خلال التغطيات الإخبارية على مدار ثلاث سنوات، استرعت انتباهي غرفة نوم. كانت عادية في تصميمها. في المرة الأولى، شاهدت شابًّا يُدعى عودة كعابنة، يفكك جزءًا من تلك الغرفة ويخرج مسرعًا، ويعود مرة أخرى إلى داخل منزل صغير لنقل جزء آخر. وخلال وقت قصير فككها وركن أجزاءها بعيدًا عن المنزل الواقع في منطقة تُدعى الجفتلك، شرق الضفة الغربية.

تقليديًّا، لم أر خلال عشرين سنة من التغطيات الإخبارية، مثل هذا الاهتمام بغرفة نوم، فمعظم الناس في هذه المناطق الهامشية لا يملكون الأثاث الموجود في التجمعات الحضرية. فهم يعتمدون في حياتهم اليومية على الفراش التقليدي البسيط الذي يسهل نقله، ويكون غالبًا من الإسفنج والصوف. 

في الجفتلك، وسط الأغوار الفلسطينية قبل ٢٣ عامًا، وصل كعابنة إلى الحياة من أبوين ينتميان لعشيرة الكعابنة البدوية التي تمتد أصولها لمنطقة بئر السبع التي قطنتها حتى العام 1948، وعاشت قصة تنقل طويلة.

عائلة عودة وصلت إلى تلك المنطقة بعد ترحال عبر منطقة جنوب الضفة الغربية استمر لسنوات طويلة، واتخذت من تلك المنطقة مسكنًا.

عندما وصل عودة التاسعة عشرة من عمره في العام 2015 قررت العائلة تزويجه، وكان عقد زواجه واحدًا من  50 ألف عقد أبرم في محاكم وكنائس الضفة الغربية وقطاع غزة في ذلك الوقت.

وأثناء التحضير لحفل الزفاف بنى الشاب منزلًا واشترى غرفة النوم تلك.

لكن عودة واجه في الشهر الخامس من زواجه أول اختبار للحفاظ على جزء من تفاصيل الزفاف الطازج، وهي غرفة النوم، عندما وصلت القوات الإسرائيلية لهدم منزله، ولم يكن أمامه سوى وقت قصير لإخراجها قبل أن تطيح بها الجرافات.

في مثل حالة عودة، فالزواج في هذه المناطق ظاهريًّا يقوم على تقاليد العشيرة التي تقدم الولائم وتعقد حلقات الدحية، لكن في العمق فإن ذلك يتعدى التكاليف المادية، إلى التكاليف السياسية الباهظة التي قد يدفعها الزوجان طيلة سنين حياتهم.

وأخبر عودة معد هذه القصة الإخبارية، بأنه قضى السنوات الأربع الماضية من عمره يفك ويركب غرفة النوم، بعدما تعرض منزل الزوجية للهدم مرارًا، وتعرضت عائلته الكبيرة للترحيل ست مرات متتالية.

في المنطقة التي يسكن فيها عودة، وهي أحد التجمعات الهشة التي يعتمد فيها السكان على الزراعة ورعي المواشي، حيث تصطف سلسلة من المنازل المبنية من القصدير والخيش، يعيش أزواج آخرون تفاصيل القصة ذاتها.

فمصير غرف نوم زواجهم يصبح في مهب الريح بمجرد الانتقال إلى المنزل الجديد.

واقفًا إلى جانب ركام واحد من المنازل التي بناها الشاب خلال السنوات القليلة الماضية قال: «قضيت سنوات عمري الأخيرة ألملم أثاث المنزل».

تمنع السلطات الإسرائيلية السكان الفلسطينيين من البناء في مناطق واسعة من الغور حيث يعيش كعابنة وأبناء عمومته، ويعني دخول شابين قفص الزوجية وبناء منزل جديد، إخطارًا جديدًا بالهدم غالبًا ما يصل في الأسابيع والأشهر الأولى بعد حفل الزفاف.

يقول كعابنة إنه لم يمض خمسة أشهر على زفافه عندما جاءت الجرافات وهدمت عش الزوجية الجديد.

وأضاف، وهو يذرع مساحة بين مكان المنزل الأول والأخير الذي بناه في المنطقة ذاتها «كان مسكنًا صغيرًا وله شرفة تطل على السهول والجبال من ناحية الغرب (…). كنت أريد أن أرى العالم منها».

