مع تزايد العمليات السيبرانية التي تُشن في أثناء النزاعات المسلحة – واحتمالية استمرار هذا الاتجاه في الصعود – فإن بعض صور الحماية المحددة التي يتيحها القانون الدولي الإنساني، وتجسدت فعليًا من خلال الشارات المميزة للصليب الأحمر والهلال الأحمر والكريستالة الأحمر، يجب أن تكون مرئية أيضًا في بيئة لم تكن لتخطر أبدًا ببال واضعي اتفاقية جنيف الأولى في العام 1864.
يستعرض المقال الآتي بقلم ساميت دي كونها، المستشار القانوني في اللجنة الدولية للصليب الأحمر (اللجنة الدولية)، وماورو فينياتي، المستشار التقني في اللجنة الدولية، مسوغات مشروع الشارة الرقمية والتقدم الملحوظ الذي أحرز في الأشهر الأخيرة. واستنادًا إلى جهود التوحيد القياسي المستمرة وقائمة داعمي المشروع المتزايدين، يستكشف هذا المقال كيف تتطور علامة بسيطة، ومعروفة عالميًا، للمساعدة في تمييز الأصول الطبية والإنسانية المشمولة بحماية خاصة على شبكة الإنترنت.
لم يطرأ تغير كبير على وظيفة المنارات على مدار تاريخها الممتد لنحو 2500 عام. والمنارة أداة لا غنى عنها لإرشاد السفن للإبحار بأمان عبر المياه الخطرة، وتنبيه الربان إلى الخطر، وتحديد الممرات الآمنة؛ لذا صار تصميمها، الموحّد في أغلب الأحيان، وإشاراتها المتعارف عليها على نطاق واسع، عنصرًا جوهريًا لكفالة السلامة البحرية. ونظرًا للتطورات التكنولوجية السريعة خلال الأعوام الخمسين الماضية، عُزز دور المنارات التقليدية، ولم تُستبدل بوسائل الملاحة الرقمية مثل نظام تحديد المواقع العالمي والخرائط الإلكترونية وأجهزة الإرسال اللاسلكية.
يعتمد نظام تحديد المواقع العالمي على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وغيرها من التقنيات الحديثة، وهو أداة قوية عندما يُقرَن استخدامه بالخرائط. وتُظهر أنظمة الخرائط الإلكترونية الحديثة المنارات والمخاطر الساحلية، ما يتيح حمايةً تتجاوز خط رؤية المنارة وتكون فعالة في ظروف الرؤية الضعيفة. وتعمل جميع هذه التقنيات، القديمة منها والحديثة، معًا في عالمنا اليوم على تقديم نوع من الحماية المُركَّبة، باستخدام الوسائل المرئية والإلكترونية لتحقيق الهدف الأساسي المتمثل في حماية السفن والبحارة من المخاطر في عرض البحر.
استخدمنا سابقًا وسائل الملاحة كاستعارة عندما تحدثنا عن التقنيات الحربية الحديثة، لتسليط الضوء على مخاطر الضرر الناجم عن بعض العمليات المعلوماتية في أثناء النزاعات المسلحة على سبيل المثال. أما هذه المرة فنستخدم استعارة المنارة الضخمة لاستكشاف كيف أضيفت بمرور الوقت تقنياتٌ جديدة لشارة الصليب الأحمر المميزة، التي ظهرت في ستينيات القرن التاسع عشر، فضلًا عن شارتي الهلال الأحمر والكريستالة الحمراء. ويجب أن يستمر هذا التطور مع دخول العمليات السيبرانية إلى نطاق النزاعات المسلحة.
أفكارٌ مُلهمة
كانت الضرورة المُلحة لتمييز بعض الأصول الرقمية بوصفها مشمولة بالحماية الدافعَ الرئيس وراء مشروع الشارة الرقمية. ويسعى المشروع إلى إنشاء رمز معتمد خصيصًا في الفضاء الإلكتروني (شارة رقمية) للإشارة إلى الحماية القانونية التي يمنحها القانون الدولي الإنساني لبعض الأصول الرقمية الطبية والإنسانية في أثناء النزاعات المسلحة. فهذه الشارة ليست أداةً من أدوات الأمن السيبراني، تمامًا كما أن الشارات المادية ليست دروعًا واقية؛ إنما تهدف إلى توسيع نطاق استخدام شارات الصليب الأحمر والهلال الأحمر والكريستالة الحمراء المادية لتدخل إلى البيئة الرقمية من خلال بروتوكولات موحَّدة وقابلة للتشغيل البيني، بحيث تمكن حماية هذه الأصول بوضوح وموثوقية أكبر، وحمايتها من استهداف العمليات السيبرانية.
