على مدار يومين في 15 و16 تشرين الأول/ أكتوبر كانت أنظار العالم تتجه نحو اليمن حيث تُجرى عملية تبادل لمحتجزين لدى أطراف النزاع في حين أدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر دور الوسيط المحايد فيها من خلال تسهيل عملية نقل هؤلاء المحتجزين وعودتهم إلى أسرهم.

قد يكون الكلام عن دور محايد للجنة الدولية أمرًا غير مفهوم بشكل واضح بالنسبة للجمهور العام، وهو يعني عمليا عدم تدخل اللجنة الدولية في تحديد أسماء من سيتم الإفراج عنهم، كما يعني أن تقوم اللجنة الدولية بإجراء مقابلات معهم قبل نقلهم للاطمئنان على صحتهم وتوفير الرعاية الطبية الأساسية لمن يحتاجها منهم، وكذلك التأكد من رغبتهم الحرة في السفر، وصولًا إلى تقديم المساعدات المالية التي تمكنهم من بلوغ أبواب منازلهم بعد أن تكون طائراتهم قد هبطت في مطارات اليمن المختلفة.

لكن ولمدة أيام قبل عملية النقل حدثت قصص وجرت تفاصيل خلف الكواليس أظهرت مشاعر شهد عليها جنود مجهولون ممن كانوا يعملون لإنجاحها.

أيام قليلة كانت كافية بأن تغمرنا جميعًا بسيل من المشاعر عرفنا من خلالها مرة أخرى جدوى عملنا الإنساني.

الرجل الذي طلب الجميع رقم هاتفه الدكتور حسين هو طبيب لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر عاش على مدار 5 أيام مع محتجزين سابقين في نقطة تجمعهم. كان عمل الطبيب يتمثل في تقييم حالة المحتجزين الصحية والاستجابة السريعة لاحتياجاتهم الطبية العاجلة. هذا العمل قرب هؤلاء المحتجزين للغاية من الطبيب حيث شاركوه أدق تفاصيل حياتهم خلال سنوات الاحتجاز. كان بالنسبة لهم المنقذ عبر حبة دواء أو تدخل طبي يخلصهم من آلامهم.

لم يكن المحتجزون، كأي أشخاص فاقدين لحريتهم، في أفضل أحوالهم، لكن عندما أخبرهم فريقنا عن خروجهم المرتقب كان د. حسين شاهدًا على تبدل حالهم وتورد وجوههم بالخبر السعيد الذي انتظروه طويلًا.

يوم نقلهم، وفي وسط الفرح الممزوج بلهفة الانتظار، لم ينسوا الطبيب حتى بعد ما انتهى دوره. فقبل دقائق من صعودهم لطائرات الصليب الأحمر التي ستقلُّهم أخيرًا لأحضان أهاليهم وأمهاتهم وزوجاتهم، ظلوا يطلبون رقم هاتف حسين! لماذا؟ لا لطلب مشورة طبية بل لرغبة الكثيرين منهم بدعوته لاحقًا لتناول الطعام معهم والذي ستطبخه أمهاتهم أو زوجاتهم كمحاولة ولو بسيطة لشكره على قيامه بعمله.

لم تغب الدموع عن عيون د. حسين تقديرًا لهذه اللفتة وهو يودعهم، وتنفس الصعداء فقط بعد أن اطمأن إلى وصولهم سالمين إلى أهاليهم.صباح جمعة مباركة صباح موظفة في اللجنة الدولية للصليب الأحمر تركت بيتها لأيام للمساعدة في الاستعدادات لعملية نقل المحتجزين. كان اليوم يبدأ بصباح تسابق فيه الجميع إلى العمل في مراجعة قوائم المحتجزين والتأكد من وصول المساعدات المقدمة لهم، والتنسيق مع متطوعي الهلال الأحمر اليمني حول دورهم في اليوم المرتقب.

ليس خافيًا أنه حتى لحظات إتمام عملية النقل كان القلق من عدم حدوثها يخيم على الأجواء. فالكل قلق على ما سيعنيه سياسيًّا فشل هذه العملية، لكن صباح كانت تقلق على ما سيعنيه هذا الفشل إنسانيًّا على أكثر من ألف عائلة مُنُّوا بالأمل لرؤية أحبائهم بعد طول غياب. فصباح تقابل كل يوم في مكتبها عائلات ضحايا النزاع وتعلم شعورهم وقلقهم ومعاناتهم، لذا كانت كل صباح أول من يسابقنا للعمل.

صباح يوم الجمعة كان اليوم الأول الذي تنفست فيه صباح الصعداء «اليوم حقًّا هو جمعة مباركة في بيوت الكثير من اليمنيين». كل هذا الحب من وراء الزجاج كان عمل ثريا قد وصل لذروته في المطار وهي تراجع قوائم المحتجزين وتتأكد من أسمائهم، وتطمئن أنهم على استعداد للحاق بالطائرات التي ستجمعهم بأحبتهم.

لكن في لحظة استراحة لم تغفل عيناها الساهرتان عن المحتجزين الذين انتهوا من إجراءاتهم الورقية ووقفوا، من خلف زجاج قاعة المطار، ينتظرون وصول الطائرة التي ستقلُّهم. في هذه اللحظة وصلت طائرة تحمل محتجزين من الطرف الآخر، كانت تنتظرهم عائلاتهم.

وللحظات شهد المنتظرون، وهم ملتصقون بالزجاج الفاصل، حرارة الأحضان بين عائلات الطرف الآخر وبكوا معهم من شدة التأثر بالموقف. هي لحظة حفرت عميقًا في قلب ثريا وقلوب من كان حاضرًا معها. لحظات إيثار فرحة كبيرة غمرت مئات المحتجزين ممن جرى إخطارهم بقرار الإفراج عنهم وعودتهم لبيوتهم خلال أيام قليلة.

فرحة غمرتنا أيضًا ونحن نرى عيونهم الملأى بالدموع والحماس. لكن هذه عملية كانت ستتم على مدى أيام وعلى دفعات، وبطبيعة الحال سيريد كل واحد منهم أن يكون في أول دفعة تنطلق بسبب لهفته للعودة للمنزل، أو هكذا اعتقدنا.

تساءلت زميلتنا سارة المموحي بصوت عالٍ «هل سنشهد تدافعًا؟ أو أي صعوبات لوجستية؟» لكن على عكس التوقعات شهدنا لحظات إيثار. كان المحتجزون يؤثرون المريض والمصاب للسفر أولًا، ولم ينتظروا مساعدتنا في حمل المرضى أو تطبيبهم أو تسجيل أسمائهم، بل كانوا هم المبادرين بالمساعدة. شهدنا نفحات من الإنسانية في أحلك تلك اللحظات.

سأعود حقًّا… حقًّا سأعود كلمات تكررت على مسامع زميلتنا كاميليا التي كانت من أعضاء الفريق المشرف على عملية إطلاق سراح المحتجزين خلال مكالماتهم مع أهاليهم ليبشروهم بالأنباء السارة. ظنت كاميليا في البداية أن الصوت ليس واضحًا، لذا اضطر المحتجزون لتكرار تلك الكلمات مرات عدة.

لم يكن هذا هو الحال، إنما كان التكرار نتيجة فرحتهم وعدم تصديقهم للكلمات التي كانت تخرج من أفواههم وكأنهم أرادوا بتكرارها أن يطمئنوا أنفسهم قبل أهاليهم أن تلك اللحظة ستحين حقًّا. مع تلك الكلمات والمشاعر التي رافقتها أدركت كاميليا حجم هذه العملية ووقعها على مئات البيوت في جميع أنحاء اليمن.