ضمن سلسلة حوارات تجريها اللجنة الدولية مع موظفيها في الميدان، تناقش طبيعة عملهم، والتحديات التي تواجههم، وخبرتهم في المجال الإنساني. نلتقي مع عدنان حزام الموظف في قسم الاعلام الذي أخذ على عاتقه نقل رسائل وقصص الصليب الأحمر للجمهور الواسع.

أمضيت قرابة 15 عامًا في اللجنة الدولية، أي أنك شاهدت موجات عنف مختلفة بما فيها الموجة الأخيرة من النزاعات المسلحة في العالم العربي التي اندلعت قبل عشر سنوات. كلمنا عن التحاقك باللجنة الدولية وكيف تعاملت مع موجات العنف هذه؟

انضمامي إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر كان نقطة تحول سواء على المستوى الشخصي أو المهني؛ أن أنتقل من الإعلام كصحافي إلى شخص يعمل في مجال الإعلام الإنساني. طبعًا كانت بداية عملي ببلدي اليمن في قسم الإعلام باللجنة الدولية، وكان الوضع لا بأس به خلال تلك الفترة. لكن للأسف الشديد شهد اليمن العديد من الاضطرابات وصلت إلى النزاعات المسلحة القاسية الدائرة حاليًّا. خلال هذه الفترة عملت كذلك في العراق. طبعًا العمل الإعلامي بالمجال الإنساني يعلم الإنسان أشياء ويصقل مهنته الإعلامية بطريقة ما مثل إيصال صوت ضحايا النزاعات والحياد في الطرح يجعل منك صوتًا قادرًا على إيصال أصوات جميع ضحايا الاقتتال والحروب.

ما هي طبيعة عملك؟

عملت متحدثًا رسميًّا في اليمن والآن في سورية. حاولت إيصال صوت اللجنة الدولية بحياد وتسليط الضوء على القضايا الإنسانية التي أنتجتها هذه الصراعات في تلك البلدان، من الاحتياجات الإنسانية، ونقل قصص ومعاناة الملايين من البشر ممن هم ضحايا هذه النزاعات والاضطرابات والاقتتال. مررت بتجارب كثيرة ومنها تجارب قاسية أحزنتني كثيرًا. عندما تعيش في بلد يعاني النزاع المسلح وهناك الكثير من العواقب الإنسانية التي تنتج عنه، فهذا يؤثر فيك شخصيًّا وخاصة عندما كنت في اليمن، بلدي، وأرى المعاناة بعينَي. أنت تحس بالألم ولكنك تحس بالفخر في الوقت نفسه. إنك تحاول التخفيف من معاناة الناس بقدر المستطاع. تشعر بالفخر أن زملاءك بالمهنة يقدمون الرعاية الصحية، يزورون المحتجزين، يحاولون التخفيف من كل هذه العواقب التي تنتج عن هذه الصراعات والاضطرابات.

أنت يمني، شاهدت عن قرب مدى الدمار الذي أحدثته الحرب في بلادك، ثم مضيت إلى العراق. حدثنا عما رأيته هناك.

مهمتي في العراق كانت قصيرة ولكنها كانت تجربة أعطتني لمحة أكثر عن التدخل الإنساني في بلد مثل العراق، بلد عريق بتاريخه وناسه. تتألم كثيرًا عندما ترى ما آلت إليه الأوضاع في تلك الفترة. حزنت كثيرًا. كانت تجربة جيدة لي بالعمل خارج اليمن. كانت أول مهمة خارجية. تجربة جديدة. آنذاك لم يكن الوضع بمثل هذا السوء، لكن كانت هناك إرهاصات للأسوأ الذي سيأتي.

هل يمكن أن تشاركنا بتجربة لها أثر عميق فيك؟ مررت بلحظات سيئة عندما فقدت بعض زملائي في العمل في اليمن. كانت من أصعب اللحظات، وخاصة عندما كنت أرد على أسئلة الإعلاميين، وأحاول السيطرة على مشاعري وأنا أتحدث عن زملائي الذين أعرفهم شخصيًّا، فكان الأمر يؤلمني كثيرًا وتملكني حزن شديد*. كثير من الزملاء تضامنوا معي بشكل كبير. ولكن أعتقد أن هذه هي ضريبة العمل في المجال الإنساني. أذكرهم دائما وأطلب لهم الرحمة داعيا الله أن يجنبنا كل مكروه أنا وزملائي الذين يعملون بالمجال الانساني في الميدان في أي مكان في العالم، ليس فقط في الصليب الأحمر، ولكن في أي منظمة إنسانية تحاول التخفيف من معاناة البشر خاصة في هذه الظروف الحالية.

