يبدو هذا العنوان باعتباره بحثا عن المعوقات، ومن ثم تحديدها، ومحاولة للقضاء عليها. وهو ينطوي (بصيغته التي تم تداولها كثيرا من قبل) على عدة مشكلات. سأبدأ من نهاية العنوان “المرأة العربية”، وهي عبارة من أكثر العبارات التي نستخدمها زيفا، من وجهة نظري، بل عنصرية أيضا، خاصة إذا اقترنت ب”الإبداع”. إذ عادة ما يتم اختزال التنوع، التنوع السوسيولوجي على مدى أقطار العالم العربي تحت لافتة “ألف لام التعريف” التي تظلل “المرأة العربية “، وهو اختزال يمثل – من وجهة نظري – امتدادا لمنظومة “التجريد” و”الإطلاق” التي تجعل المرأة ذلك الكائن المطلق المجرد الموحي والملهم لكتابات الرجال وإبداعهم على مر قرون من الثقافة العربية وخطابها الذكوري. ولكن المسألة الجغرافية أيضا لا يمكن إغفالها، لأنها –للأسف- ليست مجرد موقع على خريطة العالم، وإنما أنظمة سياسية واجتماعية ودينية…إلخ، ما يجعلنا نقول “العالم العربي” في مواجهة، أو في حوار، وكلاهما صحيح، مع “العالم” بألف لام التعريف، هذه المرة.

هذه المقدمة – المحيرة للبعض ربما– أظنها ضرورية. لأننا لسنا أمام “العالم العربي”، ولسنا أمام “المرأة العربية”، وإنما أمام أطياف لا حصر لها من التنوعات التي تخضع لأسقف مختلفة من الحريات، أو -لأكون أكثر دقة- من “الهامش” المتاح للحرية التي هي “صنو” الإبداع، وهنا لابد من الاعتراف بأن الحرية على مدى العالم العربي كله حرية “مسقوفة”، ومشروطة، ولا يمكنها أن تطير إلا وهي تنفض عن نفسها في كل مرة ما علق بها من أغلال.

وربما أجد نفسي في حاجة لتعريف ما أطلق عليه “السقف”، هنا أيضا، بعيدا عما تداولناه طويلا من أن سقف الحرية هو كسر التابوهات. وأظن أننا استنزفنا الحديث عن مثل هذه التابوهات، واستنزفنا الإبداع أيضا في كونه محض سعي لكسر هذه التابوهات. فما أعنيه بالسقف هنا هو ذلك التوق إلى امتلاك القدرة على التحاور والإضافة والاستفادة والتزاوج بين العالم العربي و”العالم” وبين إبداع المرأة العربية وإبداع المرأة في العالم، وبين إبداع المرأة العربية وإبداع الأقليات في العالم.

ربما يتوقع الكثيرون أنني سأتحدث عن المعوقات التي تلاقيها المرأة المبدعة في العالم العربي، ومن أنظمته، لكنني لا أنوي ذلك في الحقيقة. ربما لو كنت قد كتبت هذا الكلام منذ شهر لاستفضت في الحديث عن الهوامش المتاحة في العالم العربي، وعن ذلك “المسكوت عنه” الذي تفجره المبدعات العربيات مما تم قهره وتعتيمه، بالرغم من أنه يفتح عوالم لم يعرفها الأدب العربي على مدى تاريخه لأن المرأة العربية المبدعة كانت لقرون تختفي إما وراء خطاب إبداعي ذكوري يؤمن لها الحضور في عالم الأدب، أو وراء حيل استعارية ورمزية – خاصة في الشعر – كاستعارة الطيور التي تقبل الأشجار عوضا عن الجانب الحسي المحظورة كتابته، وربما يكون شعر الشاعرة الكبيرة “نازك الملائكة” خير ما يمثل ذلك: أو في حالة الرواية – التي علا سقف حريتها أكثر من الشعر- بالاختفاء وراء الشخصيات، حيث يؤمن السرد الروائي عدم التطابق بين الكاتبة وما تكتبه أكثر من الشعر.

الحديث عن المعوقات من هذه الزاوية هو نوع من “سكب المداد” – فيما أعتقد – إذ لا شيء من كل هذا بخاف على أحد، وربما أستطيع أن أكتب هذا الآن، والآن فقط، بعد ثورتي تونس ومصر، وبعد أن تعلمنا أن الحديث عن المعوقات مسألة “معوقة” بفتح الواو، و”معوقة” بكسرها. الحديث عن المعوقات أصبح حديثا قديما لأن الحرية لن تتحقق بالحديث عن معوقاتها، وإنما بنيلها. هذا اليقين الذي أكتب به الآن لم أكن أجرؤ على أن أحلم به في يوم من الأيام ولكنه حدث.. ببساطة حدث.

