدف مع علمي أنه قد أقتل عشرة مدنيين معهم؟ هل الميزة العسكرية أعلى من الخسائر البشرية والخسائر المادية؟ إذا كانت الإجابة نعم فلماذا؟ ولو الإجابة لا فلماذا؟ ولو كانوا أربعة مدنيين وعشرة مقاتلين أو أربعة مقاتلين وعشرة مدنيين، من يحدد الخط الفاصل؟

القانون في هذه الحالة يقول قاضي محكمة الموضوع، ولكن في النهاية أنا أفكر في القانون بشكل واقعي، يجب أن أتحدث للجندي البسيط وأفهمه لأنه ليس كل الجنود سيفهمون هذا التوازن الدقيق – إذا كان هناك توازن – إذا استطعت شرحه، سأتمكن من شرحه لشخص على مستوى معين وعالٍ من التعليم، ولكن أغلب المجندين في صفوف الجيوش العربية ليسوا كلهم متعلمين، أنا أتحدث هنا عن الجنود وليس الضباط، القوة القاتلة أو الضاربة لأغلب الجيوش العربية، في هذه الحالة هناك تعقيدات كثيرة جدًّا، ونحن بحاجة أن نراجع ونفكر كيف سنتغلب على هذه التحديات في المستقبل، ونحن هنا نتحدث كشركاء في الرحلة التي تحدثنا عنها كرحالة في القانون الدولي الإنساني، كيف نستطيع تطوير القانون بحيث يكون قابلًا للتطبيق.

البروفيسور ماركو ساسولي رئيس أكاديمية جنيف يقول القواعد غير الواقعية لا تحمي أشخاصًا على الإطلاق، لذلك يجب علينا التفكير كيف نقوم بتحديث القانون أو نفسره بشكل واقعي كي يكون قابلًا للتطبيق. فكرة أخرى في الحرب داخل المدن، ازدياد فكرة الدروع البشرية، يكون هناك سكان موجودون تحت سيطرة جماعات مسلحة لأن الجماعات المسلحة لديها سلاح، بالتالي قد تستخدم الجماعة المسلحة دروعًا بشرية لحماية أنفسهم، هل أنا الآن كخصم أستهدف المقاتل أو الهدف العسكري وأستهدف أيضًا المدنيين الموجودين معه؟ على حسب، هل المدني رهينة أم متطوع أن يقف بجانبه، إذا كان متطوعًا أن يقف بجانبه، بالتالي من حقك استهداف هذا المدني الذي قال سأحمي الجماعة المسلحة بجسدي، في هذه الحالة يعد مشاركًا مشاركة مباشرة في العمليات العدائية، أما لو كان رهينة، في هذه الحالة يجب أن تدخله في حسبة الخسائر البشرية إذا كنت قد نويت أن تستهدف أو تعيد النظر في العملية العسكرية، إذا كانت الميزة العسكرية ليست بالكبيرة، وهنا نعود مرة أخرى لغموض المفاهيم وكيف ستعرِّف الميزة العسكرية وفكرة الأضرار الجانبية.

انتشار الجماعات المسلحة من غير الدول

الإشكالية الرابعة وهي انتشار مرعب لفكرة الجماعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط، هناك تقرير أصدرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر يفيد أنه في آخر سبع سنوات ظهرت جماعات مسلحة أكثر من التي ظهرت في آخر 70 عامًا، لقد سمعت تقريرًا في نيويورك على لسان مدير العمليات باللجنة الدولية للصليب الأحمر، كان يتحدث عن أن «تعز» بها 39 جماعة مسلحة، نفس الموضوع بالنسبة لشمال شرق سوريا وخلافه، أيًّا ما كانت هذه الجماعات المسلحة تُسمى إرهابية، هل أنت متفق معها أم لا، هذا موضوع آخر ليس بموضوعنا الآن، ولكني أتحدث أنه الآن أصبح هناك انتشار لظاهرة الجماعات المسلحة.

أول سؤال يُوجه للجنة الدولية للصليب الأحمر: ماذا تفعلون معهم؟ هل من حقك التواصل مع الجماعات المسلحة؟ نعم بالطبع وفقًا للمادة 3 المشتركة من حقي التواصل مع الجماعة المسلحة كي أطبق القانون الدولي الإنساني، يجب على هذا الجندي، هذا المحارب، هذا الشخص الذي يشارك مشاركة مباشرة في العمليات العدائية، أيًّا ما كان موقفه أو أيديولوجيته، أن أحاول التواصل معه كي أوصل له المعنى الموجود في القانون الدولي الإنساني وإلا يكون من الصعب أن أطالبه باحترامه لأنه لا يعرفه، والإنسان عدو ما يجهل، وبالتالي عليَّ التزام كلجنة دولية للصليب الأحمر، على الأقل، أن أعرض خدماتي، وهذا الأمر يتطلب مني أن أتواصل عن طريق الدولة صاحبة السيادة التي تتواجد الجماعة المسلحة على أراضيها، وذلك وفقًا للقانون الدولي، هل تعتقدون أن موضوع السماح بفكرة الوصول للجماعات المسلحة أمر سهل؟ هل في المفاوضات ما بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر والدول هو شيء يُعد مقبولًا؟

