عرفت مصر القديمة الأعمال الأدبية المرتبطة بالحروب منذ عصر الدولة القديمة واستخدمها الفراعنة لتخليد ذكراهم وبث الخوف في قلوب أعدائهم.

منذ ظهوره على الأرض، قبل نحو أكثر من مليون عام وجد الإنسان نفسه في صراع مع الطبيعة ليحافظ على بقائه. وكان جادا، ومجددا، فى صناعة أسلحته حتى تمكن من السيطرة على الطبيعة، ثم عرف الاستقرار وزرع الأرض وبنى المدن، فعرف الملكية. وبعد ذلك تحول صراعه مع بنى جنسه، فبات تاريخ البشرية داميا، ومليئا بالحروب والصراعات.

بحكم موقعها الجغرافي، كانت مصر منعزلة، عزلة آمنة، عن العالم المحيط بها، فصحراء ليبيا كانت سداً منيعاً لكل غارة من الغرب، ولم يكن لمصر أعداء يمتلكون أساطيل قوية تهاجم شواطئها الشمالية، أما من كانوا يعيشون على حدودها الجنوبية والشرقية، فقد كانوا أقل مدنية وقوة منها، في ذلك الوقت، بما لا يحتاج جهدا لتأمينها.

وعرف المصريون القدماء الحرب، لأول مرة، عندما خاضوا ما يسمى بحروب الوحدة بين الشمال والجنوب، قبل بداية العصور التاريخية. واستمرت هذه الحروب فترات طويلة حتى تمكن الملك نعرمر حاكم القطر الجنوبي “الصعيد” من الانتصار على مملكة الشمال، وتوحيد القطرين. ومنذ ذلك التاريخ دخلت مصر التاريخ، أو ما يسمى عصر الأسرات، ووصلت إلى كمال نضجها فى ظل اتحادها، فباتت تتمتع بالاستقرار الذي عرفته خلال الدولة القديمة.

وكان النظام الأخلاقي فى المجتمع المصري القديم قائما على فكرة “الماعت”، إلهة العدالة، وهي تجسيد للحقيقة. وأطلق المصريون كلمة “ماعت” على فكرة توازن العالم كله، وتعايش جميع عناصره فى انسجام، بما يعني أن هذا التفاعل بين القوى هو الذي يضمن نظام الكون.

هذا الاستقرار مكّن الدولة المصرية القديمة من الارتقاء في الطب والهندسة والكتابة، وهو ما جعلها مطمعاً للقبائل الرعوية على حدودها عدة مرات، فاضطرت إلى خوض ما تعتبره “حروبا عادلة” لتأمين حدودها، حتى أن الدولة المصرية كانت تبرر غزواتها التي تمت في عصرها الذهبي بأنها كانت لدرء المخاطر التي تحيط بها، حتى لا يتجرأ جيرانها على المملكة المصرية.

وطبقا للنصوص المصرية الموجودة على جدران المعابد والمقابر وفي البرديات، لم تعرف مصر جيوشا نظامية فى عهد الدولة القديمة (2780 ق.م- 2230 ق.م)، كما جاء في نص وني كبير موظفي قصر الملك بيبي الأول:

“رغم أنني لم أكن سوى كبير موظفي القصر الملكي، ونظرا لما اشتهرت به من حزم وصرامة، لم أكن أسمح لأي جندي بأن يتشاجر مع رفيقه أو يستولي على خبز أو نعل أي عابر سبيل، أو يسرق ملابس من مدينة أو يسلب عنزة من صاحبها، وكنت أقوم بالتفتيش على كل فرقة من الفرق العسكرية، وكنت أول من فتش عليها إذ لم يسبقني أي مفتش آخر”. وهذا النص يؤكد الضوابط الأخلاقية التي كان يتحلى بها الجنود المصريون في مصر القديمة، عند دخولهم أية مدينة أخرى، فقد كانوا يتصرفون طبقا لأخلاق الماعت، ولأنهم كانوا يؤمنون بأن حروبهم عادلة.

