في زوايا بعيدة عن عدسات الأخبار، يتسلل الجوع في اليمن ببطءٍ قاسٍ، كظلٍ ثقيل يطارد حياة آلاف الأسر. لا أصوات انفجارات هنا، ولا مشاهد دمار أو قتل تلفت الانتباه، لكن الخطر أشد قسوة: بطون فارغة، وأجساد نحيلة تذبل بصمت في موت بطيء. فمنذ سنوات، يعيش ملايين اليمنيين على حافة الجوع، حيث تحولت وجبة الطعام إلى حلم يومي. وفي قرًى نائية وأحياء فقيرة، تقف العائلات أمام خيارات مستحيلة: كيف سنوفر وجبة اليوم؟ أي طفل سيأكل؟ ومن سيؤجل جوعه إلى الغد؟
تقول تقارير إنسانية إن معدلات سوء التغذية بين الأطفال في اليمن من بين الأعلى في العالم. فالحرب الطويلة، وانهيار الاقتصاد، وارتفاع أسعار الغذاء، إضافة إلى تراجع المساعدات الإنسانية، كلها عوامل دفعت آلاف العائلات إلى مرحلة الخطر الغذائي الحاد، وتعد الأخطر منذ بداية النزاع قبل أكثر من عقد.
الأزمة ليست مجرد نقص في الطعام
لم تكن أزمة الجوع في اليمن وليدة اللحظة، حيث تسببت سنوات الحرب في تدمير جزء كبير من البنية التحتية الصحية، ما جعل علاج سوء التغذية أكثر صعوبة، كذلك تراجع فرص العمل والدخل والإيرادات في انهيار اقتصادي غير مسبوق الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قدرة المواطنين الشرائية وصعوبة في تدفق المواد الأساسية، خصوصاً بعد الضربات الجوية التي استهدفت موانئ رئيسة وأدت إلى اضطراب حركة التجارة وارتفاع تكاليف النقل والإمداد وارتفاع أسعار الغذاء في المقابل. وقد أصدرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي تقرير “بؤر الجوع” الذي يغطي الفترة من تشرين الثاني/نوفمبر 2025 حتى أيار/مايو 2026، ويشير أن اليمن يُعد من أكثر البلدان المعرضة لخطر تفاقم انعدام الأمن الغذائي الحاد، حيث يواجه حوالي أكثر من 17 مليون شخص أوضاع جوع تهدد الحياة وتظهر البيانات أن نحو 2.2 إلى 2.7 مليون طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، وهو أحد أخطر أشكال الجوع الذي قد يؤدي إلى الوفاة إذا لم يُعالج سريعاً. كما يعاني حوالي 2.4 مليون طفل دون الخامسة و1.5 مليون امرأة حامل أو مرضعة من سوء التغذية، ما يزيد من خطر الأمراض والوفاة، وتتطلب تدخلاُ إنسانيًا فوريًا لإنقاذهم.
في مخيم للنازحين قرب الساحل الجنوبي لليمن، تعيش جميلة مع أطفالها الثلاثة في خيمة من القماش البالي.
تقول “أحياناً لا نملك سوى الخبز والشاي طوال اليوم” نزحت جميلة من منزلها قبل سنوات بعد اشتداد القتال في منطقتها ومنذ ذلك الوقت، تعتمد الأسرة على المساعدات الغذائية أو عبر أعمال غير منتظمة، في الأيام التي لا تجد فيها عملاً، تضطر إلى تقليل الطعام لأطفالها.
” أحياناً أتناول وجبة واحدة فقط كي يأكل أطفالي” تقول جميلة وهي تحمل طفلها الأصغر الذي يعاني من ضعف شديد في الوزن. الأطباء في المخيم أخبروها أن طفلها بحاجة إلى علاج غذائي خاص، لكن الوصول إلى المراكز الطبية ليس سهلاً.
في بعض المناطق، لم تعد العائلات تتحدث عن تنوع الغذاء، بل عن البقاء، وجبة من الخبز والشاي قد تكون كل ما يتوفر طوال اليوم. ورغم الجهود الإنسانية التي تبذلها المنظمات الإغاثية، إلا أن نقص التمويل يهدد استمرار برامج الغذاء والتغذية. ومع كل يوم يمر، يقترب المزيد من الأطفال من حافة الموت.