بالطبع هناك صعوبات كثيرة جدًّا تواجهنا، أزمات ثقة بيننا وبين حكومات كثيرة، على الرغم من أن الثقة بيننا وبين الحكومات تعد على مستوى عالٍ مقارنةً بمنظمات دولية أخرى، لكن لا أستطيع القول إن الثقة اكتملت بشكل يجعلهم يوافقون على أن نتواصل مع الجماعات المسلحة بسهولة، لكن هناك حالات طبعًا يسمحون لنا بها، لنفرض أن الدولة سمحت لنا بالتواصل، وتواصلنا مع الجماعة المسلحة، أي خطاب سأستخدمه معها؟ هل أخبره أن المادة 55 من البروتوكول الإضافي الأول تنص على أن مبدأ التناسب كذا وكذا؟ أو مبدأ التمييز كذا وكذا؟ مع نوعية الجماعات المسلحة الموجودة في منطقة الشرق الأوسط أيديولوجيتها ضد فكرة القانون الدولي نفسه، وأيضًا ضد فكرة الدولة، بالتالي صعب جدًّا أن تخبره أنه وفقًا للاتفاق الذي صادقت عليه دولتك التي تعد أنت عدوها، أنا أخبرك أن هذه هي المادة التي تنطبق عليك وبالتالي أنت ملزم بها.

 لذلك بدأنا منذ أوائل التسعينيات أو أواخر الثمانينيات عمل مقاربات بين القانون الدولي العام أو القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية، في محاولةً للوصول إلى نقطة اتصال بيننا وبين هذه الجماعات، في محاولة منا أن نقنعهم باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ولكن هذا الأمر أيضًا به تحديات كثيرة جدًّا، ما هي الموارد البشرية الموجودة لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر أو الخبرات التي تسمح لها أن تدخل في هذا النوع من الدراسات؟ لدينا بالطبع مستشار قانوني إسلامي معني بهذه المقاربات، ولكن ما زال لدينا شوط طويل جدًّا، وهي تجربة اجتماعية يُتطلب للحكم عليها عشرات السنوات بنجاحها أو فشلها، سنعرف إذا كنا استطعنا إقناع جماعات مسلحة بالالتزام وفقًا لهذا النهج الذي تحاول من خلاله أن توصل الفكرة.

هذه أول إشكالية، مشكلة الوصول للجماعات المسلحة، المشكلة الثانية نوع الخطاب المستخدم، المشكلة الثالثة مَن من الجماعات المسلحة يُعد هدفًا بالنسبة للقوات المسلحة النظامية، ومَن يُعد مدنيًّا أو شخصًا لا يشارك مشاركة مباشرة في العمليات العدائية، تحدثنا عن المشهد ويجب ربط كل التحديات ببعض، تحدثنا عن مشهد وجود الحروب أو النزاعات المسلحة داخل المدن، بالتالي من الصعب التمييز بين المدني والمقاتل، الخبازة الموجودة لدى الجماعات المسلحة التي بدون هذه المرأة لم تكن الجماعة المسلحة تستطيع أن تأكل وتستمر في العملية العسكرية، هل هذه السيدة تشارك مشاركة مباشرة في العمليات العدائية؟

وفقًا للدراسة التي أجرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر تتحدث عن مفهوم المشاركة المباشرة في العمليات العدائية، مَن الشخص من الجماعات المسلحة الذي يُعد مشاركًا مشاركة مباشرة في العمليات العدائية؟ هل الأجنحة الطبية لجماعات مسلحة تقليدية موجودة معروفة، لن نتطرق لنموذج تنظيم الدولة الإسلامية لأنه يثير عواطف كثيرة ويجعل حكمنا صعبًا جدًّا على الأمور، لكن لو نظرنا إلى حركة تقليدية أو جماعة مسلحة تقليدية مثل حركة حماس، ستجد أن كتائب القسام بلا جدال كل أفرادها يشاركون مشاركة مباشرة في العمليات العدائية، لكن الجناح الطبي في حركة حماس أو الجناح السياسي هل يعدون مقاتلين؟ ولو قسنا هذا الموضوع على تنظيم الدولة الإسلامية أو تنظيم القاعدة، لو لديهم جناح طبي هل يجوز استهدافه أم لا؟ وهل ستقبل الدول أن تقول أن من ضمن هذه الجماعات هناك أفراد لا يشاركون مشاركة مباشرة في العمليات العدائية؟ معيار المشاركة المباشرة في العمليات العدائية يحسم أمرًا واحدًا، إما أستهدفه للقتل، إذا كان لا يشارك مشاركة مباشرة في العمليات العدائية فمن حقي القبض عليه، لكن ليس من حقي أن أستهدفه للقتل، وهذا هو الفارق بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وهذا إطار آخر به تعقيد كبير جدًّا، وسنسرد محاضرة كاملة للعلاقة المركبة جدًّا خاصةً في النزاعات المسلحة غير الدولية ما بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

انتشار ظاهرة الإرهاب

التحدي الخامس هو انتشار ظاهرة الإرهاب والتزايد في وصف بعض الجماعات والأفراد بصفة الإرهاب على الرغم من عدم وجود ضوابط قانونية على المستوى الدولي، هناك طبعًا قوانين وطنية لبعض الدول حددت هذا الموضوع بمنتهى الوضوح، وبالتالي تسهل الأمر قليلًا لأن هناك ضابطًا قانونيًّا، لكن مشكلة الإرهاب عندما يظهر داخل نزاع مسلح، طبعًا تعرفون أنه ليس هناك ما يُسمى جريمة الإرهاب على المستوى الدولي، أي ليس هناك تعريف لجريمة الإرهاب، ولكن هناك بعض الاتفاقيات التي تشكل أو تحدد سلوكيات إجرامية معينة بأنها سلوكيات إرهابية.

