كالكثيرين من أبناء جيلها حط اللجوء بالسيدة «لطيفة»، 86 عامًا، في نابلس بعد أن تركت مسقط رأسها يافا في العام 1948، ثم حطت رحالها في الأردن الذي احتضنها منذ طفولتها. تزوجت لطيفة ولم تشأ الأقدار أن ترى ابنتها النور وهي في كنف والدها، إذ إنه توفي وهي في بطن أمها. ولدت فتحية ونذرت لطيفة حياتها لوليدتها. كبرت فتحية في كنف جدها وجدتها، وتزوجت ابن خالتها القاطن في غزة.

تركت فتحية البيت الذي احتضنها وانتقلت لتعيش مع زوجها في القاهرة، ورزقت بثلاثة أبناء، ابن وابنتين. أما لطيفة فاستمرت في العيش في الأردن.

يروي هيثم الابن الأكبر لفتحية ذكرياته مع جدته: كانت بمثابة الأم بالنسبة لي. هناك رابط قوي لا يمكن للسنين أن تغيره. هي من حقق حلم طفولتي.

ويضيف: أذكر أنني ذهبت للسوق معها في أحد الأيام، وكأي طفل حين يرى دراجة هوائية، تعلقت بإحداها. حاولت جدتي إقناعي بأنها ستشتريها لي في المرة القادمة حين يتوفر معها المال الكافي لشرائها. لكن ومع إصراري وبكائي، أخبرت البائع بأنها ستذهب للبيت لإحضار ثمنها فوافق. وهذا ما لن أنساه عنها. 

مع قدوم السلطة الفلسطينية إلى غزة في بداية التسعينيات من القرن الماضي، عادت عائلة فتحية إلى غزة. تزوج الابن هيثم ورزق بالأبناء. أما الجدة لطيفة، فبقيت في الأردن وحيدة، تتلقى الرعاية من الأصدقاء والجيران، ولم تتمكن من زيارة ابنتها لأكثر من عشرين عامًا بعد أن أقعدتها الشيخوخة.

تروي فتحية كم هي صعبة الأيام والسنوات التي مرت دون رؤيتها لوالدتها: «كل شيء كان سهلًا في الماضي، التنقل، السفر، استصدار تصاريح الزيارة. لم تعد الأمور هكذا اليوم. لا أستطيع أن أصف مشاعري اليوم وأنا أنتظرها هنا. لا أصدق أنني سأرعاها. لقد نذرت حياتها لي، وجاء الآن الوقت الذي أرد لها بعضًا مما قدمت».على المعبر، كانت فتحية بصحبة ابنها هيثم في انتظار الجدة لطيفة.

في يوم ماطر انخفضت فيه درجات الحرارة. كانت تقف مرة، وتعود للسيارة مرة أخرى، عيناها مثبتتان على المسرب الذي تمر منه سيارات الإسعاف، كلما لاحت إحداها تنتفض جيئة وذهابًا ، «هذه أطول ساعة في السنوات العشرين الماضية». 

وصلت سيارة الإسعاف التي تقل لطيفة، بدت متعبة وحين رؤيتها لابنتها تهللت أساريرها، منذ هذا اليوم؛ العشرين من كانون الثاني/ يناير تغيرت حياة لطيفة تمامًا، من الوحدة إلى حياة يملؤها الدفء والحب في كنف ابنتها وحفيدها وأحفاد ابنتها. 

تمكنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من لم شمل السيدة لطيفة وابنتها في كانون الثاني/ يناير الماضي، وذلك بالتعاون مع السلطات المعنية. ورافقت طواقمها السيدة لطيفة من عمَّان عبر المعابر والحدود إلى أن وصلت إلى بيت ابنتها في غزة.