بين الفقد والانتظار مساحةٌ رماديةٌ يصعب على الكلمات أن تصفها، يعيش فيها آلاف الأشخاص حول العالم ممكن فقدوا أحبة لهم بسبب الحروب أو النزوح أو الكوارث. يمضون الوقت منتظرين أحبّةٍ اختفوا معتمدين على الأمل في أن يسمعوا يوما خبًرا عنهم يدلهم على مصيرهم. في هذه المساحة تحديدًا، اختار الفنان التشكيلي الأردني ماهر الشعيبي أن يصنع لوحاته محاولًا منح الغياب صورةً، والانتظار لونًا، والألم الصامت صوتًا.
بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، اقترب الشعيبي من عائلات المفقودين واستمع إلى قصصهم، ليعيش تفاصيل ألهمته ويترجمها إلى أعمالٍ بصرية تنقل تجاربهم لمن لم يعش ألم الفقد. في هذا الحوار، يتحدث الفنان عن رحلته مع قضية المفقودين، وعن المسؤولية الأخلاقية للفن حين يقترب من الجراح الإنسانية، حتى لا تتحول تلك القضية إلى مجرد خبر عابر.
في مرسمه في عمان لا يتعامل الفنان التشكيلي ماهر الشعيبي مع اللّون والخط باعتبارهما أدوات فنية فحسب، بل يحاول تحويلهما إلى لغة قادرة على التعبير عن واحدة من أكثر التجارب الإنسانية قسوة وهي فقدان شخص وانتظار عودته من دون معرفة مصيره.
فعندما طلبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الشعيبي أن يتعاون معها في إيصال قضية المفقودين من خلال فن الرسم لم تكن موافقته نابعة من رغبة في الاقتراب من الحزن بقدر ما جاءت من إيمانه بأن الفن يجب أن يكون جزءا من حياة الناس والأحداث التي يعيشونها. ويقول الشعيبي أن “شعور الفقد هو أثقل شعور يمر على القلوب، فالإنسان يسمع يوميًا عن الحروب والكوارث وحالات الفقد، فيتأثر بها للحظات، لكنه يعود إلى حياته ويحاول أن ينسى حتى يستطيع الاستمرار؛ أما الشخص الذي فقد قريبًا أو فردًا من أسرته، فلا يستطيع تجاوز التجربة ببساطة ويستمر في عيش تفاصيلها وانتظار خبر أو اتصال أو طرقة على الباب قد تحمل إليه إجابة فيما تبقى في صدره غصة لا تبرأ ولا تزول”.
هذا الشعور هو ما دفع الشعيبي إلى الاتجاه نحو الفن الإنساني والتعامل مع قصص الفقد باعتبارها تجارب يجب ألا تتحول إلى أخبار عابرة.
من القصة إلى اللوحة
بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر اقترب الفنان من عائلات وأشخاص عاشوا تجربة فقدان فرد من أسرتهم، واستمع إلى قصصهم قبل أن يحاول ترجمتها إلى أعمال بصرية رمليّة. يقول الشعيبي إن مهمته لم تكن مجرد رسم ما سمعه على الرمل، بل عيش المرحلة قبل تحويلها إلى صورة؛ فالفقد بالنسبة إليه ليس لحظة واحدة، وإنما مراحل تبدأ بالصدمة ثم البحث والاتصالات وانتظار الأخبار وصولا إلى سنوات طويلة من عدم اليقين. يقول الشعيبي: “ماذا لو كانت أم قد فقدت أحد أطفالها؟ كيف تكون رحلتها؟ وإذا كانت أختًا أو زوجةً أو أبًا، ماذا يعني أن يعيش الإنسان هذا الانتظار؟”
من هنا حاول الفنان أن يضع نفسه مكان أصحاب المفقودين وأن يرى العالم من زاويتهم، قبل أن يسأل نفسه السؤال التالي: “كيف يمكن أن أنقل هذه التجربة عن طريق الرمل إلى شخص لم يعشها؟”
بالنسبة للفنان تكمن الإجابة في الصورة. فالفن التشكيلي كما يقول، يستطيع أن يتجاوز اختلاف اللغات والثقافات والتعليم “فقد لا يفهم شخص ما قصيدةً أو مقالاً أو حديثًا لكنه يستطيع أن يتفاعل مع صورة، أو لون، أو حركة، أو مشهد بصري. ودورك كفنان أن توضح تلك الصورة أن تنشئ تواصلاً بصريًا”.
يضيف الشعيبي “أن اللوحة لا تخاطب فقط من يعرف قصة المفقود، بل يمكن أن تجعل شخصًا بعيدًا عن هذه التجربة يتوقف ويسأل نفسه عما يشعر به إنسان ينتظر شخصًا غائبًا منذ سنوات”. خاصًة وأن الرسم على الرمل مستوحى من رحلة الأهالي وهجرتهم من بلد إلى آخر. حيث آثار الرسم على الرمل ترمز إلى الأشخاص الذين غابوا، ومن هنا أيضا تنبع فكرة الأمل في معرفة مصير المفقودين إذ يمكن إعادة رسم كل ما محاه الماضي.