حاول المجتمع الدولي أن يضع تعريفًا لجريمة الإرهاب، لكنه فشل بسبب الاستقطاب السياسي ما بين الكتلة الغربية ودول عدم الانحياز أو الـ77 من ضمنهم الدول العربية، الذين أرادوا استثناء الشعب الفلسطيني، مقاتلين أحرارًا يحاولون الدفاع ضد النظام الاستعماري أو الاحتلال الأجنبي، ولكن الدول الغربية كانت تريد تحديد أن كل شخص من الجماعات المسلحة حتى لو كانت مجموعة أفراد يطالبون بحقوقهم فهم أيضًا يعدون جماعات إرهابية، حدث هذا الـdebate وظل إلى نهاية التسعينيات وحتى 2001، في 2001 كانت هناك فرصة على طبق من ذهب للرئيس الأمريكي جورج بوش بعد أحداث 11 سبتمبر، وقف المجتمع الدولي كي يطلب من كل الدول أن تجرم ما يُسمى بالإرهاب بدون أن يعرف ما هو الإرهاب، القرار الذي صدر في 12 سبتمبر برقم 1368، وفي القرار 1373 أي بعدها بأسبوعين في 28 سبتمبر تحديدًا، أصدر مجلس الأمن مجموعة من القرارات من ضمنها قرار يشكل لجنة مكافحة الإرهاب، التي أصبحت معنية بتحديد من هو الإرهابي، ومن هي الجماعة الإرهابية، ثم جرَّم في بند ثالث أي وحدة أو أي مؤسسة تقدم دعمًا ماديًّا للجماعات الإرهابية.

مشكلتي كلجنة دولية للصليب الأحمر في هذا الموضوع تحديدًا أنه بمنتهى السهولة، وأنا آسف أنني أستخدم هنا مثال حركة حماس لأنه هو المثال الأكثر شيوعًا وقبولًا في منطقة الشرق الأوسط، وأنا كلجنة دولية موجود على الأراضي الفلسطينية والأراضي الإسرائيلية، يخبرني أن جماعة حماس تعد جماعة إرهابية وأي دعم مادي للجماعة يُعد سلوكًا إرهابيًّا، أنا الآن يجب أن أقدم له دعمًا طبيًّا، والدعم الطبي دعم مادي، وهذا دوري وفقًا لاتفاقيات القانون الدولي الإنساني، بالتالي يأتي بطبقة جديدة في القانون الدولي العام وهي قواعد مكافحة الإرهاب، ويحاول أن يسلب من الجماعات أو المنظمات الإنسانية حقها في تقديم المساعدات الطبية والمساعدات الإنسانية لأنه قرر لأسباب هو وحده يعرفها، يحاول أن يشاركنا في بعضها ولكن صعب جدًّا عملية الـdelisting أو أن تُخرج جماعة بعد أن صُنفت أنها جماعة إرهابية، وهذا بالطبع موضوع معقد جدًّا متصل بفرع آخر من أفرع القانون الدولي العام.

إذن لدينا إشكالية الآن في القيام بعملنا في مناطق كثيرة جدًّا لأن طرفًا من أطراف النزاع المسلح تُسمى أنها جماعة إرهابية، وبالتالي تشيطن الجماعة كلها وتُحرم من بعض الحقوق المتصلة بالقانون الدولي الإنساني، وهذه بالنسبة لنا إشكالية كبيرة جدًّا، وبدأنا نحاول مع مجلس الأمن أخذ استثناءات حتى نستطيع إيصال رسالتنا وإيصال الدعم الإنساني المطلوب منا.

انتشار التحالفات العسكرية

هناك تحدٍّ سادس وهو انتشار التحالفات العسكرية، وهذا أمر به إشكاليات كبيرة جدًّا متصلة بالحوار مع أطراف النزاع، للأسف بعض التحالفات تكون ظاهرة وأدوارها محددة، ولكن هناك تحالفات أخرى كثيرة جدًّا مثل تحالف الناتو الذي شارك في ليبيا في 2011، كانت هناك صعوبات في معرفة الجنود الذين شاركوا في هذه العملية الحربية، لأنه في النهاية في القانون الدولي الإنساني تريد الوصول إلى المسؤولية الجنائية الفردية، فتريد الوصول إلى مَن هو مرتكب الجرم أو مَن الشخص الذي يجب أن أتحاور معه حتى أعرف أنا كلجنة دولية للصليب الأحمر لديَّ ضوء أخضر كي أتحرك على الأرض أم لا؟ أنا لا أقوم بعمليات انتحارية، يجب أن أحصل على الضوء الأخضر من أطراف النزاع، بالتالي لا تعرف من مسؤول عن ماذا داخل النزاع المسلح، وهذه بالنسبة لنا إشكالية كبيرة جدًّا.

