صحافيو المهام الإنسانية الخاصة: نحو منظومة متخصصة تحمي الإغاثة في مناطق النزاعات

, ثقافة / وجهات نظر

صحافيو المهام الإنسانية الخاصة: نحو منظومة متخصصة تحمي الإغاثة في مناطق النزاعات

المصدر: Free press Unlimited Resource Space مرخصة بموجب رخصة المشاع الإبداعي

يعتبر اعتماد المؤسسات الدولية للعمل الإنساني على مبادئ السلامة المهنية للصحفيين في البيئات المعادية للعمل الإعلامي وأساليب إدارتهم للمعلومات وأسس تدفقها للجمهور من أهم مرتكزات قوة تلك المؤسسات في الظروف الطارئة، فهي تُعينها على إدارة الحوار العام بالقضايا المتصلة بالعمل الإنساني وتوفير بيئة مناصرة لمشاريعها الوطنية والدولية العابرة للحدود، وتضمن لها الريادة والسبق في سردية تدخلها في الأحداث الخاصة التي تتشابك بها المصالح المتصلة بأطراف الصراع. من هنا تنبع الحاجة إلى تصوّر جديد: منظومة إعلامية إنسانية متخصصة، تتجاوز العمل الروتيني المعتاد، وتقوم على فِرق مدرّبة قادرة على الانخراط السريع في الأحداث وقيادتها لا اللحاق بها. وهذه الحاجة باتت اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، بعد أن كسرت المنصّات الرقمية وشبكات التواصل احتكار المؤسسات الإعلامية للمعلومة، وبعد أن امتلكت أطراف الصراع منظوماتها الإعلامية الخاصة المنحازة لأجنداتها. في هذا المقال، يطرح خالد القضاة تصوّراً متكاملاً لهذه المنظومة، عبر أربعة محاور: الفرق الصحفية للمهام الخاصة، والفرق الإعلامية للتدخل السريع، وضباط السلامة المهنية، والتمارين الوهمية الإعلامية.

لا تعني السلامة المهنية للإعلاميين المشتبكين بالعمل الإنساني فقط السلامة الجسدية للصحفيين وسلامة معداتهم، بل تتعدى ذلك لسلامة دور المؤسسات الإنسانية وأثرها في المجتمع الدولي، وسلامة المصادر ومسرح الأحداث والضحايا والأسرى وشهود العيان. يضاف لذلك سلامة بنية المؤسسات ذاتها وثوابتها وتجنيبها خطاب الكراهية والاستهداف، وحمايتها من الحملات الممنهجة لتقويض حيادها، وما قد يحدثه تدخلها من انقسامات مفتعلة تستغله أطراف الصراع بغرض تحقيق مكاسب في مسرح العمليات أو طرق العبور. كما تمنع السلامة المهنية من خلال تطبيق مبادئ الكتابة الآمنة التفرد بامتلاك المعلومات والتعليق عليها وتوظيفها لصالح أجندات أطراف الصراع.

من شأن السلامة المهنية المتصلة بالإنتاج الصحفي الإنساني في البيئات المعادية للعمل الإعلامي أن تجعل من المؤسسات الإعلامية فاعلا رئيسا في تشكيل الحوار عبر الفضاء الرقمي، والمزود الأمين للمعلومات لرواده، وتعيدها إلى مكانها الصحيح بين المؤسسات الواعية التي تعتمد عليها المنظمات الانسانية لتنفيذ مشاريعها والدفاع عن دورها وتجاوز الأزمات الإقليمية التي قد تعصف ببؤر الصراع بكل قوة.

ويرتكز الإنتاج الإعلامي الإنساني المعقد والمستند لمبادئ السلامة المهنية على المرونة في سلاسل توريد المعلومات، المرتبطة بالأصل بالبيانات الخام مثل الجداول والكشوفات وإدارتها وإعادة إنتاجها بتسلسل وفقا للقوة العسكرية أو لعدد العناصر المشاركة وكفاءتها، أو لعدد الهزات الأرضية في الكوارث الطبيعية ودرجة ومركز كل هزة… وينتج عن هذا النسق سيناريوهات اخبارية متوقعة تدفع الصحافيين للتأهب للوصول الى تلك المناطق المتضررة، وتوقع من يتكون الفئات الأكثر معاناة، وما المساعدات المتوقعة واللازمة لهم، وطبيعة تلك التدخلات سواء كانت طبية أو عسكرية أو إغاثية وشكلها ومقدارها.