الانتظار أقسى مراحل الفقد
عندما سألته عن أكثر مراحل تجربة الفقد التي أثرت فيه، لم يتردد في الإجابة” الانتظار”. يقول الشعيبي إن الانتظار من دون إجابة قد يكون أقسى من الألم نفسه لأن الشخص لا يعرف ما الذي ينتظره. قد يكون الانتظار لسنوات وقد يتحول كل صوت في الحياة اليومية إلى احتمال لوصول خبر، رنين هاتف، طرق على الباب أو رسالة.
ومن هذه التفاصيل استوحى الفنان صورًا أراد من خلالها تجسيد تلك الأفكار في أعماله، فترى جرس الهاتف وطرق الباب ورسالة داخل زجاجة يحملها البحر، وشجرة تبدو يابسة ثم تعود للاخضرار، باعتبارها رمزا للأمل.
يقول الشعيبي “إن الزمن في حياة أهالي المفقودين يبدو وكأنه توقف بينما يستمر العالم من حولهم في الحركة.” ويؤكد ان الرسالة التي يريد إيصالها ليست بغاية إظهار هؤلاء داخل مأساتهم وإنما منحهم مساحة للحديث والتعبير مع التمسك بالأمل.
“لا تفقدوا الأمل”، يقول الشعيبي، مشددا في الوقت نفسه على أهمية الحقيقة خصوصًا بالنسبة للأطفال الذين يعيشون غياب أحد الوالدين من دون معرفة مصيره.
حميدة: قصة تحولت إلى مصدر إلهام
من بين القصص التي تركت أثرا عميقا في وجدان الفنان قصة حميدة، وهي إحدى السيدات اللواتي عشن تجربة فقدان أحد أفراد أسرتها. استمع الفنان إلى تجربتها قبل أن يبدأ العمل واكتشف أن قصتها لم تتوقف عند الفقد فقد تمكنت لاحقا من العثور على شقيقها، وتحولت هي نفسها إلى شخص يقدم الدعم لآخرين يعيشون التجربة ذاتها.هذا التحول لفت انتباه الفنان الشعيبي، الذي رأى فيه مثالًا على قدرة الإنسان على الانتقال من موقع المتألم إلى موقع الداعم .
يقول ماهر الشعيبي إن جلوسه مع حميدة والاستماع إلى تجربتها جعله يشعر بأن عليه مسؤولية في تحويل الكلمات إلى صورة وأن دوره كفنان يمكن أن يكون جزءًا من منظومة الدعم التي تقدمها الجهات الإنسانية .
ويضيف الشعيبي أن أهمية اللجنة الدولية بالنسبة إليه لم تكن فقط في تعريفه بقصص المفقودين وإنما في إتاحة الفرصة له للقاء أشخاص عاشوا هذه التجارب فعلياً. يقول “نحن لا نريد أن نسمع القصة كأننا نشاهد فيلما على التلفزيون، نحن عشنا المرحلة الإنسانية مع أشخاص حقيقيين”.
الفن كمساحة للتّخفُف من الألم
وخلال تجربته لاحظ الفنان الشعيبي أن بعض أفراد الأسر كانوا في البداية غير قادرين على الحديث عن الفقد، أو أنهم يشعرون بأن الكلام لن يغيّر شيئًا. لكن بحسب قوله، بدأ هذا الموقف يتغير عندما وجدوا شخصًا يستمع إليهم ويفهم طبيعة ما يعيشونه. “مجرد الحديث يريح النفس”، يقول، موضحا أن الاستماع قد يكون في حد ذاته شكلا من أشكال الدعم.
وبالنسبة إليه تستطيع اللوحة أن تقوم بالدور نفسه، فالشخص الذي يرى نفسه أو تجربته في عمل فني قد يشعر بأن هناك من فهمه، حتى لو لم يكن الفنان قادرًا على حل مشكلته، وبعض الأشخاص طلبوا الاحتفاظ باللوحات التي شعروا بأنها تشبههم، لأنهم أصبحوا قادرين على الحديث مع الصورة واستعادة مشاعرهم من خلالها .
ويؤكد الشعيبي أن العمل الفني لا يحمل بالضرورة تفسيرًا واحدًا فقد يرى شخص ما في اللوحة معنًى مختلفًا عما قصده الفنان، لكن هذا المعنى يظل حقيقيًا بالنسبة إليه لأنه نابع من تجربته الخاصة
تجربة الأطفال غيرت طريقة عمله
ولم تقتصر تجربة الفنان الشعيبي على الأُسر التي التقاها من خلال اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بل امتدت إلى أطفال عاشوا ظروفًا قاسية بسبب الحروب والنزوح. ويتذكر لقاءه بفتاة سورية كانت في الصف العاشر، فقدت والدها ثم انفصلت عن والدتها خلال رحلة النزوح بعد أن تم اقتيادها بعيدًا عن أطفالها.