انتشار الأسلحة المتطورة والحديثة

التحدي السابع وقبل الأخير هو انتشار الأسلحة المتطورة والحديثة، وطبعًا هذا سيفرد له موضوع كامل في محاضرات القانون الدولي الإنساني على جروب الرحالة، سنتكلم عن مدى مشروعية استخدام الأسلحة الحديثة، الطائرات بلا طيار، هل يجوز استخدامها أم لا، وهل هي قادرة على تنفيذ المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، مبدأ التمييز ومبدأ التناسب، أم أن هناك فكرة تحكُّم آلي، وقتها لا يستطيع الشخص الموجود في وحدة التحكم أن يغير قراره الذي يحدث في ميدان القتال، وفكرة الحروب السيبرانية، وقد رأيت قبل بداية المحاضرة الدكتور أحمد الفتلاوي وهو من الخبراء القليلين جدًّا في المجتمع العربي الذي لديه خبرة في فكرة الحروب السيبرانية وهذا أيضًا سنفرد له محاضرة خاصة.

ضعف الآليات العقابية

ونأتي للتحدي الأخير وهو  ضعف الآليات العقابية، للأسف الشديد في المنطقة العربية قوانين محدودة جدًّا جدًّا التي تغطي جرائم الحرب أو انتهاكات القانون الدولي الإنساني، نستطيع عدها على الأصابع، رأيت كذلك العميد منصور المنصور الذي أصدر آخر قانون للجرائم الدولية، قانون رائع كامل ومتكامل، وهو طبعًا نائب رئيس اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني في مملكة البحرين، قانون رائع سنشاركه معكم – إن شاء الله – قريبًا مصحوب بقانون آخر صدر في الآونة الأخيرة لحماية شارات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في النزاع المسلح، قواعد قانونية تعطي اختصاصًا للمحاكم الوطنية أن تحاكم الأشخاص الذين ارتكبوا تلك الجرائم، للأسف لدينا عدد محدود، البحرين، الإمارات العربية المتحدة، الأردن والسودان، هذه هي المحاكم الأربع التي لديها تشريعات وطنية تستطيع أن تحرك دعاوى ضد أشخاص ارتكبوا جرائم حرب سواء على أراضيهم أو في أراضي دولة أخرى.

بالنسبة للمحاكم الدولية، طبعًا بالنسبة لباقي الدول العربية هناك فراغ تشريعي وفقًا لمبدأ التكاملية ولو تدخلت محكمة جنائية دولية تستطيع القول أنه بحكم عدم وجود نص أو تشريع يستطيع القول أنك غير قادر على محاكمة أشخاص أو متهمين لديك، ويكون للمحكمة الجنائية الدولية الاختصاص في المحاكمة، وأنا لا أقول إن المحكمة الجنائية الدولية شيء معيب، ولكن في النهاية سيادة دولتك، حقك في التقاضي أمام قاضيك الطبيعي هو أولوية بالنسبة لأي مواطن، حقك أن تأخذ حق المواطنين الذين تم الاعتداء عليهم على أراضيك عن طريق أن تحاكم العدو على أرضك أمام المحكمة الوطنية، هذا أقصى درجات الشرف التي يمكن أن تصل إليها دولة سيادة القانون.

الخاتمة

في النهاية بعد كل هذه التحديات، أحب دائمًا أن أنهي بجملة فلسفية قالها الفيلسوف إدموند بيرك على هذا النسق، قال إن كل ما يحتاجه الشر ألا ينتصر هو ألا يفعل الأخيار شيئًا على الإطلاق، أنا أحسب كل حضراتكم من الأخيار، وعلى كل شخص حريص على تطبيق القانون الدولي الإنساني أن يحاول معرفة التحديات قبل أن يعرف النجاحات للقانون الدولي الإنساني، لأن ما يخصنا الآن أنه إذا ما استطعنا نحن كعرب أن نرى هذا القانون يطبق ستكون خسارتنا أكبر بكثير وخسارة أهلنا عن الحماية التي يمكننا تقديمها لهم ستكون أكبر بكثير، أشكركم على حسن استماعكم.

الأسئلة

استنادًا لمبدأ الضرورة العسكرية، هل يجوز الاستناد على مبادئ القانون الدولي الإنساني جنائيًّا ضد أطراف النزاع؟

هناك التزام على كل طرف متحارب أن يبتعد بمنشآته العسكرية أو أهدافه العسكرية بعيدًا عن المدنيين، طبعًا استخدام الدروع البشرية أو التذرع بقيام أو تأسيس منشآت عسكرية بجانب الأعيان المدنية في حد ذاته، طبعًا هذا بهدف حماية نفسه من الاستهداف من الخصم، في هذه الحالة تُعد جريمة حرب، وهذه فكرة الدروع البشرية تحديدًا، إذن لو استخدمت مدنيين هذه جريمة الدروع البشرية، إذا استخدمت أعيانًا أنا أخالف نص المادة التي تنص على الابتعاد عن الأماكن المحمية وفقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، في جميع الأحوال هو يرتكب انتهاكًا لقواعد القانون الدولي الإنساني.

