في نهاية عام 2024، قدّرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين عدد النازحين قسراً حول العالم بـ 123.2 مليون شخص، وذلك جراء الاضطهاد والنزاعات والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان والأحداث المخلّة بالنظام العام بشكل خطير. وفي حال اندلاع نزاع واسع النطاق، فإن شدّة العمليات العسكرية وحجمها ووتيرتها لن تؤدي إلّا إلى تفاقم هذا الاتجاه، ولن تؤثر فقط على النازحين، بل أيضاً على المجتمعات المحلية التي تستقبلهم، وربما على أولئك الذين لا يغادرون. وتسعى قواعد القانون الدولي الإنساني إلى منع النزوح الناجم عن النزاعات المسلحة – مع احترام إرادة الناس ورغبتهم الحقيقية في التنقل – والحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين، بمن فيهم السكان النازحون.
وفي هذا المقال الذي يشكّل جزءاً من السلسلة المعنونة “الامتثال للقانون الدولي الإنساني في النزاعات واسعة النطاق“، يستكشف المستشاران القانونيان في اللجنة الدولية، مات بولارد وهيلين أوبريغون غييسكن، التحديات الإنسانية المتعلقة بالتنقل والنزوح الجماعي وتفكّك الروابط العائلية التي تنشأ لا محالة في هذه النزاعات. ويستعرض المقال أيضاً بعض التدابير العملية التي يمكن للدول -بل وينبغي لها- أن تتّخذها من أجل الاستعداد لمواجهة هذه التحديات، والامتثال لالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني وغيره من فروع القانون الدولي ذات الصلة. ومن الضروري إجراء التخطيط المسبق، في وقت السلم، لتمكين القانون الدولي الإنساني من توفير حماية فعّالة في حال اندلاع هذا النزاع.
وعادة ما تسفر النزاعات المسلحة واسعة النطاق عن نزوح أعداد هائلة من المدنيين. ويهدّد حجم عمليات تنقل السكان بإثقال كاهل الأنظمة المخصّصة لحمايتهم ودعمهم وإدارتهم، ليس فقط داخل البلدان، بل أيضاً عبر الحدود إلى البلدان المجاورة، وربما إلى ما هو أبعد من ذلك. ويؤدي ذلك بدوره إلى تفاقم مخاطر الضرر الناجم عن سير الأعمال العدائية، وسوء الظروف أثناء العبور أو في مراكز الإيواء المؤقتة، أو فقدان الاتصال بين أفراد العائلة.
وعلاوة على ذلك، من المرجح أن يطول أمد النزوح في مثل هذه السياقات. فقد يستمر النزاع لسنوات، وقد يتعذّر على الناس العودة إلى ديارهم حتى بعد انتهاء القتال. وغالباً ما يزيد حجم الدمار والضرر الذي يلحق بالمدن والبنية التحتية الحيوية، والآثار اللاحقة بالنسيج الاجتماعي، وغيرها من العقبات، من صعوبة إيجاد حلول دائمة في حالات النزوح الجماعي.
ويسعى القانون الدولي الإنساني إلى الحد من هذه الأضرار. فهو يجيز التنقل الطوعي للمدنيين، وإن كان مرهوناً بقيود كبيرة محتملة عليه، في حين يعمل على منع النزوح غير الطوعي وتقليله إلى أدنى حدّ، وتنظيمه. ويقتضي معاملة جميع الأشخاص معاملة إنسانية في جميع الظروف، ويوفّر ضمانات محدّدة للنازحين. ويلزم أيضاً القانون الدولي الإنساني الدول السعي إلى الحفاظ على شمل العائلات، على سبيل المثال، في سياق الإجلاء أو الاحتجاز. وينص على تدابير عملية لضمان بقاء الأشخاص المنفصلين لأي سبب يتعلق بالنزاع على اتصال، وإمكانية لمّ شملهم، والحيلولة دون دخول أيّ منهم في عداد المفقودين.
ويستند مقالنا إلى التعليق المحدّث مؤخراً للجنة الدولية على اتفاقية جنيف الرابعة، لتسليط الضوء على كيفية استعداد الدول مسبقاً لضمان فعالية وكفاءة أوجه الحماية هذه التي يوفّرها القانون الدولي الإنساني في حال نشوب نزاع مسلح دولي واسع النطاق. وينبغي أيضاً أخذ الالتزامات الدولية الأخرى الواقعة على عاتق الدول بعين الاعتبار، بما في ذلك على سبيل المثال التزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان واتفاقيات فيينا المنطبقة على المسؤولين الدبلوماسيين والقنصليين والأشخاص ذوي الصلة (انظروا مثلاً هنا، الفقرات 2664 و2667-8).