ويستعرض هذا المقال بعض أوجه الحماية التي ستحددها الشارة الرقمية، ويُقدِّم تحديثات بشأن عملية التوحيد القياسي الجارية. ويتناول أيضًا بعض أهم الإنجازات التي حققها المشروع في عامي 2024 و2025، بما في ذلك:
- اعتماد القرار رقم 2 (المعروف باسمه المختصر “قرار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات”) في المؤتمر الدولي الرابع والثلاثين للصليب الأحمر والهلال الأحمر.
- بدء مناقشات مهمة بشأن توحيد الشارات الرقمية في “فريق عمل هندسة الإنترنت”، ما أفضى إلى اعتماد ميثاق فريق العمل ووثيقة حالات الاستخدام والمتطلبات.
- اعتماد اتفاق تكنولوجيا الأمن السيبراني تعهد الشارة الرقمية.
- إنشاء المنتدى الدولي للأمن السيبراني “شبكة تأثير معنية بحماية البنية التحتية الحيوية”، مع تركيز مبدئي على تسريع تطبيق الشارة الرقمية للصليب الأحمر/الهلال الأحمر.
يتيح القانون الدولي الإنساني حمايةً خاصة للخدمات الطبية وبعض الأنشطة الإنسانية، وقد طُوّرت الشارة المميزة كوسيلة لإبراز هذه الوظائف المشمولة بالحماية في أوقات النزاعات. وبمجرد إرساء الحماية الخاصة، كان لا بد من وجود طريقة سهلة لتمييزها لكفالة احترامها في بيئات أمنية معقدة (بما في ذلك ساحات المعارك). وإن أحد أسباب التصميم البسيط للصليب الأحمر – إلى جانب كونه اعترافًا بفضل سويسرا في هذا المقام (باعتماد معكوس علمها شارة مميزة) – (ومن ثم اعتماد شارتين إضافيتين لاحقًا هما الهلال الأحمر والكريستالة الحمراء) هو إمكانية إنتاج هذا التصميم سريعًا بالوسائل المتاحة في أثناء الحرب، بالنظر إلى وظيفته الوقائية واستخدامه في الحروب. وبالفعل، صمد هذا التصميم المادي أمام اختبار الزمن لأكثر من 160 عامًا، وأصبح رمزًا نموذجيًا للمساعدة الطبية والعمل الإنساني في الحرب.
والشارة المميزة منارة القانون الدولي الإنساني؛ فبدلًا من تسليطها الضوء على المخاطر، فإنها تلقي الضوء على الحماية التي غالبًا ما تكون خفية والتي يمنحها القانون لأشخاص وأعيان معينين، وتسهم في حماية ضحايا الحرب الذين يشملهم القانون الدولي الإنساني بحمايته. لكن مع التطور السريع في تقنيات الاتصالات في النصف الثاني من القرن العشرين بدأت تتبلور نقاشات تتناول كيفية تطوير هذه الشارة المميزة لتكملة عملها.
ولاحظت اللجنة الدولية، بحلول سبعينيات القرن العشرين، أنه “لم يعد ممكنًا اليوم الاعتماد على شارة مميزة مرئية وحدها لتقديم حماية فعالة”. وقد حدد البروتوكول الإضافي الأول، الذي اعتُمد عام 1977 قواعد “الإشارة المميزة” وفصّلها في المادة 8 (م) والفصل الثالث من الملحق الأول. وتستخدم اليوم بعض السفن والطائرات الطبية البحرية الإشارات المميزة، بما في ذلك الإشارات الضوئية واللاسلكية كمكمل للشارة المميزة (distinctive emblem). ومع امتداد الحروب إلى العالم الرقمي، يُبرِز تطوير الشارة الرقمية السعي لكفالة الحفاظ على الحماية التي يتيحها القانون الدولي الإنساني لبعض الأصول الرقمية في الفضاء السيبراني. وكما هي حال الإشارة المميزة، تكمّل الشارةُ الرقمية الشارةَ المميزة ولا تحل محلها.
