قبل ما يقرب من عام تسلم فابريزيو كاربوني مهامه كمدير لعمليات اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الشرق الأوسط، ما يعني أنه أصبح مسؤولًا عن عمليات 9 بعثات للجنة الدولية بينها ثلاث بعثات كبرى هي سورية والعراق واليمن، منوط بها إدارة أنشطة الحماية والإغاثة والحوار الإنساني مع أطراف النزاع في المناطق التي تغطيها. وفي زيارته الأخيرة لمصر أجرت «الإنساني» حوارًا معه أرادته إنسانيًّا صريحًا وكاشفًا لشخصية الرجل.  

لعل أول ما يلفت النظر في كاربوني هو السرعة التي تتغير بها ملامح وجهه ولون عينيه عندما يتكلم عن الوضع الإنساني في المنطقة العربية. فالرجل الذي اقترب من الخمسين يحمل ابتسامة محببة ودافئة كدفء إيطاليا التي ينحدر منها، لكن هذه الابتسامة ما تلبث أن تختفي ويحل مكانها خطان من الأسى على جانبي فمه ويزيد لون عينيه الأسود قتامة عندما يبدأ بالتحدث عما رآه خلال هذا العام من المسؤولية.

تنقل كاربوني في عمله في اللجنة الدولية بين وظائف عدة ودول كثيرة من الشرق إلى الغرب وأفريقيا. هو الإيطالي الذي ولد وترعرع في بروكسل، لكنه بقي على اتصال بجذوره الإيطالية من خلال السفر إليها بالقطار وهو صغير وقضاء فصل الصيف في مسقط رأسه هناك. فشكل إحساسه بهويته دائمًا معضلة «فأنا في بروكسل لا أشعر أنني بلجيكي وإنما إيطالي وفي إيطاليا أشعر بأنني غريب». ولعل غياب إحساسه بالانتماء إلى مجموعة بعينها وفضوله هما اللذان ولَّدا لديه حب السفر كما يفسر. لكن تربيته على قيم تقليدية إيطالية تقدس العطاء والمشاركة في ظل ظروف صعبة في كنف عائلة بسيطة جعلته، كما يقول، أكثر قربًا وتعاطفًا مع الفئات المستضعفة وقدرة على الاتصال معهم، و«هي قيم تبقى معك حتى ولو في مرحلة ما من عمرك تحاول أن تتمرد عليها إلا أنك تكتشف أنها مغروسة فيك وهي التي تحركك». 

ومع ذلك يعتز كاربوني بانتمائه لهذه المنظمة واستمراره فيها كل هذه المدة. «ما جعلني أنضم للجنة الدولية أمران: حبي للسفر مع سعيي للانغماس في المجتمعات التي أقيم فيها أو أزورها والتعرف على ثقافاتها، والمزج الذي توفره اللجنة الدولية لي بين العمل الفكري والحركة الدائمة. لكن ما حفزني على البقاء في المنظمة هم زملائي ممن عملت وأعمل معهم». يؤمن كاربوني أن «ما تعتقد أنه فشل ربما ينقلب ليكون نجاحًا» هذا ما علمته إياه التجربة. فمسار حياته تغير عندما فشل في إحدى المسابقات القانونية الكبرى فشجعه أحد مدرسيه على المشاركة في مسابقة حول القانون الدولي الإنساني، ليفتح نجاحه فيها الباب له فينضم إلى القسم القانوني في اللجنة الدولية كمتدرب، وهو بعد لم ينهِ دراسته الجامعية في القانون.

وعلاقة كاربوني بالمنطقة العربية لم تبدأ مع استلام منصبه فقد قضى بضع سنوات في لبنان رئيسًا لبعثة اللجنة الدولية هناك «كإيطالي ومهتم بالشأن العام كنت على اطلاع على أزمات المنطقة لا سيما القضية الفلسطينية وإسرائيل ولبنان فهي قضايا حاضرة بقوة في أوروبا». ولكنه أيضًا ينظر إلى المنطقة باعتبارها امتدادًا طبيعيًّا لثقافة البحر المتوسط التي ينتمي إليها ويرتبط بها قبل أن تكون هناك تصنيفات جغرافية ودول. لذلك يقول «أشعر بالقدرة على الاتصال بسهولة مع الناس هنا وفهم قيمنا المشتركة في أمور مهمة مثل العلاقة بالعائلة وبالطعام». فهو يرى أن الطعام وكيفية استقبالنا للناس على مائدتنا يشكلان الباب الأول لفهم ثقافة أي مكان تحل فيه وتاريخه. ويعترف كاربوني بضعفه تجاه كل الحلويات التي تحتوي على القشطة! 

