حين تختبئ الحرب تحت الأرض: الألغام وطفولة العراق المهددة

قضايا إنسانية / من الميدان

حين تختبئ الحرب تحت الأرض: الألغام وطفولة العراق المهددة

في اليوم العالمي للتوعية بخطر الألغام، لا يقتصر الحديث على الأرقام والمساحات الملوثة فحسب، بل هو دعوة متجددة إلى التوقف عند الأثر الإنساني العميق لهذه الأخطار. فالتلوث بالأسلحة ما يزال مدفونًا تحت الأرض، لكنه يواصل تدمير الحياة فوقها، ويترك أثره في تفاصيل الحياة اليومية، وفي ذاكرة الأفراد، وفي مستقبل الأطفال والأسر والمجتمعات. وتشير الأرقام الرسمية في العراق إلى أن الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة تسببت منذ عام 2003 في سقوط أكثر من 30 ألف ضحية، من الرجال والنساء والأطفال. غير أن هذه القضية لا يمكن اختزالها بالأرقام وحدها. فخلف كل رقم حياة تغيّرت بالكامل، أو توقفت فجأة، وخلف كل إصابة قصة ألم طويلة، وتحديات يومية، ومحاولة شاقة لاستعادة شيء من الحياة التي كانت.

تُجسّد قصة سيروان نابي هذا الواقع بوضوح. كان سيروان في السادسة عشرة من عمره حين خرج، كما اعتاد، لرعي الأغنام قرب منزله في سيدكان شمال العراق. وفي منطقة يعرفها جيدًا، لمح جسمًا صغيرًا أصفر اللون وسط الرمال. اقترب منه ولمسه، فانفجر في يده. في لحظة واحدة، انتقل من حياة يومية بسيطة، يساعد فيها أسرته ويحاول متابعة دراسته، إلى واقع جديد فرض عليه الألم والعلاج وإعادة التكيف مع فقدان ذراعه اليمنى.

في العراق، لا يزال التلوث بالأسلحة يشكل مصدر قلق إنساني بالغ وعائقًا خطيرًا أمام التعافي. فهو ليس مجرد إرث من حروب الماضي، بل هو أيضًا نتيجة للصراعات الحديثة، بما في ذلك الألغام المرتجلة وغيرها من المخاطر المتفجرة التي خلّفتها النزاعات في المناطق المتضررة سابقًا. ويُعد العراق من أكثر دول العالم تلوثًا بالألغام الأرضية ومخلّفات الحرب المتفجرة. وبحسب تقديرات السطات المحلية في العراق، امتد التلوث بالذخائر المتفجرة على مساحة تزيد على 6 مليار متر مربع، وقد تم تطهير أكثر من نصفها بالفعل. ورغم هذا التقدّم، لا تزال آثار التلوث حاضرة بقوة في حياة الناس. فآلاف الأشخاص يعيشون ويعملون في مناطق شديدة التلوث في مختلف أنحاء العراق.

وبالنسبة إلى سيروان، لم تتوقف آثار الحادث عند الإصابة نفسها. فقد كانت يده اليمنى هي اليد التي يكتب بها ويدرس من خلالها، وفقدانها جعل العودة إلى المدرسة تحديًا يوميًا. اضطر إلى أن يتعلم الكتابة بيده اليسرى، وأن يواجه التأخر الدراسي، وأن يعيد بناء ثقته بنفسه خطوة بعد أخرى. حصل لاحقًا على ذراع اصطناعية، وواصل محاولاته للاستمرار في الدراسة، لكن تجربته تكشف بوضوح أن الألغام ومخلّفات الحرب لا تسلب الأطراف فقط، بل قد تسلب أيضًا سنوات من التعليم، وجزءًا من الطفولة، والإحساس الطبيعي بالأمان. فالألغام تعيق الفرص التعليمية والاقتصادية، وتقيّد الوصول إلى الموارد الحيوية مثل الأراضي الزراعية والمياه، وتخلّف آثارًا نفسية عميقة على الأفراد والأسر.

سيروان فقد ذراعه اليمنى بسبب جسم متفجر عندما كان في السادسة عشر من عمره

الأطفال الأكثر عرضة للخطر

لا تختصر قصة سيروان حادثة فردية، بل تعكس جانبًا من واقع يعيشه كثيرون في العراق، لا سيما في المناطق الريفية والحدودية. وهي تذكّر بأن التلوث بالأسلحة لا ينتمي إلى الماضي فقط، بل للحاضر والمستقبل، ويؤثر في قرارات يومية بسيطة: أين يلعب الأطفال، وأين ترعى العائلات مواشيها، وأي طريق يمكن سلوكه، وأي أرض يمكن الوصول إليها. إذ يأتي الأطفال في مقدمة الفئات الأكثر عرضة لهذا الخطر. فهم ينجذبون بطبيعتهم إلى الأجسام الغريبة أو اللامعة، من دون أن يدركوا ما قد تخفيه من تهديد، تماما كما فعل سيروان. وفي البيئات الملوثة، قد تكون لحظة فضول عابرة كافية لتغيير مسار حياة كاملة.