حدثنا عن تجربتك الحالية في سورية؟

تجربتي باللجنة الدولية للصليب الأحمر بسورية كمتحدث رسمي وكذلك كمسؤول إعلامي في شمال شرق سورية أعطتني الحافز الأكبر والإيمان القوي بقدرة العمل الإنساني على التأثير. تأثير ملموس يخفف من معاناة من أصابته هذه النزاعات. عملنا لا ينهي المعاناة طبعًا. نحن دائمًا نحاول تخفيفها عن الضحايا وذلك من خلال تقديم خدمات صحية وزيارة المحتجزين وإبقاء التواصل بين العائلات وأقربائهم الذين فقدوا التواصل معهم نتيجة هذه النزاعات. تجربتي في سورية أضافت لي كثيرًا على المستوى المهني.

أمضيت ثلاث سنوات في سورية حتى الآن، صف لنا مشهد النزاع المسلح، وكيف كانت استجابتكم لهذه الأزمة الإنسانية؟

قد يكون وضع القتال قد هدأ في سورية الآن، ولكن الوضع الإنساني سيء للغاية. هناك احتياجات إنسانية كبيرة، وضع اقتصادي سيء، كذلك جائحة كورونا التي أنهكت الاقتصاد وأثقلت الحياة اليومية لملايين السوريين. ما ضاعف المعاناة بسورية وغيرها من مناطق الصراع أن هناك آثارًا إنسانية خلفتها هذه الصراعات. وهذا ما يجعل اللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها من المنظمات تسعى إلى تقديم العون الانساني والتخفيف من هذه المعاناة في مختلف المجالات. هناك الكثير من قصص التي شهدناها لا سيما معاناة الأطفال والنساء في مخيمات النزوح. بالنسبة لي أشعر بالأسى العميق وتتردد داخلي أسئلة كثيرة فأتساءل لماذا وصلت البشرية لهذه الحال؟

ما هي تصوراتك عن المستقبل: لبلدك اليمن، ولسورية، وللعالم العربي؟

يراودني الحلم أنه ستكون هناك أيام أفضل لبلداننا عندما يحل السلام. هذه أمنية من شخص يحب السلام، أن يكون هناك احترام للعمل الإنساني بمناطق الصراع. أن تنظر أطراف الصراع لهذه الملفات وخاصة المفقودين والمحتجزين وغيرها من الملفات الحساسة التي أنتجتها هذه الصراعات بعين الحياد. ألا يكون هناك تسييس القضايا الانسانية وأن تعطى العمل الانساني مساحات أكبر. هذه أمنيات لا أدري متى تتحقق، وأيضًا الحلم الأكبر أن يكون هناك سلام بهذا العالم في زمن نحن في أمس الحاجة إليه.

معلومات أساسية: مواليد العام1979 تخرج في قسم اللغة الإنجليزية وآدابها بجامعة صنعاء. حصل على ماجستير إدارة الأعمال. متزوج ولديه طفلتان.

*في السنوات الأخيرة، ومع ارتفاع حدة النزاعات المسلحة في عدد من الدول، جرى استهداف موظفي اللجنة بالقتل والخطف في سورية وليبيا واليمن وأفغانستان والكونغو. في اليمن فقدنا اللبناني حنا لحود وهو يؤدي مهام عملة في 21 نيسان/ أبريل 2018. وقبله بثلاث سنوات فقدنا عبد الكريم غازي ومحمد الحكمي. وفي العام 2015، فقدنا حسين صالح الذي قتل هو أيضاً خلال تأدية واجبه الإنساني.

نٌشر هذا المقال في العدد 69 من مجلة «الإنساني» الصادر في خريف/ شتاء 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. للاطلاع على العدد كاملًا، انقر هنا.

يمكنكم الحصول على عدد مطبوع من المجلة التي توزع مجانًا من خلال بعثاتنا في المنطقة. انقر هنا لمعرفة عناوين البعثات.