في الطريق من العاصمة الإقليمية ميكيلي إلى مدينة أكسوم القديمة، يمكنك أن ترى بأم عينك ما خلفه القتال من ندوبٍ: مبانٍ بها آثار أعيرة نارية، وهياكل مركبات عسكرية محترقة على جانب الطريق، ومواقع بناء لم يكتمل العمل بها، وصفوف طويلة من المحلات التجارية المقفلة.

تحولت المدارس في أكسوم إلى ملاجئ مؤقتة للأشخاص الذين فروا من منازلهم، حيث تعني كل حبة طعام وكل قطرة مياه الكثير، وتفترش عشرات العائلات الأرض في الفصول الدراسية جنبًا إلى جنب وسط التهديد المتزايد الذي تفرضه جائحة كوفيد-19. ولم يروعهم العنف الذي دفعهم إلى الخروج من ديارهم فحسب، بل عدم اليقين بشأن ما يخبئه لهم المستقبل.

وتسبب النزاع المسلح، الذي اندلع في إقليم تيغراي في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2020 في خسائر بشرية هائلة وبأزمة إنسانية مروعة. وتشير التقديرات إلى أن النزاع أودى بحياة الآلاف ودفع مئات الآلاف إلى حافة المجاعة، علاوة على تشريد أكثر من مليون شخص بسبب أعمال العنف، وجدوا ملاذًا في المنطقة الجبلية التي يعيش فيها ما يربو على خمسة ملايين شخص، أو استمر بهم المسير حتى وصلوا إلى السودان المجاور.

ويقول برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة إن 5,2 مليون شخص، أو 91 في المئة من سكان تيغراي، يحتاجون إلى مساعدات غذائية طارئة. وتقدر الأمم المتحدة، أن أكثر من 400 ألف شخص «باتوا يعانون مجاعة».

وفي تموز/ يوليو، صرح راميش رجاسينغام، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، خلال أول اجتماع عام لمجلس الأمن الدولي حول تيغراي منذ بدء النزاع قبل ثمانية أشهر إن الوضع «تدهور تدهورًا ملحوظًا».

وأضاف «نقدر أن أكثر من 400 ألف شخص باتوا يعانون مجاعة وأن 1,8 مليون آخرين هم على عتبة المجاعة. البعض يقول إن الأعداد أكبر بعد. ويعاني 33 ألف طفل سوء التغذية الحاد».

حلقات من العنف

والتصعيد الأخير في تيغراي حلقة من حلقات العنف المتكررة التي اندلعت في أنحاء البلاد في السنوات الأخيرة وزادت حدتها في الأشهر الماضية. ونتيجة لذلك، لا يزال السكان المدنيون يتعرضون للعنف ويجبرون على النزوح في أجزاء مختلفة من إثيوبيا. ويمثل الوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الصحة والمياه تحديًا كبيرًا. وتقول الأمم المتحدة إن خطورة العنف بين الطوائف العرقية وأحداث العنف الطائفي قد تستمر في التصاعد.

وتشكل التقارير المتعددة عن العنف ضد المدنيين، ولا سيما العنف الجنسي، والنهب وتدمير الممتلكات الخاصة، والازدراء التام للبعثة الطبية الشواغل الإنسانية الرئيسة.

ويواصل السكان المدنيون الفرار من ديارهم بحثًا عن الأمان. ويصل يوميًّا نازحون جدد إلى المدن الرئيسة، حيث يقيمون مع المجتمعات المضيفة أو في أماكن إقامة مؤقتة، مثل المدارس.

وفي شهر نيسان/ أبريل الماضي، نقل دومينيك شتيلهارت، مدير عمليات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، صورة قاتمة للوضع الإنساني بعد زيارة لمخيمات النازحين الفارين من جحيم القتال في تيغراي، وقال: «أشعر بقلق شديد إزاء القصص والتقارير المتعددة عن العنف في تيغراي، ولا سيما العنف الجنسي، والنهب وتدمير الممتلكات الخاصة، والاستهتار التام بالرعاية الصحية. ويتعين بذل كل ما يمكن لحماية المدنيين، ولا سيما الفئات الأكثر استضعافًا».

ويعيش النازحون في أماكن مزدحمة وسط التهديد المتزايد لجائحة كوفيد-19. وفر الكثير منهم من ديارهم ولا شيء معهم غير الملابس التي تستر أجسادهم، ويفتقرون إلى الضرورات الأساسية للحياة، ومن بينها الطعام والماء والمأوى والوصول إلى الخدمات الصحية.

وأعربت منظمة الصحة العالمية مرارًا عن قلقها لاحتمال حصول طفرات لأمراض الكوليرا والحصبة والحمى الصفراء والملاريا، علاوة على تزايد حالات الإصابة بكوفيد-19.

وسجلت أليونا سينينكو بعدستها ملامح المأساة الرهيبة التي يحياها النازحون. وذكرت أليونا، التي تعمل في بعثة اللجنة الدولية الإقليمية في شرق أفريقيا، أنه جرى، في مدينة أكسوم التاريخية وسط تيغراي، تحويل العديد من المدارس إلى ملاجئ للأشخاص الذين أجبروا على ترك منازلهم: «هنا [في أماكن النزوح] كل غرام من الطعام، وكل قطرة ماء لها أهميتها. تفترش عشرات العائلات جنبًا إلى جنب الأرض، حيث يلوح خطر جائحة كوفيد-19 في الأفق».