وتقوم بذلك الفرق الصحافية المتخصصة والتي يجري تدريبها على سرعة الانخراط بالأحداث وقيادتها من خلال تشكيل منظومة إعلامية للتدخل السريع، وفرقاً صحافية للمهام الخاصة ومرتبطة بضباط السلامة المهنية في المؤسسات لإدارة الفِرق الميدانية ووضع سيناريوهات الأحداث والنقاط الحرجة للتدخل أو الانسحاب.

ولضمان الكفاءة في التدخل تجري المؤسسات الإعلامية تمارينًا وهمية لأحداث افتراضية للتأكد من كفاءة سلسلة توريد وتدفق المعلومات باتجاهاتها الصحيحة وبالمحتوى المطلوب وبالتوقيت السليم، ومدى كفاءة الفِرق الفنية والتقنية لإدامتها، وقانونية استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإنتاج الإعلامي، بهدف توحيد ودعم الجهود الإنسانية إعلاميًا ولخلق بيئة مناصرة لتدخل المنظمات الانسانية ورافضة للعنف العابر للحدود بدرجة عالية من الكفاءة عبر خطاب واعٍ يرفع مستوى إدراك الرأي العام بمخاطره ويتصدى للحملات المعادية لعمل تلك المؤسسات استنادًا للأثر الإنساني الذي تحدثه في حماية الابرياء وتقديم الدعم للفئات الهشة.

وأدى تفاوت الخبرات بهذه المنظومة والإمكانات المتوفرة في المؤسسات الإعلامية في مختلف الدول الى تباين واسع ويمكن وصفه بالعشوائي في السياسات التحريرية المتصلة بالتغطية الصحافية الميدانية لتدخلات المنظمات الدولية الإنسانية، فأضحت الحقيقة ونبل الأعمال الإنسانية والاغاثية عرضة للتشويه.

واستنادا للاستراتيجية المعلنة للجنة الدولية للصليب الأحمر في العمل المنحاز للإنسان واستكمالا لدورها التاريخي في نشر مبادئ الإغاثة والعون في بؤر الصراع والذي حظي بالاحترام والثقة على امتداد عقود خلت، فلا بد أن يتم تأطير هذا الجهد والاستفادة من التجارب والخبرات المتراكمة لدى كوادر اللجنة وقادتها لتأسيس منظومة للصحافة الإنسانية تتخطى العمل الروتيني المعتاد للوصول إلى التخصص أسوة بباقي التخصصات الصحفية ابتداء بالسياسية ومرورا بالاقتصادية ووصولا للرياضية، والذين سبق وحققوا نجاحات واضحة وقادوا تخصصاتهم نحو التميز والتفرد بالأثر.

أصبحت الحاجة لتأسيس هذه المنظومة أكثر الحاحا في ظل الانتشار الهائل للمنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي التي كسرت احتكار المؤسسات الإعلامية للوصول إلى المعلومات وانتاجها وبثها، إضافة لامتلاك أطراف الصراع منظومات إعلامية خاصة بها تنحاز فيها لأجندتها ومخططاتها، ووفقا لعدة محاور.

الفرق الصحفية للمهام الخاصة

استدعى تعدد الأحداث وتواليها في منطقة الشرق الأوسط، من حروب وصراعات إقليمية وظهور حركات التحرر والمقاومة والتنظيمات والجماعات المسلحة كما حدث بقطاع غزة والضفة الغربية في فلسطين، وتعرض العديد من الدول للكوارث الطبيعية مثل: الأوبئة والفيضانات والزلازل وان اخرها الزلازل الذي ضرب تركيا وسوريا، استدعى تدخلا من المنظمات الدولية الانسانية لتقديم الدعم العابر للحدود. ولكن هذا التدخل كان عرضة للاستهداف والتشكيك نتيجة لغياب منظومة إعلامية قادرة على حمايته من محاولات أطراف الصراع توظيف هذا التدخل لخدمة أجندتها الخاصة فاتهمت المنظمات الدولية بعدم بذل الجهد الكافي لزيارة المخطوفين والمعتقلين والأسرى، وعدم القدرة على حماية المدنيين وإيصال المساعدات لهم، إضافة لنشر معلومات على شبكات التواصل الاجتماعي تدعي الانحياز لطرف بسبب حيادتيها.