يقول الشعيبي إن الفتاة بدت وكأن روحها انطفأت في داخلها، فيما كان الأطفال الأصغر سنًّا يعيشون التجربة بطريقة مختلفة .
هذه التجربة، كما يقول غيرت طريقة تعامله مع الأطفال خلال الأنشطة الفنية التي شارك فيها لاحقًا .
أصبح أكثر صبرًا وحذرًا، وأصبح ينظر إلى الرسم الذي قد يراه البعض خربشة باعتباره شكلاً من أشكال التعبير .يقول الشعيبي أن الطفل الذي يمسك الفرشاة ويحرك اللون بحرَية قد يكون بحاجة إلى التعبير عن أشياء لا يستطيع قولها بالكلمات .
ويعتبر الشعيبي أن الاقتراب من قصص المفقودين غيَر أيضا نظرته إلى المسؤولية الأخلاقية للفنان
فالفن في رأيه “لا ينبغي أن يستغل ألم الأشخاص من أجل إنتاج عمل مؤثّر بصريًا بل يجب أن يحافظ على كرامتهم ومشاعرهم. وعلى الفنان أن يمنح أصحاب التجارب المؤلمة مساحة، وأن يجعلهم يشعرون بأنه يتضامن معهم من دون أن يعيد إيذاءهم أو يحبسهم داخل المأساة.” ويؤكد الشعيبي أن هذه التجربة جعلته أكثر صبرًا في التعامل مع الأطفال والأسر، وأكثر حرصًا على فهم ظروفهم قبل الحكم على سلوكهم.
دور الصليب الأحمر الوصول إلى إجابات
لا يمكن أن يحل الفنان محل المؤسسات الإنسانية، بحسب الشعيبي، وعلى رأسها اللجنة الدولية التي تبقى مهمتها الأساسية بالنسبة إلى عائلات المفقودين هي البحث عن المعلومات ومحاولة الوصول إلى إجابات بشأن مصير أحبائهم.
“يستطيع الفنان أن يقدم نوعًا آخر من الدعم” بحسب الشعيبي “كأن يجعل الألم مرئيًّا، وأن ينقل القصة إلى جمهور أوسع”. ويشدد الشعيبي على أن العمل الإنساني لا يقتصر على تقديم المساعدة المادية فهناك الدعم الاجتماعي والنفسي والثقافي، وهناك أيضا أهمية أن يشعر الشخص بأنه ليس وحده.
ويرى الشعيبي “أن وجود مؤسسة دولية كالصليب الأحمر قادرة على التواصل مع الأسر ومتابعة قضايا المفقودين، إلى جانب جهود المجتمع والفنانين، يخلق شبكة دعم تمنح العائلات شعورًا بأن قضيتها لم تُنسَ”. كما يشير إلى أهمية الدور الذي يؤديه أفراد عاشوا تجربة الفقد أنفسهم، مثل حميدة، في دعم عائلات أخرى، لأنهم يستطيعون التحدث معها من موقع التجربة المباشرة.
ولا يحصر الفنان مسؤولية التضامن في المؤسسات أو الفنانين، بل هي تمتد الى الأشخاص الذين لم يعيشوا تجربة فقد أحد أفراد عائلاتهم، من خلال توجيه سؤال بسيط: “لو كنت مكان هذا الإنسان، ماذا كنت تريد من الآخرين أن يفعلوا معك؟” فوضع النفس مكان الآخر هي البداية الحقيقية للتعاطف.
في النهاية يقول الشعيبي إن أكثر ما يريحه في تجربته هو شعوره بأنه يستطيع أن يقول لعائلة المفقود “أنا حاسس فيك”.
عن لحظة الرسم بعد الاستماع إلى قصة مؤلمة يقول “هو شعور متعب ومريح في الوقت نفسه” موضحا أن التعب يأتي من حمل جزء من الألم أما الراحة فتأتي من إيصال الرسالة.
وبينما يبقى السؤال الأكبر بالنسبة إلى عائلات المفقودين هو “أين أحباؤنا؟”، يرى الفنان أن مهمته هي أن يضيف سؤالًا آخر إلى ذاكرة المجتمع، وهو “كيف نقف إلى جانب من ينتظرون؟” وبالنسبة إليه، لا تعني الحياة بعد الفقد نسيان الغائب، بل استمرار الذاكرة والأمل، فيما يبقى الفن إحدى الوسائل التي يمكن من خلالها جعل هذا الانتظار مرئيًّا ومسموعًا للآخرين.



تعليقات