من هم الأشخاص المشمولون بالحماية؟
يحمي القانون الدولي الإنساني كل إنسان متضرّر من النزاعات المسلحة. وتنطبق بعض القواعد على جميع الأشخاص، بينما ينطبق بعضها الآخر على فئات محدّدة منهم. وتنطبق العديد من أحكام اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في النزاعات المسلحة الدولية على “الأشخاص المحميين”. وتعرّف الاتفاقية “الأشخاص المحميين” بأنهم يشملون، مع بعض الاستثناءات، الرعايا الأجانب المقيمين تحت سلطة طرف في النزاع. ولكن لا تشمل الأشخاص الذين يتمتعون أصلاً بحماية إحدى اتفاقيات جنيف الأخرى، مثل أسرى الحرب. ولا تقتصر معظم قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، فضلاً عن الباب الثاني من اتفاقية جنيف الرابعة وأحكام البروتوكول الإضافي الأول ذات الصلة، على “الأشخاص المحميين”، بل تنطبق بصورة أعم.
التنقل الطوعي
عند اندلاع نزاع مسلح، قد يرغب الأجانب المقيمون في بلد متضرّر في العودة إلى ديارهم أو الذهاب إلى مكان آخر. ولدى الأشخاص المحميين الحق في مغادرة أراضي طرف في النزاع، وأن تنفّذ عملية المغادرة في ظروف ملائمة من حيث الأمن، والشروط الصحية والسلامة والتغذية. ويتمتّع بعض الأشخاص المحميين أيضاً بحق مغادرة الأراضي المحتلة، ولكن تستثني الاتفاقية رعايا الدولة التي احتُلت أراضيها من هذا الحق، مما يخلّف ثغرة كبيرة يصعب التوفيق بينها وبين الاعتبارات الإنسانية. وفي كلتا الحالتين، يمكن مع ذلك رفض الإذن بالمغادرة إذا كان الرحيل “يضر بالمصالح الوطنية للدولة”. ولا يجوز فرض حالات الرفض إلّا وفق إجراءات قانونية، بما في ذلك إعادة النظر فيها بواسطة محكمة أو لجنة إدارية.
ويمكن للدولة أن تفرض قيوداً على التنقل الداخلي داخل أراضيها أو الأراضي التي تحتلها. ويمكن اعتماد تدابير أمنية، مثل تقييد السفر بين المناطق الداخلية، وإقامة نقاط تفتيش، وفرض متطلبات الإبلاغ، بالقدر الذي تقتضيه الضرورة التي يفرضها النزاع. ويستلزم شرط الضرورة أن تكون هذه التدابير متناسبة مع غرض مشروع (انظروا هنا). ويتعيّن كذلك أن يتوافق تطبيق التدابير التقييدية مع المتطلبات العامة للاتفاقية وقواعد القانون الدولي الإنساني الأخرى، مثل حظر التمييز المجحف الذي يستند إلى أسباب مثل العرق أو الدين أو الرأي السياسي (انظروا مثلاً هنا وهنا). وعلاوة على ذلك، يقيّد القانون الدولي الإنساني على الوجه التحديد الظروف التي يمكن فيها إجبار الأشخاص المحميين، من خلال هذه التدابير، على البقاء في منطقة معرضة بشكل خاص لأخطار الحرب (انظروا هنا وهنا).
ولا تقتصر الأحكام بشأن الحق في المغادرة على وجهات أو وسائل نقل محدّدة، وبالتالي فهي تنطبق بالمثل على المغادرة عن طريق البحر. والنطاق الكامل للقواعد ذات الصلة المحتملة بموجب مختلف فروع القانون الدولي، بما في ذلك قانون الحرب البحرية، يتجاوز نطاق هذه المدونة (انظروا هنا وهنا). ومع ذلك، تشكّل التزامات الدول بالبحث عن المدنيين المنكوبين أو المفقودين أو الموتى في البحار وجمعهم وإجلائهم واحترامهم مثالاً مهماً (على سبيل المثال المواد 8-11، و32-34 من البروتوكول الإضافي الأول).
