تُعد عمليات حفظ السلام اليوم واحدة من الأدوات المحورية التي تستخدمها الأمم المتحدة للحفاظ على السلام والأمن الدوليين حول العالم، لكن وفي سياق يعاني فيه السلام العالمي من هشاشة حادة بفعل نزاعات مسلحة دامية خلفت الملايين من الضحايا، تتصاعد حدة التحديات التي تواجه حفظ السلام، ومن ثم حماية المدنيين في مناطق النزاعات المسلحة.

هناك حاليًّا 14 عملية سلام تابعة للأمم المتحدة حول العالم يتركز أغلبها في القارة الأفريقية. وإذ تتنوع المهام التفصيلية لهذه العمليات، من مراقبة وقف إطلاق النار في ولاية جامو وكشمير بين الهند وباكستان مثلًا، أو تعزيز وحماية حقوق الإنسان، مرورًا بتسهيل المساعدات الإنسانية في إقليم دارفور، إلا أن معظم هذه العمليات منوط بها حماية السكان المدنيين المتضررين من النزاعات المسلحة. ومع ارتفاع عدد النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية حول العالم، وما خلفته من ملايين من الضحايا، في بيئات أكثر عنفًا وأكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، في مناطق كجنوب السودان ومالي والكونغو الديمقراطية، ارتفعت التحديات التي تواجه عمليات حفظ السلام وفي القلب منها تحدي حماية المدنيين.

عمليات حفظ السلام الحالية في العالم

وخلال السنوات الماضية حدث تحول في المفهوم التقليدي لـ«حفظ السلام»، من مجرد عملية تعتمد على مبادئ ثلاثة: (الحياد، وقبول الأطراف المعنية، وعدم استخدام القوة إلا للدفاع عن النفس)، إلى عمليات أوسع نطاقًا بمهام متزايدة: كأدوار الوساطة بين أطراف النزاع، وتقديم خدمات أساسية، وتعزيز سيادة القانون، وإدارة مراكز الاحتجاز، وتوفير الحماية لمخيمات اللاجئين والنازحين. بكلمات أخرى، صارت عمليات حفظ السلام اليوم «متعددة الأبعاد»، إذ لا يُطلب منها فقط صون السلام والأمن، وإنما حماية المدنيين، وتسهيل العملية السياسية، والمساعدة في نزع سلاح المحاربين السابقين، وإعادة دمجهم في عملية سياسية أكثر شمولًا، وتقديم الدعم الفني للانتخابات، وتعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون.

وكان من شأن هذا الاتساع في المهام، أن أفرز مفاهيم أخرى كحفظ السلام، وبناء السلام، وصنع السلام، وفرض السلام، ودعم السلام. ويعني هذا المفهوم الأخير «الأساليب اﻟﻤﺘﺒﻌﺔ من قبل الأمم المتحدة لتخفيف اﻟﺘ، ودﻋ وقف إطلاق اﻟﻨﺎر، أو اﺗﻔﺎﻗﻴﺎت السلام، أو إﻧﺸﺎء منطقة ﻋﺎزﻟﺔ ﺑﻴ اﻟﻤﺠﻤﻋﺎت اﻟﻤﺘﺤﺎربة، ﻣ أﺟﻞ تعزيز الظروف اللازمة لتحقيق السلام الدائم». وقد أضحى المظلة الكبرى التي تشمل الأنواع المختلفة للعمليات التي تقوم بها الأمم المتحدة لحفظ السلم والأمن الدوليين.

وقد خلق هذا التنوع الكبير في المهام، عددًا من التحديات، منها ما هو مؤسسي، ومنها ما هو ميداني.

عقبات مؤسسية

ترتبط هذه التحديات بكون هذه العمليات تابعة لمنظمة الأمم المتحدة، ومن ثم فهي تخضع لتوازن القوى داخل مجلس الأمن. فمثلًا يتطلب إنشاء عملية لحفظ السلام موافقة جميع الأعضاء الدائمين في المجلس (الذين يمتلكون حق النقض أو الفيتو) ما يجعل بعض العمليات المقترحة مثار جدل واستقطاب سياسي بين هذه القوى (كاقتراح إرسال قوات حفظ سلام إلى سورية)، لكن هذا الاستقطاب لم يكن موجودًا في المناقشات حول إرسال بعثة حفظ سلام إلى جمهورية أفريقيا الوسطى في نيسان/ أبريل 2014 من أجل حماية المدنيين ودعم العملية الانتقالية في البلاد، بعد أعمال العنف الدامية التي ضربت البلاد في العام 2013.