هل هناك فرق بين التحديات الخاصة بالمنظمات الإنسانية وتحديات القانون الدولي الإنساني؟ كان هناك استفسار هل دكتور عمر يطرح التحديات الخاصة بالمنظمات الإنسانية أم تحديات القانون الدولي الإنساني. فهل هناك تداخل بين الاثنتين؟
طبعًا هناك تداخل بين الاثنتين، نحن نتحدث هنا عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأنا أتحدث بصفتي المنسق الإقليمي للجنة الدولية للصليب الأحمر، نتحدث عن تحديات القانون الدولي الإنساني من ضمنها ما ذكرناه سواء تصنيف النزاعات، هو ليس تحديًا بالنسبة للجنة الدولية للصليب الأحمر وتحدٍّ بالنسبة لأي جيش منخرط في نزاع مسلح، لأن تصنيفي للنزاع هو تصنيف اختياري أقوم به كي أعرف نوع العمليات التي سأقدمها أو نوع العروض أو الخدمات التي سأقدمها في النزاع المسلح، لكن هو بالطبع تحدٍّ بالنسبة لكافة أطراف النزاع وكل البشر.

نفس الأمر بالنسبة لظاهرة الجماعات المسلحة، داخل ظاهرة الجماعات المسلحة تكلمت عن جزء متصل بتحدٍّ بالنسبة للمنظمات الدولية في إدخال مساعدات إنسانية، وهنا أتكلم من منظورنا، ولكن أيضًا من منظور الدول، لكن لا تنس أن التزام تقديم المساعدات الإنسانية هو التزام على الدول أقوم أنا به بصفة اختيارية لأن الدولة قد ترى أنني أنسب، لأنني أكثر حيادًا لكي أصل للطرف الآخر الذي يرى الدولة كعدو، وبالتالي أنا أقوم بخدمة إنسانية أسندها لي المجتمع الدولي، هذا قانون دولي إنساني وليس فقط مرتبطًا بالمنظمة الإنسانية، هو مرتبط بأطراف النزاع والفئات المحمية الذي في النهاية هو همي وهم الدولة وهم من سأل السؤال أن نوفر لهم الحماية في النهاية، فهناك طبعًا تداخل بين دور المنظمات الإنسانية التي تلاقي تحديات، وهذه بعض الإشارات التي أشرت إليها في التحديات الثمانية المتصلة بالمنظمات الدولية، ولكن الأكثر هو متصل بتحديات القانون بالنسبة للدول التي هي أشخاص القانون الدولي العام.

مطلوب توضيح في هذا الجزء، أشرت إلى الحق بالقتل في النزاعات المسلحة غير الدولية، وهو موضوع محل تفصيل وغير مقرر بالقانون الدولي الإنساني.

فكرة الحق في القتل طبعًا أنا أحاول بقدر الإمكان ألا أتحدث بها بالتفصيل، لأن بها إشكاليات كثيرة جدًّا، القانون الدولي الإنساني لا يجيز القتل ولكن لا يجرمه، هو صراع فلسفي، القانون الدولي لحقوق الإنسان مثلًا لا يسمح بالقتل إلا كملاذ أخير بعد استنفاد كل الطرق الأخرى، فالموضوع بالنسبة لنا في القانون الدولي لحقوق الإنسان واضح وصريح.

يأتي القانون الدولي الإنساني في زمن النزاعات المسلحة يقول بما أنه ارتقت فئة الأشخاص الذين أصبحوا على قدر معين من التنظيم وقدرة معينة على القيام بعمليات عسكرية منسقة ارتقت من فكرة الأفراد الخاضعين للدولة بعلاقة رأسية ما بينهم وما بين دولتهم، هذه علاقة القانون الدولي لحقوق الإنسان، لفكرة العدو، هنا لا يوجد تجريم للقتل وفقًا للقانون الدولي الإنساني، الناس الذين هم مع أن القانون الدولي الإنساني يبيح القتل ما بين المقاتلين أو ما بين المقاتل والشخص الذي يشارك في العمليات العدائية مشاركة مباشرة، من يقولون إن القتل مباح يقولون إن القانون الدولي الإنساني يتحول إلى القانون الأكثر تخصصًا، بالتالي يوقف القانون الدولي لحقوق الإنسان ويصبح هو القانون النافذ، وبالتالي ما دام ليس هناك تجريم للقتل يكون القتل مباحًا، فهي نظريات مختلفة وكثيرة جدًّا، لذلك لم أتكلم عنها بالتفصيل ولكن أعدكم أنه ستكون هناك محاضرة كاملة للتحدث عن هذه العلاقة المتشابكة جدًّا، وشكرًا على هذا السؤال لأنه في غاية الأهمية.

