يعاني الصومال من اضطراب الأحوال المناخية وتأثيرها السلبي على نهر شبيلي الذي يعبر مناطق بوسط وجنوب البلاد، فقد يحدث أن يجف النهر وينضب ماؤه، قبل أن يفيض بالماء مرة أخرى. ومع التكلفة الإنسانية الكبيرة لهذه التحولات المناخية، تحاول النساء في مدينة صغيرة مقاومة الظروف القاسية، والتأقلم وإبداع طرق للحياة ومواصلة العيش والكفاح.
في حزيران/ يونيو من العام الماضي، شهدت مدينة بلدوين، رابع أكبر مدن الصومال، أحد أسوأ الفيضانات منذ عقود، إذ أسفر عن نزوح عشرات الآلاف من السكان، بعد أن فاض نهر شبيلي، الذي يمر عبر المدينة، بسبب الأمطار الموسمية الغزيرة. وأجبر هذا السكان على الانتقال إلى مناطق أكثر ارتفاعًا بعد أن غمرت المياه المدينة. مرَّ شهران على الفيضان وأصبح مجرد ذكرى بعيدة. فقد عاد نهر الحياة إلى مجراه الطبيعي كما نهر شبيلي، الذي يتدفق عبر المدينة في نعومة، ويعبر الناس بين ضفتيه إما مستخدمين الجسر أو القوارب التقليدية الصغيرة.
يذهب التلاميذ إلى مدارسهم كل صباح حاملين كتبهم الدراسية، الأولاد في السراويل السوداء والقمصان البيضاء، والفتيات في حجابهن الأصفر الفاتح. لا يمكن لعين أن تُخطئهم ولو من مسافة بعيدة. وعلى الطريق الرئيس، الذي عُبِّد بالأسفلت قبل أكثر من 20 عامًا، يجلس الرجال أمام المقاهي يتجاذبون أطراف الحديث. إذا مررت بسوق داراويشتا في بلدوين، لا تلبث أن تتسلل إلى أنفك رائحة الخضراوات الطازجة، التي تجعلك تتوق إلى تذوقها. في هذه السوق تُفتح الأكشاك في ساعة مبكرة، بحلول السادسة صباحًا. وجد التجار، ومعظمهم من النساء، في هذه المدينة ملاذًا آمنًا من ويلات النزاع المسلح، والخطر المحدق على مشارفها.
قصص معظمهنَّ متشابهة: الكثير منهنَّ فقدن أزواجهن في خضم النزاع الطويل، وأصبحن الآن العائل الوحيد لأسرهن. وبعد أن استقرت بِهنَّ الحال باللجوء إلى بلدوين، أصبح لزامًا عليهن سداد إيجار السكن الذي تقمن فيه مع أسرهن، ولذا توجهن لفتح مشاريع خاصة بهن لكسب قوتِهِنَّ. واليوم تتنوع مجالات تجارتهن بين الفحم النباتي والخضراوات وحطب الوقود واللحم.
تقوم معاملات السوق في بلدوين، التي تفتقر لأي مؤسسات مالية، على نظام التعامل بالأجل، يشتري البائع بضاعته بالأجل، ويسدد الزبائن ثمن البضائع بالأجل أيضًا. وللتغلب على المشاكل المتعلقة بالتدفق النقدي، تُشكَّل مجموعات تضم كل مجموعة نحو 10 نسوة، يساهمن بمبلغ من المال ويدفعنه إلى أحد أفراد المجموعة كل أسبوع بالتناوب، فتحصل إحداهن على المال في كل مرة.
تستأجر سعدية أحمد أحد الأكشاك في السوق، ونظرًا لكونها العائل الوحيد لأسرتها، قد تُضطر إلى فتح الكشك لبضع ساعات، ثم تغلقه لتعود إلى المنزل كي تطهو الطعام لأبنائها. وإذا حدث أن مرض أحدهم، فيتعين عليها البقاء إلى جواره في المستشفى. هذه فقط لمحة عن التحديات التي تواجهها النسوة هنا.
خلف وجوههن التي تعلوها ابتسامات ودودة، تتوارى تلال من المشاكل العائلية والمالية التي يواجهنها جميعًا. ترقب في ثنايا ضحكاتهن الصافية أملًا في أن يُخيِّم السلام من جديد على الصومال. وتحدوهن ثقة أن مستقبلًا أفضل وأكثر إشراقًا ينتظرهن، وينتظر أبناءهن وتجارتهن.
تنفذ اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الصومال برامج لبناء القدرة على الصمود تساعد النساء العاملات كسعدية. تخضع أفقر النساء العاملات – اللائي يجري انتقاؤهن وفق معايير وُضعت بمساعدة جمعية الهلال الأحمر الصومالي – لتدريب مدته يومان يتعلمن فيه مهارات إدارة الأعمال. ثم يحصلن على منحة نقدية تؤهلهن لبدء مشروع جديد أو التوسع في مشروع قائم. وفي عام 2016، استفاد من هذا البرنامج أكثر من 1,500 امرأة. مع ارتفاع دخولهنَّ، تستطيع هؤلاء النسوة تأمين أكثر من وجبة واحدة في اليوم لأسرهنَّ وسداد النفقات المنزلية الأخرى.
*سعدية – استُخدم اسم مُستعار لحماية هويتها.
نُشر هذا الموضوع في العدد رقم 62 (خريف/ شتاء 2017) من مجلة «الإنساني».