الاحترام والحماية
يكفل القانون الدولي الإنساني حمايةً لا لبس فيها للأصول الرقمية للخدمات الطبية العسكرية والمدنية المخصصة حصرًا للأغراض الطبية، واللجنة الدولية، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وبعض أنشطة الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. إذ يجب على أطراف النزاع احترام هذه الخدمات والأنشطة وحمايتها. ويشمل هذا الالتزام المصاغ بدقة التزاماتٍ واسعة النطاق وغير مشروطة، ولا يقتصر على الامتناع عن الهجوم. فعلى سبيل المثال، يعني احترام الوحدات الطبية وحمايتها أيضًا عدم التدخل في عملها حتى تتمكن من مواصلة علاج الجرحى والمرضى الذين هم تحت رعايتها.
وعلى نحو ما أشارت اللجنة الدولية في تقرير التحديات لعام 2024، يدور نقاش مستمر بشأن ما إذا كان يمكن اعتبار البيانات “عينًا” بموجب القانون الدولي الإنساني، ومن ثم تستفيد من الحماية الممنوحة للأعيان المدنية، بما فيها الحماية من الاستهداف المباشر. واقترحت بعض الدول أيضًا أن العملية السيبرانية التي تتسبب في فقدان بعض الوظائف لا تُعد هجومًا. مع ذلك، فليس لهذه النقاشات شأن كبير في ما يتعلق بالحماية الواضحة التي لا لبس فيها الممنوحة للبيانات الطبية والإنسانية (انظر، على سبيل المثال، the Tallin Manual 2.0 ، القاعدة 132(3)، أو شرحًا مفصلًا لهذه الحماية في هذه الورقة الموجزة الصادرة عن اللجنة الدولية.)
إن قيام أطراف النزاع بأنشطة إلكترونية ضارة تؤثر سلبًا على الأصول الرقمية الطبية والإنسانية هو انتهاك للقانون الدولي الإنساني. فعلى سبيل المثال، إن حذف البيانات الطبية أو تشفيرها (بما في ذلك بيانات المرضى أو بيانات تتبع سلاسل الإمداد الطبي)، أو التدخل في عمل المعدات الطبية، أو اختراق قواعد بيانات اللجنة، أعمال تشكل انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
ويتفق المجتمع الدولي والجهات المعنية الأخرى على ذلك بوضوح. ففي 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، اعتُمد القرار رقم 2 في المؤتمر الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر الذي ينعقد مرة كل أربع سنوات (يضم 196 دولة طرفًا في اتفاقيات جنيف وجميع مكونات الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر البالغ عددها 193 مكونًا). فبعد دعوة أطراف النزاع إلى (1) “احترام أفراد الطواقم الطبية والوحدات الطبية ووسائل النقل الطبي وحمايتهم وفق التزاماتها القانونية الدولية، بما فيها ما يتعلق بأنشطة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات” و(2) “السماح بتنفيذ الأنشطة الإنسانية غير المتحيزة وتيسير تنفيذها أثناء النزاعات المسلحة، بما يشمل تلك التي تعتمد على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وإلى احترام العاملين في المجال الإنساني والأعيان المخصصة للعمل الإنساني وحمايتهم وفق التزاماتها القانونية الدولية، بما فيها ما يتعلق بأنشطة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات”. ويشجع القرار اللجنة الدولية على “مواصلة التشاور والعمل بفعالية مع الدول ومكونات الحركة” بشأن تطوير الشارة الرقمية واستخدامها المحتمل في المستقبل.