إن حفلات زواج نادرة تقام في هذه السفوح، تختلف كثيرًا عن تلك التي تقام في بقية الأراضي الفلسطينية، فعدد قليل من السكان الذين يعيشون في مساحات جغرافية واسعة وفضاء مفتوح يجعل من الزفاف حدثًا نادرًا.

لكن فكرة الاستقرار التي يبحث عنها المقبلون على الزواج في هذه المناطق تبدو عبثية إلى حد كبير.

ذاتهم الشبان مثل عودة الكعابنة الذين أسسوا عائلات جديدة، لم يستطيعوا ضمان بقاء منزل الزوجية قائمًا لعدد محدود من الأشهر.

وقال عودة، إن عددًا من شبان عائلته الذين تزوجوا خلال السنوات القليلة الماضية وبنوا منازل تلقوا إخطارات بهدمها.

انتقلت من المنطقة التي يسكن بها كعابنة، إلى منطقة أخرى يجري فيها التحضير لزفاف شاب من عائلة ورَّاد.

على غير العادة، كان هذا المساء ضاجًّا جدًّا في هذه المنطقة الخالية تقريبًا من السكان إلا من عائلة ورَّاد وبعض جيرانهم، فقد بدد صوت زغاريد النسوة في مسكن خيشي منفصل وغناء الرجال في ساحة متربة المساء، استعدادًا لاختتام أيام زفاف سلمان خليل ورَّاد، 23 عامًا. 

كان الشاب الذي ارتدى بدلة رمادية اللون، تشبه إلى حد كبير لون الأرض التي تسكن عليها عائلته، يقضي الساعات الأخيرة من عزوبيته التي يرى أنها تأخرت ثلاث سنوات، وحوله تحلق شبان من مختلف مناطق الغور اختلطت رؤوسهم بعضها ببعض وهم يهزونها فرحًا على وقع أنغام مسجلة تصاحب الغناء البدوي المعروف بـ(الدحية).

لكن الفرح الظاهر قد ينتهي بأي وقت في الأيام والأسابيع المقبلة، إذا ما تمت عملية هدم جديدة لأي من المنازل المخطرة.

قال سلمان إنه بنى مسكنًا صغيرًا بطول ثمانية أمتار وعرض خمسة أمتار من القصدير، وفيه وضع غرفة نومه، لكنه لا يعرف شيئًا عن ماذا يمكن أن يحدث في المستقبل القريب.

يظهر صف من المنازل المبنية من ألواح القصدير، أقيمت في نفس المكان الذي هدم فيه الجيش في العام 2013  منزل والد سلمان ذاته، وضمن ذلك الصف يقع منزل الزوجية الجديد الذي سيقضي فيه الشاب الأيام المتاحة له من حياته الجديدة.

تلمع أضواء خافتة صغيرة لامعة ملونة في محيط الساحة التي يغني فيها الرجال، وهي إشارات ليلية ظاهرة ونادرة في منطقة لا يصلها لا التيار الكهربائي ولا شبكات المياه، لذلك أحضرت العائلة مولدًا كهربائيًّا مؤقتًا لجعل ليالي الفرح أكثر إشعاعًا.

كان سلمان يرسل نظرات حادة وخجولة تجاه الرجال الذين يغنون له في الساحة. وقال «أرجو أن يأتي ذلك اليوم الذي نشعر بالاستقرار».

وتنفرج شفاه بعض سكان المنطقة عن ابتسامة ساخرة، عندما يُسألون فيما إذا كانوا يملكون غرف نوم خشبية. فبعضهم قال لي: «هذا استفزاز. الأرض غير ثابتة هنا. كيف يمكن وضع غرف نوم في أرض قد تجرف في أي لحظة».

والاستقرار قبل الزواج هو مسألة لا تختلف عن بعده، إلا أن مهام أخرى تضاف إلى مسؤوليات الشبان هنا غير رعي المواشي؛ مهنتهم التقليدية التي يعتاشون منها، وهي الحفاظ على منازلهم من الهدم.

عندما مرت موجة من الرجال الذين كانوا يتأهبون لتناول طعام الزفاف، قال أحدهم: «نحن البدو هكذا (…). نحن نعيش على الأمل».

وفق معطيات محلية متطابقة، وأخرى صادرة عن منظمات إسرائيلية فإن عمليات الهدم الشهرية التي تنفذها القوات الإسرائيلية ضد سكان هذه التجمعات لم تتوقف منذ سنوات.