 وتأثير ذلك على الرأي العام، برزت الحاجة لتبني فكرة تدريب الصحافيين على التغطية الميدانية للأعمال الاغاثية بتشكيل “الفرق الصحافية للمهام الخاصة الانسانية”، لتحمي دور المنظمات وتدخلها الإنساني، ولنقل الأحداث من ساحات الصراع مباشرة إلى العالم، بمنظور مدرك لدقة الأحداث وتداعياتها المستقبلية، وفقا للمعايير الفضلى في التغطية الصحافية الميدانية، وهذا لا يعني عدم وجود تلك الفرق (الخاصة والتدخل السريع) في المؤسسات، بل ظهرت على شكل جهود فردية بمبادرات من صحافيين متحمسين، ولكن هذا الحماس مرتبط بشخصية رئيس التحرير ورغباته والسياسات التحريرية ويمكن ان تتلاشي بغياب أبرز عناصرها أو بتغيير اهتمامات قياداتها وانحيازاتهم السياسية، أو قد تصطدم بشح الإمكانات والخطورة العالية لقلة التدريب والتأهيل.

يمكن لهذه الفِرق أن تتبع مباشرة للمنظمات الإنسانية أو تكون تابعة للمؤسسات الإعلامية، هدفها الأسمى منع العبث بالجهود ومقدرات المؤسسات، وضمان تدفق المعلومات من مصادرها، وتوجيه الرأي العام وتزويد الجمهور بالمعلومات الدقيقة بعيدا عن التهويل وأجندات أطراف الصراع وهواة شبكات التواصل الاجتماعي، لتصبح تلك الفرق مصدراً للأخبار لباقي المؤسسات الإعلامية على مستوى العالم وللمنصات الرقمية.

وتتمتع هذه الفِرق بمهام عابرة للحدود من خلال مرافقتها لفرق المساعدات والأعمال الانسانية والإغاثية، وتخضع لتدريبات خاصة ولديها مهارات التعامل مع البيئات الصعبة والمعادية للعمل الإعلامي، مثل: النزاعات العسكرية والعمليات الأمنية والحرائق والكوارث والأوبئة، والتحرك بين الحشود، وعبور الحواجز. وهي يمكن أن تضم صحافيين وتقنيين مجهزين بالمعدات اللازمة لأداء المهام، وفقاً لطبيعة المهمة ومداها الجغرافي وأطراف الصراع في البيئات المعادية.

ويتم تدريب فرق المهام الخاصة على إنتاج محتوى إعلامي يعبّر بدقة عن الواقع، ويستخدم مصطلحات تنسجم مع ثوابت العمل الانساني كما أنه:

– يحدد آليات التعاون مع الزملاء والزميلات في الميدان، والقدرة على العمل تحت الضغط لساعات طويلة؛

– يضع آليات لمواصلة العمل أو التوقف أو الانسحاب؛

– يمكنه التنبؤ بتحركات مختلف الأطراف وتقدير النقطة الحرجة وفقا لخارطة الموقع، ووضع سيناريوهات للاستجابة مع مختلف المتغيرات الميدانية؛

– يختار التوقيت والمكان المناسبين للبث المباشر وزوايا التصوير؛

– يضمن تواصل دائم ما بين أفراد الطاقم الميداني وضابط السلامة المهنية؛

– ويضمن إتباع تعليمات العمل في البيئات المعادية خلال إجراء المقابلات الميدانية، والبحث عن السبق الصحافي، ومعرفة حدود الإفصاح عن مهام الفريق وطبيعة عمله على منصات التواصل الاجتماعي.

 الفرق الإعلامية للتدخل السريع

تحاول الكثير من المنظمات الدولية الإنسانية تطوير منظومة الاستجابة الإعلامية لديها وقت الازمات والأحداث الطارئة، ولكن هذه الاستجابة بقيت وليدة اللحظة دون أن تكون هنالك منظومة تحكم عملها واستجابتها بشكل مستدام، فظهرت فكرة تشكيل فِرَق إعلامية للتدخل السريع، تخضع لتدريبات خاصة وتتمتع بمهارات عالية الكفاءة، وتقوم بمهام معقدة ومتشابكة، وتمتلك قدرة على العمل بقوة الدفع الذاتي للمبادرة والتدخل دون مرجعيات معقدة، سواء داخل المنظمات الإنسانية أو في المؤسسات الإعلامية. وهنا تبرز أهمية تبني مشروع لتدريب كوادر وسائل الإعلام والدوائر الإعلامية، على تشكيل “الفرق الإعلامية للتدخل السريع” في الحالات الطارئة تكون جاهزة للتدخل على مدار العام.