أم وأطفالها يتناولون الطعام في منزلهم المتواضع في صنعاء. لا يكفي توفر الغذاء لضمان صحة الأطفال فمن المهم أن يكون متكاملا يتضمن كل العناصر الغذائية المطلوبة لنمو صحي للأطفال. رويترز/خالد عبدالله
التمويل يتراجع… والحاجة تتزايد
يحذر برنامج الغذاء العالمي من أن تراجع التمويل الإنساني يهدد برامج الغذاء الأساسية التي يعتمد عليها ملايين اليمنيين للبقاء على قيد الحياة، ويعد هذا أسوأ مؤشر حيث يشكل اليمن مركزًا لإحدى أكبر العمليات الإنسانية في العالم نتيجة استمرار الحرب الأهلية لأكثر من عقد. وقد جاء هذا التراجع بعدما خفضت الولايات المتحدة إنفاقها على المساعدات، وقلص كبار المانحين الغربيين مساعداتهم مع تحولهم إلى زيادة الإنفاق على الدفاع، ما ساهم في تفاقم أزمة تمويل الأمم المتحدة.
وفي أواخر العام الماضي، أعلن برنامج الغذاء العالمي: “إنه سيخفض عدد المستفيدين من الحصص الغذائية في مناطق الحكومة المعترف بها دوليا من 3.4 مليون إلى 1.6 مليون شخص لكل دورة توزيع بدء من كانون الثاني/يناير هذا العام ، ويأتي هذا الإجراء نتيجة الانخفاض الحاد في التمويل، كما استمرار تعليق أنشطته في مناطق سيطرة حكومة صنعاء منذ آب/أغسطس 2025.
وفي أخر تصريح لجوليان هارنيس منسق الأمم المتحدة المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، شدد على أن الوضع مقلق للغاية، محذرًا من أن عام 2026 قد يشهد أوضاعاً أسوأ بكثير إذا استمر تراجع الدعم المالي المخصص للعمليات الإنسانية “فالمكاسب التي تحقّقت في مكافحة سوء التغذية وتحسين الصحة مهدّدة بالتراجع بسبب خفض التمويل”.
ممرات تنتظر النجاة
بين عامي 2022 و2024 فقط، عالجت المرافق المدعومة من منظمة أطباء بلا حدود أكثر من 35 ألف طفل يعانون من سوء التغذية في خمس محافظات يمنية. لكن الأطباء يقولون إن الأعداد الحقيقية أكبر بكثير من قدرة المراكز الصحية على الاستجابة. في مراكز علاج سوء التغذية، تصطف العديد من الأسر في ممرات المراكز الصحية التي تفوق الأعداد فيها قدرتها الاستيعابية. تحمل الأمهات أطفالهن الهزيلين، فترى أذرعاً نحيلة، وعيونًا واسعة تبحث عن النجاة. هناك، يصبح وزن الطفل مؤشراً للحياة أو الموت.
في محافظة مأرب شمالي اليمن، يوجد مركز علاج سوء تغذية هو الوحيد في المحافظة، حيث يستقبل الآلاف من حالات سوء التغذية يومياً. تقول أم خالد وهي تمسك بيد طفلها “قالوا لي إنه يعاني من سوء التغذية… وإنه يحتاج علاجًا سريعًا” تتحدث وهي تقف في ممر ضيق من المركز وحولها عشرات الأمهات، تحمل كل منهن قصة مشابهة.
تضيف أم خالد أنها تكبدت عناء الوصول إلى المركز ولم تجد سريرًا لطفلها، فطلب منها الطبيب العودة في اليوم التالي على أمل ان يتوفر سرير. يقول أحد العاملين الصحيين، مفضلًا عدم ذكر اسمه: “نستقبل يوميًا أعدادًا تفوق قدرتنا. نحاول أن نعالج الجميع… لكن هذا غير ممكن”.
وفي أحد المراكز الصحية المزدحمة في محافظة الحديدة غربي اليمن، ترفع ممرضة شريطا للقياس قطر ذراع طفل نحيل لا يتجاوز عمره العامين. اللون الأحمر على الشريط يعني شيئاً واحداً: سوء تغذية حاد قد يهدد حياته.
هذا المشهد يتكرر آلاف المرات يومياً في بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
لعل الجوع في اليمن ليس وليد اللحظة، بل نتيجة لسنوات من الصراع والانهيار الاقتصادي والتجاهل الدولي، لكن هذه الأزمة الصامتة قد تتحول إلى مأساة إنسانية أوسع، يدفع ثمنها جيل كامل من الأطفال.
وعلى الرغم من حجم الكارثة، يقول العاملون في المجال الإنساني إن أزمة اليمن لا تحظى بالاهتمام الدولي الكافي مقارنة بأزمات أخرى. وفي حال استمرت المساعدات في التراجع، يحذر الخبراء من أن الملايين قد يقتربون أكثر من حافة الموت، ليتحول الجوع إلى سرطان يقتل ببطء وبصمت أبناء اليمن.


تعليقات