واستنادًا إلى هذا الزَّخم المتزايد من الأصوات، لم تمضِ سوى بضعة أسابيع حتى أقرّ “اتفاق تكنولوجيا الأمن السيبراني” – وهو تحالف عالمي يضم بعضًا من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم التي تمثل حوالي مليار عميل (جميع الجهات الموقعة مدرجة بهذه القائمة) – تعهدًا بشأن الشارة الرقمية. وبحسب الفقرة الأولى من منطوق القرار، تلتزم الجهات الموقعة بأن منتجاتها وخدماتها “تُطوَّر وتُصمَّم وتُوزَّع وتُستخدَم بما يتوافق مع مبادئ القانون الدولي الإنساني وقواعده”. بينما تدعو الفقرة الثانية من منطوق القرار إلى اعتماد شارة رقمية للصليب الأحمر/الهلال الأحمر واستخدامها على نطاق واسع. ويُعدّ هذا إنجازًا بالغ الأهمية، لا سيما أن المستخدمين المُصرَّح لهم بهذه الشارة المميزة، بمن فيهم اللجنة الدولية، غالبًا ما يعتمدون على منتجات وخدمات شركات التكنولوجيا. وأعرب الأمين العام للجنة الدولية للطب العسكري في عام 2025 عن دعمه جهود اللجنة الدولية في تطوير شارة رقمية.
التوحيد القياسي والإدماج
استنادًا إلى هذا الزخم – فضلًا عن قائمة الداعمين والشركاء والمساهمين المتزايدة سريعًا – تأمل اللجنة الدولية في المساهمة في تحديد المعايير التقنية للشارة الرقمية، من خلال الإجابة عن سؤال: كيف ستُعيِّن تقنيةٌ رقمية مثل الشارة الرقمية المعتمدة الأصولَ الرقمية المشمولة بالحماية في الفضاء الإلكتروني؟
ستتطلب الشارة الرقمية سمات رئيسية مُحدَّدة يجب إدماجها في معايير دولية. وإذا ما عدنا إلى استخدام الاستعارة التي افتتحنا بها مقالنا، فقد ساهمت المعايير الدولية في كفالة استخدام المنارات إشاراتٍ يمكن أن يفسرها البحارة من أي بلد تفسيرًا صحيحًا ويتجنبوا الحوادث. وفضلًا عن ذلك، تستطيع البلدان من خلال التزامها بالمعاهدات الدولية أن تكفل امتثال الملاحة في مياهها الإجراءات المعترف بها عالميًا، ما يقلل مخاطر سوء الفهم أو أخطاء الملاحة. وتسهم المعايير الدولية والقانون الدولي أيضًا في تعزيز الابتكار، وضمان التعاون في مجال التقنيات المستقبلية في مواجهة التحديات البحرية الناشئة. ويُراد من التوحيد القياسي التقني للشارة الرقمية وإدماجها في القانون الدولي الإنساني تحقيق هذه الأهداف عينها.
ولتحقيق هذه الأهداف، يجب أن تحظى التقنية المستخدمة في الشارة الرقمية بقبول واسع من مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك الدول وقطاع التكنولوجيا. فالإنترنت شبكة من الأجهزة التي تتواصل في ما بينها، ويجب أن يفهم بعضها بعضًا. لذا، يُعدّ التوحيد القياسي والقبول العالمي عنصرًا أساسيًا لهذا المشروع. وقد أسفرت عمليات التشاور الشاملة والمستمرة التي أجرتها اللجنة الدولية على مدى سنوات (انظر هنا، على سبيل المثال) عن العديد من الرؤى بشأن السمات الوظيفية والأمنية للشارة الرقمية التي يجب إدماجها في المعايير، ومن شأنها أن تشجع على قبولها عالميًا.
فعلى سبيل المثال، ترى اللجنة الدولية أن الشارة الرقمية يجب أن تكون غير مركزية. فكما هي حال الشارة المادية، يجب ألا تخضع الشارة الرقمية لهيئة مركزية للتحكم فيها وتوزيعها. وبينما ستقدم المعايير مخططًا للعاملين في المجال الطبي المدني والعسكري وللمعدات الطبية ولمكونات الحركة لاستخدام الشارة الرقمية، فلن تقوم أي هيئة دولية بالتحكم المركزي في حالات استخدامها أو الترخيص لها.