وتعمل هذه الفرق على المستويين المحلي والخارجي:

  • محليا؛ تعمل على دراسة الفضاء الرقمي وآليات التصدي للحملات الموجهة وانتشار “الذباب الالكتروني” في الظروف الطارئة والأحداث الخاصة، ومعرفة مصادره وتتبع منافذه، وآليات الاشتباك الإعلامي مع مختلف القضايا الإنسانية الناتجة عن الكوارث أو الصراعات المسلحة. كما تدرس إعلام وأدوات كل الأطراف وحججهم وتأثيرها على الرأي العام وإدارتهم للمعلومات وقدرتهم على الوصول للمصادر ولمسرح الأحداث. ومنها تضع سيناريوهات لتدفق المعلومات وتواليها عبر المؤسسات المعنية، وتصنيف المؤسسات الإعلامية والمفاضلة بينها وفقا للإحداث وتطورها، وتسهيل مهمة الخبراء في الظهور على المؤسسات الإعلامية المحلية والدولية وأسس مخاطبة جمهور كل واحدة منها. كما تضع التصورات المحتملة لتدفق الفِرق الإعلامية الدولية لمتابعة الأحداث، وسبل تتبع عملهم وآليات تسهيل مهمتهم وفقا لما تقتضيه المصلحة العامة.
  • خارجيا؛ يتم تدريب هذه الفِرق على القيام بمهام مرافقة الوفود الرسمية للمنظمات الإنسانية في الزيارات الخارجية وتوفير بيئة مناصرة لأعمالها وداعمة لتمويل لجهودها. كما تحدد وآليات الاشتباك الإعلامي والرصد للصحافيين وللمؤسسات الإعلامية، ودراسة مكان وتوقيت عقد المؤتمرات الصحفية والتقنيات المتوفرة للبث المباشر والنقل المسجّل، والخلفيات ورمزيتها السياسية والدينية. وترسم وسيناريوهات واحتمالات طرح الأسئلة في المؤتمرات واختيار اللحظة المناسبة، وتمرير المعلومات، وبناء علاقات ودية مع الصحافيين والاشتباك معهم بلغتهم وثقافتهم.

فضلا عن دراسة كتاب المقالات والصحافيين المتميزين والمؤثرين ومقدمي البرامج التلفزيونية المنحازين للأعمال الانسانية ولجهود المنظمات الدولية، وأسس ظهور المتحدثين والخبراء على المؤسسات الإعلامية المختلفة، وتقييم مدى التزام الجهات المستضيفة بالبروتوكول المعتمد بين الطرفين والتطورات المحتملة، وقدرة الصحافيين للوصول للوفد الرسمي، وآليات الرقابة التي يعتمدها الإعلام سواء كانت مدنية أو عسكرية، وطرق البث. وهي تدرس التشريعات الإعلامية النافذة والجهات المختصة بتنفيذ القانون، ووضع أسس مدونة سلوك خاصة بقبول الهدايا ولاسيما الالكترونية منها خوفا من الاختراق الأمني، وضرورة خضوعها للتدقيق المختص، وسبل الاعتذار المعتمدة، والتدقيق في حقائب السفر والتي يجب أن تدل على شخصية حاملها في غيابه، والمهام المناطة به وعدم نقل أمانات لأشخاص أو أقارب قد تثير الشبهات، وماهية المعلومات التي يمكن نشرها على شبكات التواصل الاجتماعي، وما هي البرامج التطبيقات المحملة على الهاتف الشخصي، فبعض الدول لا تسمح بدخول أشخاص تحمل هواتفهم برامج لإخفاء الهوية مثل برامج VPN.

 ضباط السلامة المهنية

استحدثت الكثير من المؤسسات الإعلامية الكبرى مثل وكالات الأنباء (رويترز، أسوشيتد برس..)، وشبكة “سي إن إن” والجزيرة الإعلامية، وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، وصحيفة الغارديان، وصحيفة واشنطن بوست، و”دويتشه فيله” الألمانية، تخصصاً في غرفة الأخبار تحت مسمى “ضابط السلامة المهنية” وإدارة المخاطر. مهمة هذا الضابط هي تقديم ورقة تقدير موقف للتغطيات الميدانية في مناطق الكوارث الطبيعية، أو النزاعات المسلحة وفي البيئات المناصرة لها، والتي تنوي المؤسسة القيام بها، سواء من خلال إرسال فرق صحافية للنقل المباشر، أو لتزويد المؤسسة بتقارير ميدانية متوالية.