قال عارف دراغمة، وهو مراقب حقوقي في منطقة الأغوار، إن سبعة أعراس أقيمت في المنطقة خلال السنتين الماضيتين، وإن كل زوجين يقيمان في منزل جديد معرض للهدم منذ اللحظة الأولى من بنائه.

وأشار إلى أن أحد الأزواج، دون أن يفصح عن اسمه، وضع غرفة نومه في قرية أخرى، بعيدة عن مكان سكنه للحفاظ عليها.

في الجفتلك حيث أعاد الكعابنة بناء منزله من جديد، لم تظهر غرفة النوم في مكان الاستقرار الجديد، وأخبر الشاب معد هذه القصة في آخر مقابلة معه، أنه ملَّ من فكها وإعادة تركيبها كل مرة يأتي الجيش لهدم منزله، لذلك ركنها في مستودع لأحد أقربائه.

وأنا أنظر إلى هذا الغناء الذي طغى على الجبال في عرس سلمان، أدرك الطريقة التي يحاول فيها السكان البحث عن الفرح في هذا المدى الجبلي الموحش.

«نسرق الفرح من فم الغولة» قال أحد الحاضرين. وهذا قول شعبي فلسطيني يقال عندما يقتنص الإنسان أي فرصة نادرة للفرح وسط مأساة.

وقد يدفع ثمن تأسيس حياة زوجية جديدة بالإنسان إلى خسارة نتاج هذا الزواج من الأطفال.

بدأت قصة عودة قبل سنوات قليلة مع الترحال القسري من منطقة إلى أخرى، فبعد أن هدم منزله في المرة الأولى عاد لبناء منزل آخر، لكن الرحيل الأخير الذي وقع في آب هذا العام لم يخسر فيه الشاب منزله فقط، لكنه خسر أيضًا طفلته الصغيرة.

فقد كعابنة طفلته هناء، ثلاثة أشهر، وأصيب ابنه وزوجته قبل شهرين بحادث سير مروع أثناء الرحيل القسري ذلك اليوم.

في صباح الخامس من آب في أثناء رحيل عائلة كعابنة من مكان لآخر بعد أن طُلب منها إخلاء مسكنها، وقع حادث سير بين الجرار الزراعي الذي كان ينقل العائلة في رحلة الرحيل وبين سيارات أخرى، وتوفيت الطفلة على فورها، وكان أمام زوجة عودة مصير مجهول بعد إصابتها بجروح خطيرة.

في المرات التي تلاحقت فيها قصة تنقل عودة من مكان لآخر تحت وطأة التهديدات العسكرية الإسرائيلية بهدم منزله، كان الشاب يترك مسكنًا وينتقل إلى آخر بعزيمة واضحة.

لكن المرة الأخيرة التي شاهدت فيها الشاب بعد شهرين من فقدانه لطفلته في حادث السير وهم في طريق الرحيل، خفتت عزيمته كثيرًا.

كانت إجاباته على الأسئلة التي أكررها كل مرة، بطيئة ثقيلة هذه المرة.

قال إنه عاد للاستقرار في نفس المكان الذي ولد فيه هو، وأنجبت زوجته ابنته الراحلة هناء، لكنه كان يتحدث عن الحياة المستقرة بعد ذلك الحادث بشكل تخيلي مثير: منزل له سقف مغطى بسعف النخيل الذي يزرع هنا، وشرفة تطل على الأراضي الزراعية وأنبوب مياه، وكل ذلك دون فك غرفة النوم وإعادة تركيبها.

*الرقم مأخوذ من مركز المعلومات الوطني الفلسطيني.

القصة الصحفية الفائزة بالمركز الأول في مسابقة الصحافة الإنسانية للعام 2019، التي نظمتها بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة. كان موضوع المسابقة حول «سبل العيش والحياة اليومية»، وطُلب من الراغبين في المشاركة تقديم قصص صحافية توضح تأثير الظروف الحالية في غزة أو الضفة الغربية في قدرة الناس العاديين على كسب عيشهم. وتهدف المسابقة إلى إلقاء الضوء على الصحافيين الاستثنائيين الذين تقدم أعمالهم رؤى تستبصر عمقَ العواقبِ الإنسانية الناجمة عن الاحتلال. العواقب التي دأبت اللجنة الدولية على التخفيف من أثرها على الفلسطينيين على مدار خمسة عقود.