وإذا كانت الدولة تستعد لاحتمال نشوب نزاع مسلح واسع النطاق، فينبغي لها أن تضمن الاعتراف بحق مغادرة الأراضي التي تقع تحت سيطرتها، والضمانات الأساسية والإجرائية المرتبطة به، في الأطر القانونية والسياساتية المحلية. وينبغي وضع تعليمات وإجراءات واضحة لتمكين المدنيين من مغادرة المناطق المتضرّرة من الأعمال العدائية، دون تأخير لا مبرر له، والبحث عن المأوى والأغذية والرعاية الصحية. وينبغي كذلك مراجعة أي أحكام تتعلق بفرض قيود على المغادرة أو التنقل الداخلي لضمان اتّساقها مع القانون الدولي الإنساني.
الترحيل القسري والنزوح الجماعي.
إن النزاعات المسلحة من بين الأسباب الرئيسة للنزوح – وغالباً ما يكون ذلك نتيجة انتهاكات القانون الدولي الإنساني (و/أو القانون الدولي لحقوق الإنسان)، ويمكن أن تؤدي النزاعات واسعة النطاق، سواء في البر أو البحر، إلى نزوح جماعي. ويمكن للعديد من قواعد القانون الدولي الإنساني، بما فيها تلك المتعلقة بسير الأعمال العدائية والإغاثة الإنسانية، أن تساعد في الحد من بعض الأسباب الجذرية للنزوح. ويتضمن أيضاً القانون الدولي الإنساني قواعد محدّدة بشأن إجلاء المدنيين ونقلهم وترحيلهم، تميّز بين عمليات الإجلاء التي يمكن أن تنقذ الأرواح (والمسموح بها) وعمليات التنقل غير المشروعة.
وتحظر اتفاقية جنيف الرابعة على أطراف النزاعات المسلحة النقل الجبري للأشخاص المحميين داخل الأراضي المحتلة، أو نفيهم منها، أياً كانت الدواعي. ويوسّع القانون الدولي الإنساني العرفي نطاق هذا الحظر ليشمل جميع السكان المدنيين في الأراضي المحتلة. ويسري هذا الحظر فوراً، حتى في حالة الاحتلال قصير الأمد (انظروا هنا الفقرات 391-393)، بل وحتى خلال مرحلة الغزو (انظروا هنا الفقرة 1140 وهنا الفقرة 3162). ويمكن أن تكون عمليات النقل أو الترحيل الجبرية مباشرة أو غير مباشرة (انظروا هنا الفقرات 3171-3173).
والاستثناء الوحيد لهذا الحظر هو الإجلاء المؤقت للمدنيين من منطقة حفاظاً على أمنهم أو لأسباب عسكرية قهرية (على ألّا يكون ذلك إطلاقاً خارج الأراضي المحتلة، إلّا إذا تعذّر مادياً اتّخاذ تدبير آخر). ويجب تفسير هذه الأسباب تفسيراً محدوداً وتبريرها بأسباب وجيهة ومقنعة – بحسن نية (انظروا هنا الفقرات 3191-3195). ويجب أن تلتزم جميع عمليات الإجلاء بعدة شروط وضمانات حفاظاً على سلامة الأشخاص المعنيين، بما فيها ضمان ظروف إجلاء إنسانية، وإتاحة مأوى مناسب للأشخاص الذين جرى إجلاؤهم، وتجنّب تفرّق شمل العائلات. وفي النهاية، يجب إعادة الأشخاص الذين جرى إجلاؤهم إلى منازلهم فور زوال الظروف التي استدعت إجلاءهم. ويجب أيضاً حماية حقوق ملكية الأشخاص النازحين.
وإلى جانب هذا الحظر الصريح، قد تتطلب قواعد أخرى من القانون الدولي الإنساني، كالقواعد المنبثقة من مبدأ الاحتياطات، من الأطراف السماح للمدنيين بالرحيل إلى مناطق أكثر أماناً كلّما أمكن ذلك، أو إجلاء المدنيين. وبموجب اتفاقية جنيف الرابعة، يتعيّن على الأطراف العمل على إقرار ترتيبات لنقل عدّة فئات من الأشخاص من المناطق المحاصرة أو المطوّقة. وإضافة إلى ذلك، تضع عدة قواعد حدوداً وضمانات محدّدة تتعلق بإجلاء الأطفال ونقلهم وترحيلهم (انظروا هنا وهنا). ويجب أن تتوافق جميع عمليات الإجلاء مع الحظر المفروض على النقل أو الترحيل الجبري، ومع قواعد القانون الدولي الإنساني ذات الصلة، بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية (انظروا هنا وهنا، الفقرات 3039-3046) والحظر المفروض على التمييز المجحف. ومن الناحية العملية، تُنظّم عمليات الإجلاء على أفضل وجه عندما تتّفق الأطراف المتحاربة على إجراءات تراعي الاعتبارات الإنسانية التي تتيح التنقل الآمن والكريم (انظروا هنا). وفي جميع الأحوال، يبقى المدنيون والأشخاص العاجزون عن القتال، الذين لا يغادرون أياً كانت الأسباب، محميين بموجب القانون الدولي الإنساني، ويجب عدم مهاجمتهم. ويجب حمايتهم من الضرر العرضي ومعاملتهم معاملة إنسانية وفقاً للقانون الدولي.