ويتم تدريب الضباط على دراسة البيئة التي سيعمل فيها الفريق الميداني (منطقة أعمال عسكرية، زلازل، فيضانات، حرائق، نزاعات، توترات سياسية)، ووضع تصورات حول أطراف الصراع، وتحديد مصفوفة المخاطر المتمثلة في الكوارث الطبيعية باحتمالية محاصرة الفرق الإعلامية بالانهيارات والنيران وانتشار الأوبية، وفي الصراعات المسلحة بمحاولة خطفهم لطلب فدية، أو عدم تقبل المجتمعات المحلية وجود فرق إعلامية بينها (لاسيما إن كان بينهم صحافيات)، ومخاطر تقنية مثل التنقل والإقامة ودخول حقول الألغام أو مناطق تعرضت للقصف، أو قانونية  مثل تصريح البث والظهور في الأماكن العامة، وتأثير هذه المخاطر على عمل الفرق الإعلامية الميدانية وسلامة معداتها ووضع التدابير المضادة، والقدرة على البث والعمل في تلك البيئة، وطرق الوصول إليها ومغادرتها، وتحديد ما إذا كانت بيئة معادية للعمل الصحافي أم لا.

فإذا أوصت ورقة تقدير الموقف من ضابط السلامة المهنية بعدم إرسال فرق ميدانية، يتم تدريبه على اقتراح بدائل، مثل: الاستعانة أو التعاقد مع فرق محلية، أو الاستفادة مما يبثه أطراف الصراع على شبكات التواصل الاجتماعي، أو الربط عبر التطبيقات بتجهيزات ذاتية أو مستأجرة مع متحدثين أو خبراء من المنطقة.

 وإذا أوصى بإرسال فرق ميدانية، سيتم تدريبها على تقديم التوصيات وتشمل: تحديد المهارات اللازمة للصحافيين، والفريق التقني المرافق، وتحديد الفريق المساند مثل الإداري، والمترجم، والسائق، والمرشد، ومراحل الاستعانة بهم أثناء تنفيذ المهمة، وتحديد طرق الانتقال، سواء عبر البر مع تحديد الوسيلة، أو عبر الطيران، وتحديد خط الرحلة، وأماكن الإقامة في موقع الحدث، وطريقة إرسال التقارير والتواصل مع المؤسسة. كما يضع خطة الاتصال ما بين المؤسسة وأفراد الفريق، وتنظيم حركة الفريق اليومية وتحديد المناطق والأوقات الحرجة، ووضع تصورات عن أطراف الصراع ومدى تقبلهم لوجودهم. ويحدد الأدوات التي يستخدمها كل طرف، وإمكانية دخولها إلى ساحة الأحداث أو تواجدها في البيئة المحيطة وخطورتها على الصحافيين، وطرق نقلها واستخدامها، سواء كانت معدات مثل العصي والأسلحة والغازات أو حشودًا بشرية ومدى اقترابها من الأماكن الحساسة.

يضاف إلى ذلك متابعته لكل ما يُبث عن الحدث نفسه من المؤسسات الإعلامية الأخرى، والتصريحات الصادرة من قبل كل الأطراف، لوضع تصورات للتأقلم مع الأوضاع الجديدة وسيناريوهات تطورها، وتحديد لحظة إصدار الأوامر بالتقدم أو الانسحاب. وهو يبدي رأيه أيضا بالضيوف والخبراء المزمع استضافتهم في الاستوديوهات، وعلاقتهم بأطراف الصراع، وأثر تصريحاتهم على الفرق الميدانية وتوقع ردود الفعل على المواد المبثوثة والتقارير المنشورة، أكانت مرحبة أو غاضبة، والتهديدات المحتملة على الفرق الميدانية أو مباني المؤسسة ومكاتبها، سواء كانت بشرية أو إلكترونية. ويوجه النصائح والإرشادات حول كشف المراقبة الفردية أو الإلكترونية، وطرق رصدها والتعامل معها، وحماية الأمن الرقمي للمعدات وأجهزة البث. وتتضمن مسؤولياته تحديد الجهات والمؤسسات القادرة على تقديم المساعدة القانونية أو الطبية، وطرق التواصل معها، والاحتياطات الإضافية إذا كان الفريق يضم إناثاً، وآليات تجاوز الحدود والحواجز والحصار، والأوراق الثبوتية اللازمة، وتزويد الفريق بالإشارات اللازمة التي تدل على عملهم الصحافي، واقتراح تمارين وهمية لقياس مدى الاستجابة الإعلامية.

