عندما بدأت الاجتماعات الأولى، التي ستنتهي ببلورة صيغة مجلة “الإنساني” النهائية، منطلقة بها في شتاء 1998، شملت الفنان الكبير الراحل محيي الدين اللباد (1940-2010) حماسة خاصة، يعرفها عنه كل القريبين، عندما يشتبك مع أحد المشاريع التي تتوافق مقاصدها مع انحيازه الأخلاقي، ومع تكوينه الشخصي والسياسي الإنساني: اشتعال ذهني مستمر حول الخريطة الكلية للمشروع، وامتلاء بإثارة عاطفية خاصة، واستغراق عميق في البحث والتنقيب، واستدعاء للأفكار، المجمل منها والتفصيلي، وعصفها، وطرح الأسئلة الكاشفة، بل تصميم واختراع تلك الأسئلة، للوصول للصورة الأقرب لعمق الهدف والمعنى لهذا المشروع، وكيفية تحقيق الغرض منه، ثم تطور عملي، وتعيين قوائم منوعة تتجدد وتنقَّح، يُذكّر فيها نفسه ويقترح أعمالًا فنية وتسجيلية مباشرة، أو إبداعية لرسامين أو مصورين فارقي الإنتاج يمكن الاستعانة بها في المشروع، وأخرى تحوي عناوين وهواتف لمصادر بصرية، وفوتوغرافية، أو بيانية، مصورة تراثية، ومعاصرة.

هذا غير السعي التقني الدؤوب للوصول لآخر تطبيقات التنفيذ من برامج الكمبيوتر، ومن أحدث أجهزته، لضمان الحصول على الأرفع. وما كان يثير الإعجاب فعلًا هو متابعة القدرة الاستثنائية التي كانت تتجلى في إطلاقه وتسييره لكل طرق العمل تلك في خطوط متوازية بإنجاز زمني صارم.

عمل اللباد بمحبة وبإيمان على “الإنساني”، وضخ فيها من روح خبرته التي اكتسبها رسمًا وتصميمًا عبر مشوار كان وقتها يزيد على الأربعين عامًا في مسارات الصحافة والجرافيك المطبوع؛ فقدم في البداية للمطبوعة تصميمًا فنيًا أساسيًا يعتبر- بشكل مهني مجرد- نموذجًا بحق لمعنى الجمال والنجاح، لأنه حرص أن لا يأتي من منطقة الشكلانية الاستعراضية، بل من منطق التحقق الوظيفي الذي يكتمل فيه التصميم البصري بمادته الصحفية، وبطعم حداثي طازج، تعبر فيه الحرية والرشاقة عن محتوى رصين ونوعي، وحرص فيه على تحقق التصنيف الدقيق للأبواب، ولأنواع المادة المختلفة المقدمة، وبإرسال مضبوط تمامًا على موجة القارئ العربي ومراجعه الثقافية والبصرية، التي طالما آمن هو بقدرتها، ونديتها، وسلامة قنواتها، وقوة خصوصيتها في التعبير والاتصال.

صدرت الأعداد المتوالية بتصميمه وتحت إشرافه الفني، وبمادة شيقة غير معتادة، وتستقبل بتشجيع كريم متصاعد من متلقيها، وتستقر “الإنساني” سريعًا في موقعها الخاص المرموق، مما دفع الإدارة منذ العدد رقم 20 (صورة غلافه في صفحة 12 من هذا العدد) لمضاعفة عدد صفحاتها، وفي شكل طباعي أعقد، وهي- بالمناسبة- الصيغة التي ما زالت تصدر بها المجلة وحتى الآن، لتتيح الفرصة لتواصل أغزر مع متابعيها المتزايدين.

في كل عدد يكون تطبيق الدرس الشيق، عن كيفية استخدام كل الأدوات المتاحة، من أعمدة نصية وعناوين، ورسوم، وصور، وحتى مساحات فارغة أو لونية لخلق وجبة جديدة ذات طعم بصري مختلف، متيحة للقارئ رحلة شيقة وممتعة فوق صفحاتها، مثيرة لخياله ولفضوله للقراءة، في إطار قانون أو شخصية أساسية حاكمة للتصميم، وبإيقاع كان تضافر نبرة التحريري فيه مع البصري فريدًا يخص ويميز “الإنساني” بالتحديد.

لذلك كان خروج كل عدد من “الإنساني” للنور ورشة مثالية لكل مهتم ناله حسن الحظ بحضور ملابسات تخلُّقها، ليتعرف على قدر هذا الجهد التحريري ومعه الفني في توخي الدقة والإتقان، التي تخرج من خلالهما، والتي توارثتها وبنت عليها الفرق المسؤولة التالية عن المجلة، واعتبرتها بديهية راسخة ضابطة، تحريرًا وتصميمًا.

حكى له هشام حسن رئيس المركز الإقليمي للإعلام سابقًا، عن حادثة شديدة الدلالة؛ كان حسن فيها ضيفًا على برنامج حوالي في قناة عربية شهيرة، وفي فترة خارج التصوير اقترب منه واحد من أفراد الطاقم الفني لتلك القناة، ورجاه أن يطلع على نسخ أعداد المجلة التي لاحظها برفقته ساعتها، ثم تصفحها بامتنان وحرارة واضحين، وهو يخبره بتأثر بالغ بأن تلك المجلة كانت نسخ أعدادها المتاحة هي صلته وصلة زملائه المحبوسين الوحيدة بالعالم في فترة سابقة كان فيها معتقلًا- حسبما أبلغه- لمدة طويلة في السجن ببلده العراق، أثناء واحدة من فترات القلاقل التي مر بها البلد المنكوب، ولم يكن غير “الإنساني” من المصادر الخارجية ما هو مسموح لها بالدخول للمعتقلين. وحدثه عن حجم صداها عندهم، ومدى ارتباطهم بها. كان ذلك المشهد القصير واحدة من الإشارات التي ظلت تؤكد- هي وغيرها- له ولكل الزملاء المسؤولين عن المطبوعة أحقية كل الجهد و”الوسوسة” في معايير إنتاجها، للحفاظ دائمًا على خروجها في إطار مهني ومعرفي رفيع. وتشي لهم بأن المجلة وإلى جانب رسالتها الكبيرة الحريصة فيها على التعريف بالعمل الإنساني ودوره، قد تكون هي نفسها عمليًا نموذجًا متحققًا لمعنى هذا العمل الإنساني بالفعل.

نُشر هذا المقال في العدد 64 من مجلة «الإنساني»، وهو عدد خاص في ذكرى عشرين عامًا على صدور العدد الأول من المجلة.

انظر أيضا:

زينب غصن..

زينب غصن، مجلة الإنساني: ثقافة قانون الحرب بنكهة عربية

فيديو: تَعَرَّف إلى مجلة الإنساني

تاريخ مجلة «الإنساني» كما تحكيه الأغلفة