وتُسجَّل حوادث الألغام شهريًا، كثير منها يؤدي إلى إصابات وخسائر في الأرواح. ففي مطلع عام 2025، فقد ثلاثة طلاب حياتهم بشكل مأساوي بسبب مخلّفات الحرب المتفجرة في حي أبو خصيب بالبصرة جنوب العراق. وفي كانون الثاني/يناير 2023، تحولت نزهة في منطقة بيخال إلى مأساة بالنسبة لداروان خضر علي عندما داس على لغم أرضي مخفي، ما أدى إلى إصابات خطيرة انتهت ببتر ساقه اليمنى تحت الركبة. يقول داروان، وهو من مدينة رواندوز في إقليم كردستان العراق: “منذ ذلك اليوم، لم أعد قادرًا على التنزه أو التخييم مرة أخرى”. وأضاف: “آمل أن أتعافى وأستعيد الحياة التي كنت أعيشها. فصل الصيف صعب جدًا بالنسبة لي، لكنني ما زلت هنا، وما زلت أحاول”. لم يغيّر الحادث جسد داروان فحسب، بل سلبه أيضًا العمل والاستقلالية اللذين كان يتمتع بهما من قبل.

وتأتي الطبيعة أحيانًا لتفاقم هذه الأزمة. فالسيول والأمطار الغزيرة قد تجرف الألغام من أماكنها الأصلية، لا سيما في المناطق الجبلية، وتدفع بها إلى مناطق أقرب إلى المدنيين، ما يزيد من حجم الخطر ويجعل التهديد أكثر صعوبة في التنبؤ.

وفي إقليم كردستان العراق، تسببت الأمطار الغزيرة التي هطلت مؤخرًا في تحرك بعض الألغام الأرضية من مواقعها، ما زاد من المخاطر التي تهدد المدنيين، خصوصًا عند الخروج إلى المناطق الطبيعية أو خلال جمع الأعشاب الربيعية.

أحد الأنشطة التوعوية في إحدى المدارس لتعزيز الوعي بالسلوك الآمن تجاه أية أجسام غريبة لدى الأطفال

التوعية… ضرورة مستمرة

وفي مواجهة هذا الخطر المستمر، تلعب اللجنة الدولية للصليب الأحمر دورًا مهمًا في الحد من المخاطر التي يسببها التلوث بالأسلحة في العراق، ليس فقط من خلال الاستجابة لآثاره، بل أيضًا عبر العمل الوقائي والتوعية المنقذة للحياة. وفي هذا الإطار، تنفذ اللجنة الدولية برنامجًا للتثقيف بشأن مخاطر الذخائر المتفجرة، يستهدف الفئات الأكثر تضررًا من التلوث الناتج عن الأسلحة، بهدف مساعدتها على فهم هذه المخاطر والحد من التعرض لها.

ويركز هذا البرنامج على الوصول إلى المجتمعات المتأثرة، ولا سيما الأطفال، باعتبارهم من بين الفئات الأكثر عرضة للخطر. ولهذا، تنفذ اللجنة الدولية أنشطة توعوية في المدارس والمجتمعات المحلية في المناطق التي تأثرت سابقًا بالنزاع في العراق، بهدف تعزيز الوعي بالسلوك الآمن، وتفادي الأجسام المشبوهة، والابتعاد عن المناطق الخطرة. كما توفر اللجنة الدولية مواد تساعد على وضع علامات واضحة على المناطق الخطرة، بما يسهم في تنبيه السكان وتحذيرهم من الاقتراب من الأماكن الملوثة. ويتم كذلك استخدام محطات الإذاعة لبث رسائل التوعية والسلوم الآمن إلى المجتمعات، لا سيما في المناطق التي قد لا تتوفر فيها وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية الأخرى.

في اليوم العالمي للتوعية بخطر الألغام، ربما يكون الأهم من استعادة الأرقام هو التوقف عند ما تعنيه هذه القضية إنسانيًا: كيف يمكن لجسم صغير مدفون في الأرض أن يغيّر مستقبل طفل، وأن يعيد تشكيل حياة أسرة كاملة، وأن يظل لسنوات عائقًا أمام التعافي. وبالرغم من التحديات الصحية المستمرة، لا يزال داروان متمسكًا بالأمل، وهو اليوم يشارك قصته لتحذير الآخرين: “فجبالنا ما زالت ملوثة بألغام خفية خلفتها الحروب السابقة. غياب علامات التحذير لا يعني أن المنطقة آمنة. رجاءً توخوا الحذر!” فالأخطار الكامنة تحت الأرض، تواصل ترك أثرها فوقها.

Share this article

تعليقات

There is no comments for now.

Leave a comment