وتقول تقارير إن المجتمعات المضيفة وقعت تحت ضغط هائل، إذ كان عليها أن تستوعب أعدادًا كبيرة من النازحين وكذلك توفير الاحتياجات الماسة لهم، لا سيما الرعاية الصحية للمصابين أو الناجيات من العنف الجنسي. وقد أدت الزيادة الحادة في عدد السكان إلى استنزاف الموارد المتاحة إلى أقصى حد وفرضت ضغوطًا على البنية التحتية العامة. فعلى سبيل المثال، تضاعف عدد السكان تقريبًا في بلدتي أكسوم وشاير في الأشهر الماضية. ومما زاد الوضع سوءًا، تزايد الآثار المدمرة التي خلفها العنف على الاقتصاد المحلي، إذ تعرضت العديد من الشركات والمصانع للنهب، ما كان له تأثير كبير على الوضع المعيشي للسكان.

والوضع غاية في الصعوبة كذلك في المناطق الريفية التي تعتمد على الزراعة، إذ يعجز المزارعون عن الوصول إلى أراضيهم الزراعية. وتشير تقديرات اللجنة الدولية إلى انخفاض الإمدادات الغذائية في المناطق الريفية في تيغراي على نحوٍ خطير، بينما فقد الكثير من الناس متاجرهم وسبل عيشهم عندما فروا من منازلهم.

ولا تقتصر الأزمة على إثيوبيا، بل تنتقل إلى خارج حدودها أيضًا. فالآلاف يعبرون الحدود إلى السودان التماسًا للسلامة.

يقول ناغا شوكولي، 30 عامًا، مزارع من بلدة حُميرة الإثيوبية: «كان هذا هو موسم الحصاد، وكنت في حقل السرغوم الخاص بي عندما وصل الرجال. رأيت الذي أطلق النار علىَّ». وجدته زوجته يايش مصابًا وساعدته. فرَّا معًا ومعهما ابنتهما هيرميلا ذات العامين في عربة صغيرة مع حميرهم وعبرا الحدود. ولدى وصولهما إلى السودان، قدم الهلال الأحمر السوداني الرعاية لناغا، ونُقل إلى مستشفى الهشابة».

وحتى الآن، لم تُلبَّ الاحتياجات الإنسانية الهائلة. وحاولت اللجنة الدولية، بالتعاون الوثيق مع جمعية الصليب الأحمر الإثيوبي، تعزيز أنشطتها في تيغراي وفي أجزاء أخرى من البلاد، لمواصلة الاستجابة للاحتياجات الملحة للسكان المدنيين.

وتقول اللجنة الدولية إن تحسين إمكانية الحصول على الخدمات الصحية يمثل الآن الأولوية القصوى. وقد دعمت ستة مستشفيات لتمكينها من علاج المدنيين المصابين جراء العنف. وأصبح دعم مرافق الرعاية الصحية الأولية يحظى بأولوية أكبر الآن إذ إن غالبية مراكز الرعاية الصحية الأولية في المنطقة لا تعمل.

وأحصت منظمة أطباء بلا حدود، وهي منظمة طبية إنسانية تتخذ من باريس مقرًّا لها، عدد المرافق الصحية التي تعرضت للضرر نتيجة للنزاع وتوصلت إلى أنه من أصل 106 مرافق تم تقييمها في الفترة الممتدة من منتصف كانون الأول/ ديسمبر إلى أوائل آذار/ مارس، كان 87 في المئة منها لا يعمل بتاتًا أو يعمل بشكل جزئي.

وضع مروع للنساء

مع بدء وصول الناجين إلى المرافق الصحية، ظهرت تقارير مروعة عن العنف الجنسي في تيغراي. وما زاد الطين بلة، أن العديد من المرافق الصحية في المنطقة، ولا سيما في المناطق الريفية، لم تعد تعمل لتعرضها للنهب والتدمير، في حين يعوق الوضع الأمني المتقلب الوصول إلى المراكز الصحية القليلة العاملة. علاوة على ذلك، تعاني المراكز الصحية القليلة التي تعمل من غياب نسبة كبيرة من العاملين في المجال الطبي الذين لا يشعرون بالأمان لاستئناف أنشطتهم.

وفي تموز/ يوليو، لقي ثلاثة من موظفي الفرع الإسباني لمنظمة أطباء بلا حدود حتفهم في تيغراي فيما كانوا يحاولون تقديم العون الطبي للسكان المدنيين.

ونتيجة للوضع الأمني والصحي المتردي، لا تستطيع كثير من الناجيات الوصول إلى الخدمات الصحية. ولا تتوفر خدمات الصحة النفسية – التي تشكل أهمية بالغة في عملية تعافيهم – خارج ميكيلي، العاصمة الإقليمية، ومدينة شاير.

وتحاول اللجنة الدولية جاهدة تكثيف استجابتها الإنسانية في المنطقة، لا سيما في دعم الخدمات المقدمة للناجين من العنف الجنسي التي تمثل أكثر الأولويات إلحاحًا. ولا يلحق العنف الجنسي إصابات جسدية وصدمات نفسية عميقة فحسب، بل يكون لها تأثير طويل الأمد على عائلات ومجتمعات بأسرها. ويحتاج الناس في كثيرٍ من الأحيان، إلى جانب المساعدة الطبية والنفسية، إلى مساعدة اقتصادية لمكافحة الوصم واستعادة حياتهم.

نُشر هذا الموضوع في عدد مجلة الإنساني رقم 68 الصادر في ربيع/ صيف 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. لتصفح العدد كاملًا، انقر هنا