تمرين وهمي إعلامي

استفادت الكثير من المؤسسات من الخبرات المتراكمة للأجهزة الأمنية والدفاع المدني والقوات المسلحة في تنفيذ التمارين الوهمية، من خلال تعيين الضباط المتقاعدين من المؤسسات العسكرية والأمنية للكشف عن جاهزية الفرق الصحافية وقدرتها على التعامل مع الأحداث الطارئة في بيئات عمل مختلفة. وهو يعد بالنسبة للمؤسسات الإعلامية امتدادا لاستعداداتها كإصدارها أعدادا صفرية في الصحف والبث التجريبي في المحطات الاذاعية والتلفزيونية والبث خارج شبكة الانترنت قبل جعل المواقع الالكترونية الإخبارية المرئية متاحة للجميع، ولكن الفارق هنا أن الكادر الميداني والمؤسسة معرضة لخطر يهدد وجودها أو حياة العاملين فيها.

ويمكن تطبيق هذا التمرين في المنظمات الإنسانية الدولية حيث تفترض وجود رسالة تريد بثّها للجمهور، فتختار المحتوى، وتضبطه، وتفحص كفاءة وسرعة إنجازه لدى كوادرها بالصيغ المختلفة، كما تختبر قنوات اتصالها مع المؤسسات الإعلامية، وتُجهّز كوادرها للرد على استفسارات الصحافيين، وتفحص كفاءة المتحدثين باسمها وقدرتهم على الظهور في وسائل الإعلام، وتجهيزاتها الداخلية لعقد مؤتمر صحافي، والاشتباك مع الإعلاميين والوفاء بمتطلباتهم التقنية، إضافة إلى إدارة المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي الخاصة بها، وقياس رجع الصدى والاستجابة الاعلامية من لجانها في مختلف أنحاء العالم، دون الوصول إلى الجمهور منعاً للتشويش على الفضاء العام.

أما في المؤسسات الإعلامية، فيكون شكل التمرين الوهمي مختلفاً، حيث يركّز على الاستجابة للأحداث الطارئة مثل المواجهات المسلحة أو الفيضانات والكوارث الطبيعية، أو للأحداث التي تتطلب عملاً استثنائياً على مدار الساعة ولفترة محدودة، مثل: عمليات تبادل الرهائن والأسرى، أو تغطية حدث خارجي له امتدادات إقليمية.

في مثل هذه الحالات، تختبر المؤسسة قدرتها على الاستجابة الإعلامية من خلال تمرين وهمي، تضع فيه فرضية محددة، وتُقيم كفاءتها في التعامل معه، عبر وضع سيناريوهات للتغطية الإعلامية. ويتم قياس قدرة الكوادر الصحفية وكفاءتهم للتغطية على مدار الساعة، سواء في الاستوديو أو بالتغطية الميدانية، وقياس فعالية المعدات وكفاءة الفرق التقنية على تشغيلها، بالإضافة إلى توفر الخدمات الإدارية المساندة وقدرتها على توفير مستلزمات الإنتاج في التوقيت الصحيح.

وقد يكشف إجراء التمارين الوهمية الإعلامية التي يقترحها ضباط السلامة المهنية عيوبًا في سلسلة الإنتاج مثل: نقص الكوادر الصحافية أو حاجتهم للتأهيل والتدريب، أو عدم مواكبة التقنيات المتوفرة لمتطلبات العمل الإعلامي الحديث، خصوصاً في عصر السرعة والذكاء الاصطناعي. فالصحافة الإنسانية تعظم الإجابة على سؤال “من؟” ضمن الأسئلة الصحافية الستة التي يتطلع الجمهور لمعرفة الإجابات عليها، وتجهّل من الإجابات على باقي الأسئلة (أين؟، ومتى؟، وماذا؟، ولماذا؟، وكيف؟، إضافة لـ كم؟) وفي هذا تجسيد حقيقي لرسالة الصحافة التي تنحاز للإنسان، فلا قيمة للأحداث والأماكن والأزمان ولا الأسباب إذا تم عزلها عن الإنسان. فالصحافة الإنسانية بأسمى أهدافها تسعى لصون الحقوق التي ولدت أصيلة مع الإنسان وتحفظ الحق بتشكيل رأي عام منحاز دوما لجميع الشعوب بالتمتع بإنسانتيهم.

شارك هذا المقال

تعليقات

لا توجد تعليقات الآن.

اترك تعليقًا