واستعداداً للنزوح الجماعي وعمليات الإجلاء خلال النزاعات واسعة النطاق، يتعيّن على الدول ضمان فهم قواعد القانون الدولي الإنساني ذات الصلة وإدماجها في الأطر القانونية والسياساتية المحلية. وينبغي للدول أن تضع خطط طوارئ مناسبة – مع تفويضات مؤسسية واضحة وموارد كافية – بالتنسيق مع القوات المسلحة والجهات الحكومية المعنية الأخرى، بما في ذلك منظمات الدفاع المدني. وفي حالة النزوح الجماعي عبر الحدود، ينبغي أيضاً تعزيز التعاون والتنسيق بين الدول. وفي المناطق التي يلوح فيها احتمال نشوب حرب بحرية واسعة النطاق، ينبغي أن تراعي الخطط التحديات الخاصة التي قد تواجه عمليات الإجلاء البحري، بما في ذلك التحديات الناجمة عن اتّساع المحيط (انظروا مثلاً هنا، الصفحة 59).
وعند التخطيط، ينبغي للدول أن تضمن توفير طرق إجلاء آمنة (مثل إنشاء ممرات إنسانية) وتوفير الظروف والخدمات الملائمة طوال فترة الإجلاء وعند الوصول إلى الوجهات. وعلاوة على ذلك، ينبغي للدول أن تتّخذ تدابير لمنع تشتّت العائلات أثناء عمليات الإجلاء، والحفاظ على الروابط العائلية أو إعادتها، والبحث عن المفقودين بسبب النزاع (انظروا الفقرة أدناه). وفي حال إجراء عمليات التفتيش الأمني للحفاظ على الطابع المدني والإنساني للمواقع، يجب أن تتوافق هذه العمليات مع القانون الدولي الإنساني وغيره من القوانين المنطبقة، ولا سيما القواعد الخاصة بالمعاملة الإنسانية والحرمان من الحرية. وأخيراً، يتعيّن على الدول، في مرحلة التخطيط، أن تراعي على النحو المناسب الفئات التي قد تحتاج إلى عناية خاصة، بمن فيها الأشخاص ذوو الإعاقة، والأطفال غير المصحوبين بذويهم، وكبار السن، والأشخاص في الرعاية المؤسسية.
الروابط العائلية، والمفقودون، والموتى
إن الالتزام العام باحترام الحياة العائلية قدر الإمكان قاعدة من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، وينعكس في العديد من الأحكام المحدّدة في المعاهدات. فعلى سبيل المثال، تقتضي اتفاقية جنيف الرابعة من الدول احترام “[الحقوق] العائلية” للأشخاص المحميين في جميع الأحوال. وفي هذا السياق، ينبغي للدول أن تتبنّى فهماً واسعاً للعائلة (انظروا هنا الفقرتين 2129-2130).
وفي النزاعات المسلحة الدولية، يتعيّن السماح لكل شخص مقيم في أراضي أحد أطراف النزاع أو في أراض يحتلها طرف في النزاع “بإبلاغ أفراد عائلته أينما كانوا الأخبار ذات الطابع العائلي المحض، وبتلقي أخبارهم“. وإذا لم تكن خدمات البريد العادي قادرة على أداء هذا الدور، وجب على الأطراف التشاور مع وسيط محايد، من قبيل الوكالة المركزية للبحث عن المفقودين التابعة للجنة الدولية (انظروا الفقرة أدناه)، لإيجاد حل. وينبغي للدول مراعاة التطورات التكنولوجية عند تفسير هذا الالتزام، بما يضمن حصول السكان المدنيين على أوسع نطاق ممكن من وسائل الاتصال (انظروا هنا الفقرتين 2138-2140).
ومن المرجح بشكل خاص أن تتعطّل خدمات البريد والاتصالات العادية في النزاعات واسعة النطاق. وبناء على ذلك، ينبغي أن تمكّن خطط الطوارئ التي تضعها الدول من استمرار تبادل الأخبار العائلية، بما في ذلك عبر الحدود، في مثل هذه الظروف. وقد يشمل ذلك، عند الضرورة، بدء المشاورات المنصوص عليها في المادة 25 قبل وقوع أيّ تعطّل خطير. وفي حال فرض رقابة، يجب أن توفّر الخطط موارد كافية لضمان عدم تسبّبها في حالات إبطال لا مبرر لها (انظروا هنا الفقرتين 2133 و2137).