وعاشت الدولة المصرية القديمة مثلما تعيش الأمم المستقلة، لا تستحثها رغبة التوسع على حساب الآخرين، وكان الجنود المصريون حريصون على الوصول إلى حدودهم الطبيعية، فقط، ليأمنوا غزوات المعتدين، كما حدث في حرب التحرير التي قادها أحمس لطرد قبائل الهكسوس الغزاة من مصر، أو في فتوحات تأمين الحدود كفتوحات تحتمس الثالث ومعركة مجدو، وحرب رمسيس الثاني ضد الحيثيين في قادش.

و كان المصري القديم يسجل كل تفاصيل حياته اليومية على جدران المعابد والمقابر، لذلك كان حريصاً على تسجيل الانجازت العسكرية لجيوشه وانتصاراتها. وظهرت مع الانتصارات أدبيات المديح. ولكن أغلب ما وصل الينا من المدائح الشعرية كان مقتصرا على الإشادة بصفات الإله وقدرته، أو بوصف الملوك وما أتوه من ضروب الشجاعة وجلائل الأعمال. وأقدم ماوصل إلينا هو أناشيد سنوسرت التي تعود إلى الدولة الوسطى (2133 ق. م- 1786 ق.م)

الأنشودة الأولى:

الثناء لك يا (خا كاو رع)، يا “حو” يا صقرنا المقدس الوجود

الذي يحمى الأرض ويمد حدودها

الذي يقهر البلاد الأجنبية بتاجه

الذي يضم الأرضين (مصر) بين ذراعيه

والذي يمسك الأراضي الأجنبية بقبضته

والذي يضرب رماة السهم من غير عصا

والخوف منه أخضع “النو” فى بلادهم

هو الذي يفوق السهم كالإلهة “سخمت”

وإن لسان جلالته هو الذي يحكم ” نوبيا” (النوبه )

ومن لا يجعل شعبه يدب فيه الوهن

بل يجعل الناس ينامون فى أمان حتى مطلع الفجر

وشباب جنوده ينامون، لأن قلبه هو المدافع عنهم

وأوامره قد أقامت حدوده

الأنشودة الرابعة

لقد جاء إلينا ووحد الأرضين، وضم البوصة إلى النحلة

لقد جاء إلينا وجعل أهل مصر يحييون، ومحا آلامهم

لقد جاء إلينا وحمى حدوده،

لقد جاء إلينا وساعدنا على تربية أولادنا وعلى دفن المسنين منا

وخلال الدولة الحديثة (1567 ق.م- 1085 ق.م) اتسعت الحدود المصرية، فامتدت حدودها من الشلال الرابع على نهر النيل في السودان، إلى أعالي نهري دجلة والفرات، فصار خيال الشاعر لايقف عند الحدود المصرية الطبيعية بل أخذ يسبح فى أرجاء تلك الامبراطورية الفسيحة. ويتضح ذلك في تلك القصيدة المكتوبة في العام 1470 ق.م لمدح تحتمس الثالث، وهي منقوشة على لوحة في معبد الكرنك للاله آمون رع فى استقبال الملك المنتظر تحتمس الثالث:

“إني أمنحك القوه والنصر على كل البلاد الجميلة

اني أمكن مجدك والخوف منك فى كل البلاد

انك تخترق كل البلاد الاجنبية بقلب منشرح

وأينما حلت جلالتك فليس هناك من مهاجم

إنك تعبر المنحنى الأعظم لبلاد ما بين النهرين بالنصر والقوة اللذين قد منحتهما إياك”

ونلاحظ ما في القصيدة من مبالغات خارجة عن المألوف كعادة ما نقرأه فى شعر المديح، بشكل عام، ولكنها كانت في نظر المصري القديم من الشعر النموذجي، حتى أن بعض الملوك كانوا يقتبسونها وينسبونها إلى أنفسهم. وكانت هذه القصائد تكتب على لوحات وتنصب في البلاد التي يفتحها الملك حتى تثير الرعب في قلوب من تسول له نفسه على التمرد عليه أو اختراق حدود مملكته.


نُشر هذا المقال في عدد مجلة الإنساني رقم 54 الصادر في ربيع/ صيف 2012، في ملف بعنوان “عزيزي الأديب: إنها الحرب.”