سؤال آخر عن الجماعات المسلحة، عندما تكون الجماعات المسلحة تابعة لدولة أخرى غير الدولة التي بها النزاع المسلح الداخلي أو النزاع المسلح غير الدولي، كيف تتم مقاضاة هذه المجموعة؟ وهل يُنظر إلى جنسيتهم؟

أيًّا ما كان معيار الجنسية، سنعتبرهم مقاتلين أجانب، في هذه الحالة الشخص الذي يرتكب جريمة على أرض الدولة يعاقب كأنه مواطن لدى الدولة، الفرنسي أو الألماني أو النمساوي الذي يتم القبض عليه في العراق أو سورية يُحاكم أمام المحاكم الوطنية العراقية والسورية وفقًا للقانون العراقي والقانون السوري، إذا كان لديهم قوانين تجرم انتهاكات القانون الدولي الإنساني، إذن معيار الجنسية ليس له علاقة في هذا الموضوع.

هل ينطبق القانون الدولي الإنساني ويمتد على أراضي الدولة التي تتدخل بالنزاع وتساعد دولة أخرى عسكريًّا بعيدة عنها ضد الجماعات المسلحة؟

طبعًا، ما دامت الدولة منخرطة في النزاع المسلح ينطبق عليها القانون الدولي الإنساني، وهنا ثار موضوع فكرة التطبيق الجغرافي للقانون الدولي الإنساني، هناك تقريران صادران عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 2015 و2019 تطرقا لهذا الموضوع، لأن مثلًا فرنسا تدعم ليبيا أو العراق في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية، في هذه الحالة فرنسا تكون طرفًا في النزاع المسلح، الوضع في العراق يُعد نزاعًا مسلحًا، بالتالي القانون الدولي الإنساني منطبق، وفي فرنسا هل يعد القانون الدولي الإنساني منطبقًا؟ نظرة اللجنة الدولية للصليب الأحمر: نعم ينطبق القانون الدولي الإنساني في فرنسا، لو وُجد شخص في تنظيم الدولة الإسلامية في فرنسا يجوز استهدافه للقتل وفقًا لنظرية القانون الأكثر تخصصًا، يسمح للقوات المسلحة النظامية الفرنسية أن تستهدف أفراد الجماعات المسلحة التابعة لذلك النزاع حتى لو في باريس.

هل يجوز تصنيف النزاع بطريقة مزدوجة؟

طبعًا لأن أطراف النزاع علاقاتهم مختلفة، فلو أخذنا مثال السيناريو الذي تحدثنا عنه، السيناريو المعقد، تكون هناك علاقة نزاع مسلح غير دولي ما بين الجماعة المسلحة والحكومة في الدولة، ونزاع مسلح دولي ما بين الدولة ودولة أخرى تهاجم الدولة، فلو قلنا الجماعة المسلحة والحكومة في أي دولة يمكن اعتباره نزاعًا مسلحًا غير دولي، ولو أتت دولة أخرى ليس لها علاقة بالجماعة المسلحة وتحارب الحكومة نفسها، في هذه الحالة هناك نزاع مسلح دولي مع الدولة الخارجية، ونزاع مسلح غير دولي ما بين الجماعة المسلحة والدولة، فكرة التصنيف المزدوج هي فكرة متبعة حتى من محكمة يوغوسلافيا، والمحكمة الجنائية الدولية حاليًّا اتبعت أيضًا فكرة التصنيف المزدوج، هذا شيء طبيعي جدًّا لأن العلاقات تختلف.

هل هناك جهود لإضافة تصنيفات أخرى للنزاعات؟

في الحقيقة لا توجد جهود حتى الآن، ومحاولات أن تظهر فكرة النزاع المسلح المدول باءت بالفشل بأحكام محاكم، أي النزاع المسلح غير دولي ثم تكون هناك أطراف دولية، فبالتالي يُسمى نزاعًا مسلحًا مدولًا، بالتالي القانون الدولي الإنساني يحاول تفسير القواعد الموجودة كما هي عن طريق تعليقات على المواد الموجودة في اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية، وهي محاولات وهو ما نقوم به حاليًّا على الصعيد الأكاديمي، أن نفكر في القانون الدولي الإنساني في ضوء الوقائع والنزاعات المسلحة الحالية، ونضيف ونحاول جعل الدول تقبل تفسيرات جديدة لقواعد القانون الدولي الإنساني، لأننا وجدنا أن هناك صعوبة بالغة في إقناع الدول أن تصادق على اتفاقيات أخرى أو أن تحدِّث الاتفاقيات القديمة.

من وجهة نظر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في متى يكون النزاع مدولًا؟

لا توجد فئة جديدة تُسمى نزاعًا مسلحًا مدولًا، والنزاع المسلح إما دولي أو غير دولي، والنزاع المسلح المدول لو تم تدويله بالفعل أصبح نزاعًا مسلحًا دوليًّا ينطبق عليه كل قواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بالنزاعات المسلحة الدولية، وهذا إذا ما ثبت أن الجماعة المسلحة تلقت دعمًا أو هناك سيطرة فعلية أو سيطرة كاملة على حسب النهج الذي ستتبناه المحكمة التي تنظر في الموضوع، سواء محكمة وطنية أو دولية.