وعلى غرار الشارات المادية المميزة، تضمن اللامركزية تمكُّن السلطة المختصة – في ما يتعلق بكل مستخدم مُصرَّح له وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني ومع التدابير القائمة لمنع إساءة الاستخدام – من أن يقرر في الوقت الفعلي وفي ضوء الاعتبارات الميدانية والأمنية متى وأين وكيف تُعرض الشارة لحماية الخدمات والأنشطة الطبية والإنسانية على النحو الأمثل. ولا ضرورة للحصول على ترخيص خارجي. ويجب أن تُتاح أيضًا إمكانية مراقبة الشارة الرقمية دون إثارة شكوك أو تنبيه المستخدمين إلى أنها مراقبة، وهي سمة نسميها التفتيش الخفي أو تحقُّقًا لا يمكن كشفه. ومع أن هذا الشرط قد يبدو غريبًا بعض الشيء للوهلة الأولى، إلا أن الحاجة إليه بسيطة وبديهية (وإن كانت خاصة بمجال معين)، إذ هو يُبرِز في الفضاء الإلكتروني الواقعَ الحالي المتمثل في أن مراقبة الشارة المادية لا تنبئ حامل الشارة بأن هناك من يرصده؛ ومن المرجح أن يكون العكس ضارًا بفعاليتها في النزاعات المسلحة.
شارة مرتكزة إلى المعايير
لجأت اللجنة الدولية إلى هيئتين دوليتين رئيسيتين لتوحيد المقاييس، وهما فريق عمل هندسة الإنترنت والاتحاد الدولي للاتصالات، لكفالة تطوير الشارة الرقمية بناء على أسس تقنية معترف بها عالميًا، وقابلة للتشغيل البيني، وجديرة بالثقة.
وإن “فريق عمل هندسة الإنترنت” مجموعة دولية مفتوحة وكبيرة تضم مصممي الشبكات، ومشغليها، ومورديها، وباحثيها، وتهدف إلى تحسين أداء الإنترنت من خلال إصدار وثائق تقنية – لا سيما معايير الإنترنت – تؤثر على طريقة تصميم الإنترنت واستخدامه وإدارته. والجدير بالذكر أن هذا الفريق هو المنظمة الرائدة في تطوير معايير الإنترنت، ويشارك فيه العديد من كبرى شركات التكنولوجيا في العالم.
ومع ذلك، لا تقتصر المشاركة فيه على خبراء التكنولوجيا، إذ يشارك فيه أيضًا العديد من منظمات المجتمع المدني. وقد اعتمد فريق عمل هندسة الإنترنت ميثاقًا للعمل على الشارات الرقمية، وبدأ فريق عمل متخصص عمله في تموز/يوليو 2025 خلال الدورة 123 لفريق عمل هندسة الإنترنت، إذ كُلِّف بتطوير حالات الاستخدام والمتطلبات المتعلقة بالنطاق الأولي لفريق العمل، بما في ذلك النظائر الرقمية لشارات القانون الدولي الإنساني. وكُلِّف فريق العمل أيضًا بتطوير بنية رقمية تُجسِّد العلاقات بين الكيانات التي تستخدم الشارات الرقمية، وبروتوكول يصف ربط الشارات بالأصول، ومواصفات بروتوكولية تُحدِّد آلية اكتشاف الشارات بالنسبة لحالات الاستخدام الأولي. ويعد فريق هندسة الإنترنت منصةً جذابةً للتطوير التقني الحالي والمستقبلي للشارة الرقمية، نظرًا لكونه منتدىً مفتوحًا لجميع الجنسيات والمهن.
وأصحاب المصلحة المهتمون مدعوون إلى المشاركة في الحوار. وقد أسفرت الاجتماعات الأخيرة عن إدماج القانون والتكنولوجيا بقدر من النجاح. وإن روح العالمية، إلى جانب الدقة وثقافة الحوار الشفاف القائم على التوافق، تجعل من فريق عمل هندسة الإنترنت منتدىً مناسبًا لتعزيز التطوير التقني للشارة الرقمية.
وإذ يؤدي فريق عمل هندسة الإنترنت دوراً محورياً في تطوير البروتوكولات التقنية التي تُشكِّل أساس الإنترنت، فإن دور الاتحاد الدولي للاتصالات لا يقل أهمية عنه. وبصفة الاتحاد الدولي للاتصالات وكالة الأمم المتحدة المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وأقدم منظمة حكومية دولية في العالم، فهو يجمع الحكومات والهيئات التنظيمية ومجال الاتصالات والأوساط الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني لتطوير واعتماد معايير الاتصالات العالمية. وهذه السمة الحكومية الدولية للاتحاد الدولي للاتصالات تتيح لمشروع الشارة الرقمية جسرًا أساسيًا بين الأوساط التقنية والدبلوماسية، ما يسهم في كفالة حصول أي معيار يطوره فريق عمل هندسة الإنترنت على اعتراف رسمي وشرعية على المستوى الدولي وتوافقه مع لوائح الاتصالات وبُناها التحتية القائمة. وهذه خطوة ضرورية بالإضافة إلى إمكانية إدماجه لاحقًا في القانون الدولي الإنساني.