مدير عمليات الشرق الأوسط باللجنة الدولية فابريزيو كاربوني في زيارة لمستشفى المنصورة في عدن في 2018. تصوير: مبارك سعيد.

لكن ما الذي تعلمته من العمل مع اللجنة الدولية؟ «الكثير» يجيب «ولكن الأهم أن الحقيقة والواقع مفهومان مختلفان تمامًا في مناطق النزاع. وما يمكن أن أعتبره حقيقة قد لا يكون كذلك بالنسبة لشخص آخر. إذ لا توجد مسلمات كما لا يوجد في الواقع أخيار وأشرار، فالأمور كلها نسبية». لكن مع ذلك فهو لا يساوم عندما يتعلق الأمر باحترام القانون الدولي الإنساني «لا مجال للنسبية عندما يتعلق الأمر بحماية المدنيين. لا يمكن القبول بقتل أسير. ولا بوضع طفل في السجن مع مقاتلين. ولا باستخدام قوة غير متناسبة عند ضرب هدف ما..»

وأكثر ما يؤلمه هو اعتماد البعض العقاب الجماعي على فئة ووصمها فقط لأن أفرادًا من هذه الفئة ارتكبوا جرمًا ما، «فأسلوب شيطنة الآخر لا يُطبق على العدو فقط وإنما على أفراد عائلته كذلك، بل وجيرانه. فيوصم قطاعٌ كاملٌ من الناس بصفة معينة، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى انتهاج سياسة العقاب الجماعي. وهذا غير مقبول على الإطلاق».

لكنه تعلم أيضًا احترام قواعد الحفاظ على السلامة التي تضعها اللجنة الدولية لعامليها في الميدان والبقاء متيقظًا من أي خطر حتى ولو كان غير محسوس. فكاربوني فقد أحد زملائه الذي قتل في أفغانستان «احتجت لسنتين قبل أن أستوعب ما حصل لزميلي. فما حدث له كان يمكن أن يحصل لي ولغيري. وعندما تعمل في مكان ما لفترة طويلة تفقد الحس بالخطر وإن كان موجودًا. ويصبح الحال غير الطبيعي في خضم الصراع شبه طبيعي بالنسبة لك». لذا فهو يقدر بشكل كبير العاملين على خطوط المواجهة وفي مناطق النزاع لا سيما من الموظفين المحليين الذين هم عاملون إنسانيون، وفي الوقت نفسه جزء من المجتمع الذي يحتاج للحماية والدعم. لعل زيارته الأخيرة لشمال شرق سورية أعادت تذكيره بما يميز المنظمة وعمله «أن نكون موجودين على الخطوط الأمامية، قريبين ممن يحتاجوننا هو ما يجعلنا مختلفين بالمعنى الإيجابي».

ويبدو أن أكثر ما يؤثر في الرجل هو حال الأطفال ممن يعانون نتائج الحرب من تشريد وجوع ومرض وهو الأب لطفلين، يعترف أن حياته تغيرت منذ أن أتيا إلى هذا العالم. فهو كان يسخر من فكرة أن وجود الأبناء يغير حياة الأهل، لكنه يعترف أنه لم ينجُ من ذلك الشعور ويشك في إمكانية أن ينتهج اليوم السيرة المهنية نفسها التي انتهجها قبل عشرين عامًا عندما انضم إلى اللجنة الدولية «فهناك أمور لم يعد بإمكاني أن أتحملها».

في زيارته الأخيرة لمخيم الهول في شمال سورية، الذي يزيد عدد الأطفال فيه عن 60 في المئة من سكانه، استعاد الإحساس بقسوة الواقع «راعني ما رأيته عندما مررت بين الخيام المنصوبة.. كنت في عالم آخر.. لم أكن أقدر على تحمل رؤية هؤلاء الأطفال في هذه الحالة… لا أستطيع شرح هذا الشعور… نحن نعيش في عالم قاسٍ. لعل العولمة أمنت للبعض امتيازات سواء أكان في الأماكن التي يعيشون فيها أو الطبقات الاجتماعية التي ينتمون إليها والتي توفر لهم القدرة على الوصول إلى التعليم والطبابة بسهولة، لكن لا يجب أن ننسى ونحن في أماكننا الآمنة أن غالبية العالم عنيف ويفتقر للرحمة».