ويُطلب كذلك من أطراف النزاع أن تسهّل “أعمال البحث التي يقوم بها أفراد العائلات المشتتة بسبب الحرب من أجل تجديد الاتصال بينهم وإذا أمكن جمع شملهم“. ويعزّز البروتوكول الإضافي الأول هذه القاعدة، حيثما ينطبق، إذ يلزم أطراف النزاع بتيسير جمع شمل العائلات التي شُتتت، قدر الإمكان. وتقرّ الاتفاقية والبروتوكول بالدور الذي تؤديه المنظمات الإنسانية (مثل اللجنة الدولية والجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر) في تيسير هذا الاتصال وجمع شمل العائلات.
ويتمثّل أحد الأهداف الشاملة لهذه القواعد وغيرها في ضمان حق العائلات في معرفة مصير أقاربها (انظروا هنا الصفحات 24-27). وللحيلولة دون وقوع الأشخاص في عداد المفقودين، وضمان معرفة العائلات بمصير أفرادها، تنص اتفاقيات جنيف على نظام لجمع المعلومات وتركيزها ونقلها، سواء عن الأفراد العسكريين أو المدنيين. وتنطبق هذه الالتزامات على الأشخاص المحميين، أي أولئك الذين يجدون أنفسهم تحت سلطة طرف في النزاع ليسوا من رعاياه، وذلك دون أيّ قيود جغرافية، ومن ثم يمكن أن تنطبق أيضاً في البحر (انظروا هنا الفقرة 1038).
ومن الجدير بالذكر أنه عند اندلاع نزاع، وفي جميع حالات الاحتلال، يتعيّن على كل طرف من الأطراف إنشاء مكتب وطني للاستعلامات (انظروا هنا). وتتمثل وظيفة المكتب الوطني للاستعلامات في جمع المعلومات المحدّدة وتركيزها ونقلها، بما في ذلك إلى “وكالة مركزية“، وهي جهة دأبت اللجنة الدولية على تشغيلها في الممارسة العملية – وهو دور أكّد عليه البروتوكول الإضافي الأول والنظام الأساسي للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.
ويتعيّن على الدول أيضاً البحث عن الأشخاص الذين دخلوا في عداد المفقودين وتزويد أفراد عائلتهم بأيّ معلومات عن مصيرهم، بما في ذلك ما إذا كانوا قد توفوا – حتى بعد انتهاء النزاع (انظروا مثلاً هنا وهنا). وينص البروتوكول الإضافي الأول مجدداً وصراحة على دور الوكالة المركزية للبحث عن المفقودين التابعة للجنة الدولية. وعلاوة على ذلك، يتضمّن القانون الدولي الإنساني التزامات تتعلّق باحترام جثث الموتى واستخراجها، ويقتضي جمع معلومات عنهم بهدف التعرّف عليهم (انظروا مثلاً هنا وهنا وهنا). وتنطبق أيضاً الالتزامات المتعلقة بالمفقودين والموتى على أولئك الذين قد يُفقدون في البحر (انظروا مثلاً المواد 8-11، و32-34 من البروتوكول الإضافي الأول).
الخلاصة
يتضمّن القانون الدولي الإنساني مجموعة واسعة من القواعد المصمّمة للحفاظ على إمكانية تنقّل المدنيين طواعية، وحمايتهم من الترحيل القسري غير الضروري وحالات النزوح الجماعي، وضمان معاملتهم معاملة إنسانية وحماية الروابط العائلية. ولا يمكن لهذه القواعد أن تحقّق أهدافها المرجوة إلّا إذا فُسّرت ونُفّذت بحسن نية، من خلال تدابير فعالة. ويتطلّب ذلك بدوره من الدول أن تدرج هذه التدابير في عمليات التخطيط ذات الصلة والأطر القانونية والسياساتية، وقرارات تخصيص الموارد. ويمكن معالجة الآثار الإنسانية على أفضل وجه من خلال الحيلولة دون نشوب النزاعات المسلحة وتجنبها في المقام الأول. وعندما يُنظر إلى الاستعدادات لنزاع واسع النطاق على أنها ضرورية، يتعيّن مراعاة مسائل التنقل والنزوح الجماعي والحفاظ على الروابط العائلية.
نشر هذا المقال بالإنكليزية في مدونة “القانون الإنساني والسياسات”



تعليقات