هناك سؤال عن اتفاقيات جنيف وتفسيراتها، عن فكرة أن التفسيرات قد تكون مطاطة إلى حدٍّ ما، على سبيل المثال مبادئ الضرورة العسكرية والتناسب قد تُفسَّر لصالح أحد الأطراف، وفي حالة أخرى مماثلة تُفسَّر ضدهم، ما رأيك في هذا؟

أنا من أبناء المدرسة النقدية، لذلك أنا أشارك نفس الفكر، أن قواعد القانون الدولي كلها صيغت بشكل مرن حتى تحظى بأكبر قبول وتوافق لدى الدول الأطراف، في النهاية من يتفاوضون في الاتفاقات الدولية كلهم أفراد منخرطة في النزاعات المسلحة، قادة جيوش، مندوبين من وزارات خارجية، يشكلون مصلحة الدول وسياساتها، فيكون هناك رفض، الولايات المتحدة الأمريكية تجلس على طاولة المفاوضات وروسيا كذلك، بالتالي يحاولون أن يصلوا لصياغات تحظى بأكبر قدر من القبول لدى الأفراد، وغير ذلك سيكون البديل عدم وجود القانون الدولي الإنساني، بالتالي يحاولون إيجاد قواعد مرنة ويسمونها غموضًا إيجابيًّا، أنا لست مقتنعًا بهذا الفكر، ولكني مقتنع أن القضاة مسؤولون عن تنفيذ القانون، لأن القاضي صاحب القول الفصل في النهاية، سواء قاضي محكمة وطنية، أو غيره.

ولذلك نقوم بعمل تدريبات كثيرة جدًّا مع القضاة في المحاكم الوطنية العربية كلها، ونحاول دفع الدول أن تتبنى تشريعات وطنية حتى يكون له مجال وجدوى، وكذلك مع قضاة المحكمة الدولية، هناك تواصل عن طريق مقرنا الرئيسي مع قضاة المحكمة الدولية بحيث أنهم يضعون معايير محددة لفكرة الضرورة العسكرية وفكرة الميزة العسكرية وفكرة الأضرار الجانبية، أنا طرحت هذا الغموض وأتفق معك فيه، حتى في الجزء المتعلق بالحرب داخل المدن والتفسيرات المختلفة للمبادئ المختلفة.

الموصل-العراق

هل القوانين الوطنية التي تعتمدها الدول لمحاكمة جرائم الحرب قد يختلف تعريف جرائم الحرب في القوانين الوطنية عن القانون الدولي الإنساني أو القانون الجنائي الدولي، كيف يمكن حل هذه الإشكالية؟

حسب نوع الاختلاف، ليس بالضرورة أن يكون هناك تطابق كامل ما بين السلوك الإجرامي المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف والسلوك الإجرامي المنصوص عليه في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والسلوك الإجرامي الموجود في التشريعات الوطنية، طبعًا هذا وضع نموذجي أن يكونوا متشابهين، لكن حتى في النظام الدولي الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف ليست نفسها الموجودة في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهنا نحن نتحدث عن جهتين دوليتين لهما ثقلهما، فما بالك بالمشرع الوطني الذي يمكن أن يكون لديه ضوابط محددة وسلوكيات محددة يرى أنها لا تعتبر جريمة، فكرة الإجهاض مثلًا أو الحمل القسري.

هناك تفاصيل كثيرة جدًّا، فكرة الاضطهاد كجريمة ضد الإنسانية، الاضطهاد بالنسبة للشواذ مثلًا أو حقوق المرأة في المجتمع الدولي له معنى، وفي المجتمع الإسلامي بفكرة الميراث والحدود أو الشرائع التي لدينا لنا استثناءات معينة، ولذلك وافقنا على الانضمام لبعض الاتفاقيات بتحفظات، أقصد من حق كل مشرع وطني، وهذا منصوص عليه في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولكن منصوص عليه أيضًا في اتفاقيات جنيف، اتفاقيات جنيف صدرت كاملة من غير حتى عقوبات كي يُسمح للمشرع الوطني أن يبدع في صياغته التشريعية طبعًا بحسن نية، وهنا الأمر متروك لكل دولة.

كيف يمكن تصنيف النزاع المسلح بين حزب الله وإسرائيل؟

أحاول أن أتجنب التحدث عن تصنيفات في أماكن بعينها، لذلك تجنبت الحديث عن النزاعات المسلحة سواء في العراق أو سورية أو اليمن، لأن كل ذلك خاضع لمفاوضات سرية ما بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر وأطراف النزاع، لا نستطيع التحدث به على وجه التحديد، ولكن هذه الأزمة تحديدًا لأنه بالفعل حدثت أزمة على تصنيف النزاع خاصةً في 2006، كانت هناك مدرستان يمكنهما توضيح شكل المعاناة التي تعانيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمستشارون القانونيون العاملون في هذا المجال بصفة عامة في أزمة التصنيف، مدرسة تقول إن المواجهة كانت ما بين الجماعة المسلحة التي هي في هذه الحالة حزب الله وقوات الدفاع الإسرائيلية، أي القوات المسلحة النظامية لدى دولة إسرائيل، هذا بالنسبة للمجتمع الدولي، في هذه الحالة حتى لو كان النزاع عابرًا للحدود ما دام ليس هناك الشكل القانوني للنزاع المسلح الدولي، أي دولتين في مواجهة بعضهما، قلنا نحن كلجنة دولية للصليب الأحمر إنه نزاع مسلح غير دولي.