وبمجرد الانتهاء من وضع المعايير الفنية، تعتزم اللجنة الدولية العمل مع الدول لاستكشاف أنسب السبل لإدماج الشارة الرقمية، والمعايير التي تقوم عليها، في القانون الدولي الإنساني. وقد تتخذ هذه الخطوة عدة صور، منها تعديل صك قائم، أو اعتماد أحكام جديدة تُرسِّخ الشارة الرقمية رسميًا بوصفها أداة لحماية الأصول الرقمية. وقد عُرض هذا التفاعل بين الأبعاد القانونية والسياساتية والتقنية للمشروع ونوقش في العديد من المحافل الدولية هذا العام، بما في ذلك منتدى حوكمة الإنترنت، ومبادرة الذكاء الاصطناعي من أجل الصالح العام، والقمة العالمية لمجتمع المعلومات. والجدير بالذكر أن الاتحاد الدولي للاتصالات أعرب في القمة العالمية لمجتمع المعلومات هذا العام عن دعمه القوي للمشروع واستعداده للتعاون في وضع المعايير.
خلاصة
عند نقطة التقاء القانون والسياسة والتكنولوجيا، يُعد مشروع الشارة الرقمية عنصرًا مهمًا في عمل اللجنة الدولية لحماية الأشخاص والممتلكات من أنشطة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الضارة في أثناء النزاعات المسلحة. وانطلاقًا من الابتكار الذي يسم هذا العمل، فقد ينطوي المستقبل على فرص جديدة ومهمة للتكنولوجيا المُطوَّرة لرقمنة الشارات المميزة. وينصبّ تركيز عمل اللجنة حاليًا على شارات الصليب الأحمر والهلال الأحمر والكريستالة الحمراء، لكن ثمة رموز أخرى للقانون الدولي الإنساني قابلة للرقمنة، منها على سبيل المثال لا الحصر: الشارة المميزة لاتفاقية لاهاي لعام 1954، واسمها الدارج “الدرع الأزرق” (انظر مسودة اللائحة 14 بشأن استخدام شارة الدرع الأزرق التي اعتمدتها لجنة حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح)، والعلامة الدولية الخاصة بالقوى الخطرة، والعلامة الدولية المميزة للدفاع المدني.
وبالطبع، لن تحلّ هذه التقنيات محلّ نظائرها المادية ولن تُغيّرها، والأهم من ذلك، أن القواعد الجوهرية القائمة ستبقى دون تغيير تمامًا في وجود هذا المشروع. بل إن الشارة الرقمية، التي تعدّ مكملًا ضروريًا للقانون الدولي الإنساني القائم، ستسهم في كفالة احترام الخدمات الطبية وبعض الأنشطة الإنسانية وحمايتها، لكي يتمكن العاملون في المجالين الطبي والإنساني من مواصلة عملهم الذي يهدف إلى الحدّ من المعاناة والضرر في عصر العمليات السيبرانية في النزاعات المسلحة. وسيكون على أطراف النزاع، والمراقبين، كفالة احترام هذه القواعد في نهاية المطاف. وختامًا للاستعارة التي استهللنا بها مقالنا: لا تُطلق المنارات طلقات مدفعية لتجذب الانتباه إلى أضوائها، بل تطلق ضوءًا فحسب. والشارة الرقمية ستنشأ على المنوال نفسه لتنبِّه بهدوء إلى ما يجب احترامه وحمايته في وقت النزاعات المسلحة.
شكر وتقدير: يتقدم المؤلفان بالشكر لزملائهما في “مقالات عن الحرب” على تشجيعهم لهما على إعداد هذا المقال وعلى تعليقاتهم القيّمة على مسودة سابقة.
.نشر هذا المقال بالإنكليزية في مدونة “القانون الإنساني والسياسات”.
نقل عاطف عثمان النص إلى اللغة العربية



تعليقات