هذا ما يجعلني أتحدث عن المعوقات بشكل جديد، ثمة معوقات يتم تفكيكها الآن من الداخل، ويتم صهر القهر الأنثوي والذكوري، أيضا، في ساحة اسمها “ميدان التحرير”، القهر الذي هو العدو الرئيس للخيال. “الخيال”، وأحب أن أردد هذه الكلمة الآن، لأنني في شوق حقيقي لأن أكتبها، الخيال الذي كان يطلق طائرة ورقية مصنوعة من علم مصر لتطاول طائرة تحلق فوق الميدان.

ولأننا تعلمنا أن الحرية تأتي من “هنا”، لا من هناك، سأعود للحديث عن السقف. وما أعنيه الآن، و”من هنا”، ليس سقف الحرية التي نصبو إليها في العالم العربي، وإنما آن الأوان لكي نتحدث عن سقف آخر هو سقف التحاور والتعلم والإضافة بين العالم العربي و”العالم” وبين إبداع المرأة العربية وإبداع المرأة في العالم – بصفته مغايرا من حيث التقنيات والشكل الأدبي وما يمكن أن نطلق عليه طابع الكتابة “الأنثوية” -لا النسوية– مما يجعلني أتحدث عن معوقات إبداع المرأة العربية لا من داخل العالم العربي، وإنما من خارجه هذه المرة، وأعني تلك النظرة التي ترى العالم العربي عالما “ثالثا”، وتعتبر إبداع المرأة العربية إبداعا “ثالثا”، إبداعا ينظر له العالم بدافع الفضول -هذا إن نظر إليه أصلا- ويبحث فيه عما يؤكد الصورة التي رسمها لنفسه عن إبداع المرأة العربية، الذي هو امتداد لإبداع شهرزاد –بصورتها النمطية الغربية- و لياليها الألف!

تغيرت المنظومة، وأصبح من الضروري أن يمتد سقف التحاور والمعرفة والاستفادة وتبادل الخبرات على امتداد سقف الانبهار بالثورة المصرية أو التونسية لأن هذه الثورة انطوت على إبداع المرأة العربية أيضا. ولم يكن إبداع المرأة العربية سوى خيط من ذلك النسيج؛ نسيج “دفع الثمن” من الدماء والعذابات، أو من التهميش والسجن والاستبعاد المقترن بالتصدي لكتابات تصبو إلى الحرية. وليست “المرأة العربية”، التي تتعرض الآن للرصاص والقصف وخسارة الأبناء، ويعلو صوتها على امتداد العالم العربي كله بالهتاف بالحرية، إلا طيفا من أطياف الإبداع يجسد نضالا من أجل الحرية التي ناضلت من أجلها الكاتبات العربيات طويلا أيضا.

المرأة العربية المبدعة لم تعان فقط من المعوقات التي تعرضت لها في العالم العربي، وإنما عانت أيضا من النظرة التي كان ينظر بها “العالم” إلى الإبداع العربي، بصفة عامة، من تلك الدونية التي وسمت إحساس الإنسان العربي تجاه العالم، والفوقية التي وسمت نظرة “العالم” للعالم العربي وإبداعه، العالم العربي الذي يعلم العالم الثورات الآن. والتفرقة بين “العالمين” ليست من صنعي على أية حال.

ليس الإبداع نصا شعريا أو روائيا فحسب، وليس فيلما سينمائيا أو عرضا مسرحيا…إلخ. الإبداع ثورة على المألوف، حياة يومية، إطلاق لقدرات الخيال، حوار حقيقي بين ندين، سقف لعالم جديد، لكنه سقف للسكنى والدفء والتعرف والمشاركة.

هذه هي المعوقات التي تعوق إبداع المرأة العربية الآن، لأن إبداع المرأة العربية ليس إبداعا “إقليميا”. وفي ظل كل الثورات التكنولوجية، التي نجم عنها ثورات “الفيسبوك”، كانت المرأة العربية المبدعة في حوار حقيقي مع الثقافة العالمية قراءة وبحثا ورؤى تجسدت في نصوص إبداعية تستحق أن تأخذ مكانها على الخريطة الإبداعية للعالم، ولأننا استمعنا طويلا لما يكتبه العالم – بالرغم من كل المعوقات التي كافحناها في الداخل- فإنني أظن أنه قد آن الأوان لكي نتبادل الحديث، ولأن يوضع إبداع المرأة العربية على خريطة الإبداع في العالم بالرغم من “معوقات” اللغة العربية التي نكتب بها، اللغة العربية: العالم ثالثية والمهمشة.

نُشر هذا الموضوع في العدد 51 من مجلة «الإنساني» الصادر في شتاء 2011.

*نشرنا في السنوات الأخيرة عددًا لا بأس به من المواضيع التي تتناول العلاقة بين الحرب والأدب (أوالفنون عموما). هنا بعض المقالات:

شيرين أبو النجا، الرواية في مواجهة كابوس الحرب

سحر مندور، حضور المدن في صور دمارها

يوسف بزي، بيروت السلم شعرية، بيروت الدمار روائية: خراب المكان كما تسرده الرواية اللبنانية