هذا رأي صدر في 2006 وأنا انضممت للجنة الدولية للصليب الأحمر في 2012، أنا أتحدث عن تاريخ خرج إلى العلن، وبالتالي لا توجد أي حساسية أن أتحدث عنه. استندت اللجنة الدولية للصليب الأحمر لكلام رئيس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة أمام لجنة تقصي الحقائق في نوفمبر 2006 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأنه قال نحن لسنا جزءًا من هذه الحرب، وبالتالي استطاع أن يبعد الدولة اللبنانية، وهنا طبعًا إخواننا اللبنانيون سيقولون إن الدولة مكونة من ثلاثة مكونات، بها صراعات كثيرة.

المدرسة الثانية التي تبنتها الأمم المتحدة تقول إن مفهوم الدولة وفقًا للقانون الدولي أرض ومواطنون وحكومة، فيمكن أن تكون إسرائيل أو قوات الدفاع الإسرائيلية لم تهاجم الحكومة، وهذا حقيقي، وهذا كلام رئيس الوزراء فؤاد السنيورة أيضًا صحيح، ولكنها هاجمت الأرض التي هي مكون من مكونات الدولة، فبمجرد اعتدائها على أرض لبنانية يعتبر نزاعًا مسلحًا دوليًّا، وهي فكرة لها وجاهة. وهذا المنطق موجود إلى الآن وخلاف فكري ما بين نظريتين فكريتين في القانون الدولي، بعضهم يصنفون نزاعات حالية، يرون أن هذا نزاع مسلح غير دولي، وآخرون يرون أنه نزاع مسلح دولي، من يفصل في هذا الأمر؟ طبعًا ليست اللجنة الدولية للصليب الأحمر لأن تصنيفنا غير ملزم، ولكن محكمة الموضوع سواء محكمة قاضٍ وطني أو محكمة قاضٍ دولي.

سؤال عن استخدام الجماعات المسلحة الأسلحة ذاتية التحكم في النزاع المسلح غير الدولي، ما رأيك في إثبات الركن المعنوي والجهة الداعمة لتلك الجماعات؟

سيتم إفراد محاضرة كاملة لهذا الموضوع، فكرة استخدام الأسلحة الأتوماتيكية أو ذاتية التشغيل أو الحرب السيبرانية، أولًا استخدام أسلحة حديثة ومتطورة ليست جريمة في حد ذاتها، لم أتمكن من فهم السؤال، أين الركن المعنوي وليست هناك جريمة؟ ليست هناك جريمة كي أبحث عن الركن المعنوي، من حقي حتى لو كنت جماعة مسلحة أن أستخدم هذه الأسلحة، أنا لا أتحدث عن مشروعية القتال أنا أتحدث عن قواعد سير العمليات العدائية، بالتالي ليست لديَّ أي قيود على الجماعة المسلحة في أنواع الأسلحة التي تستخدمها إلا لو استخدمت أسلحة محرمة دوليًّا مثل السلاح الكيماوي أو السلاح البيولوجي، ولكن الأسلحة الحديثة والمتطورة من حق الدول أن تستخدمها، أما عن مسؤولية الدول الداعمة فهذه مسألة قانون دولي عام. 

لذلك يجب أن أتأكد أن هناك فكرة الصلة ما بين الجماعة المسلحة والدولة، هناك زميل سأل سؤالًا لو كانوا مقاتلين أجانب ينتمون لدولة أخرى، لو كانت هذه الدولة هي التي أرسلت المقاتلين كي يحاربوا وليس مجرد أن أيديولوجية المقاتل أيديولوجية معينة تشبه الجماعة المسلحة فذهب بنفسه، لكن لو كانت الدولة هي التي أرسلت جماعة مسلحة عبارة عن 15 شخصًا وأرسلتهم كمرتزقة مقاتلين أجانب، في هذه الحالة تكون هناك مسؤولية على الدولة، لكن في حالة لو كانوا أفرادًا تدعمهم ماديًّا من بعيد، يجب أن يكون هناك إثبات للصلة ما بين الدولة والجماعة المسلحة، وهذا شيء في غاية الصعوبة. ويمكنكم قراءة قضية نيكاراغوا وبها كلام كثير جدًّا عن هذه المسائل.

سؤال أخير متعلق بالظروف الراهنة التي يمر بها العالم كله، هل تعتقد أن أزمة كوفيد-19 حرب بيولوجية جديدة؟

هذا أمر في علم الغيب لا أستطيع حسمه، ولكن ليس بالضرورة أن تكون حربًا بيولوجية كي تكون بها مسؤولية على دولة، هناك حديث عن مسؤولية الصين في عدم إخطارها بشكل فوري أو مبكر وفقًا للوائح منظمة الصحة العالمية، في هذه الحالة هناك مسؤولية على الدولة، لكن أنه يعد سلاحًا بيولوجيًّا، هذا يتطلب إثباتات كثيرة جدًّا، أو فكرًا تآمريًّا قد يكون موجودًا له أبعاده وله حقائقه، لكني لست مطلعًا عليه، فلن أستطيع أن أبدي أي رأي في هذا الموضوع.