من ناحية أخرى، تبرز أزمة التمويل كتحدٍّ رئيس يواجه عمليات حفظ السلام. فهذه العمليات تتطلب ميزانيات ضخمة، بلغت خلال عام واحد (من منتصف 2017 حتى منتصف 2018) نحو 6.7 مليار دولار، ساهمت بمعظمها الولايات المتحدة التي تشارك بأكثر من ربع الميزانية، والصين بنحو 10 في المئة، وتماثلها اليابان، وتتشارك دول أوروبية كبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا بنحو خُمس الميزانية. وعليه يتطلب الحفاظ على هذا المستوى من الإنفاق جهودًا دبلوماسية مكثفة من أجل إقناع بعض الدول المترددة بالحفاظ على وتيرة المساهمات ذاتها وعدم اللجوء إلى خفضها.

شرطية رواندية تخدم في بعثة حفظ السلام في مالي. الصورة: ماركو دورمينو/ مينوسما

تحدي حماية المدنيين

في العام 2015، اعترفت الأمم المتحدة في تقرير استعراض شامل لعمليات حفظ السلام بوجود فارق كبير بين التوقعات والقدرات في مجال حماية المدنيين في المناطق التي ترسل إليها الأمم المتحدة بعثات حفظ سلام. يأتي هذا الاعتراف في ظل أن أكثر من 95% من قوات حفظ السلام اليوم مكلفة بحماية المدنيين، ويشمل ذلك حماية الأطفال والحماية ضد العنف الجنسي المرتبط بالصراع. وتُشكل حماية المدنيين في حالات النزاع المسلح مبدأً أساسيًّا من مبادئ القانون الدولي الإنساني. وعليه طرحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تصورات حول أفضل ممارسة ممكنة لعمليات حفظ السلام، تشمل وضع احترام القانون الدولي الإنساني في القلب من عملياتها، ضمن إطار أوسع من كفالة احترام الإطار القانوني المحدد لكل عملية من هذه العمليات.

نقطة مفصلية أخرى تركز عليها اللجنة الدولية وهي عمليات الاحتجاز التي تقوم بها بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام. حسب اللجنة الدولية، ينبغي لبعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام أن تكون مُعدَّة للوفاء بالتزاماتها القانونية فيما يتعلق بالاحتجاز. ويجب أيضًا أن تتوافر لديها المَرافق اللازمة للوفاء بشروط الاحتجاز التي يتطلبها القانون الدولي. وتؤكد اللجنة استعدادها لمساعدة الأمم المتحدة للوصول إلى حلول ملموسة معًا في هذا السياق. كما تؤكد على ضرورة مراعاة مبدأ عدم الإعادة القسرية للاجئين وطالبي اللجوء. وطرحت اللجنة الدولية مرارًا توصية بشأن التوليف بين مناهج مختلفة لحماية المدنيين، على ألَّا تكون مبهمة، لتحقيق أفضل نتيجة ممكنة. من هذه المناهج المختلفة ضرورة أخذ وجهات نظر السكان الذين يُعتقد بأنهم في خطر أثناء تنفيذ عمليات حفظ السلام، وذلك لأهمية ذلك في تحسين فهم الأمم المتحدة للتحديات التي تواجهها. كذلك من الأهمية في الوقت نفسه الحفاظ على مساحة آمنة للمنظمات الإنسانية المحايدة لتقديم العون للأشخاص المتضررين وحمايتهم.

تعدد البيئات كعقبة في الميدان

هناك أشكال متعددة للتحديات التي تواجه عمليات حفظ السلام على الأرض، منها ما يحدث أحيانًا من تعقد العلاقة بين بعثة الأمم المتحدة والدولة المضيفة، وهو ما يظهر من خلال مقاومة بعض الدول المضيفة لأداء بعثات الأمم المتحدة لبعض مهامها، أو زعم بعض الدول المضيفة تبعية قوات الأمم المتحدة لها. من ناحية ثانية تبرز مشكلة عدم تناسب أهداف الأمم المتحدة من عمليات حفظ السلام مع متطلبات الدول المضيفة للعمليات، ففي أوائل تسعينيات القرن العشرين، كانت الأمم المتحدة تعتبر أن إجراء الانتخابات في الدول المضيفة نهاية مثالية لعمليات حفظ السلام، بيد أن التجارب أثبتت أن الانتخابات التي تُجرى قبل الأوان لا تُسفر عن النتائج المتوقعة منها، بل وفي بعض الأحيان تكون الانتخابات سببًا مباشرًا في استئناف النزاع، مثلما حدث في أنجولا في 1992. من ناحية ثالثة، تتعرض قوات حفظ السلام للاستهداف من قبل الجماعات المسلحة، ويزيد خطر ذلك مع محدودية قدرة تلك القوات على الدفاع عن نفسها بسبب عدم معرفة أفرادها، في بعض الأحيان، بالبيئة السياسية والأمنية والاجتماعية التي يعملون فيها.

من ناحية رابعة، قد تعاني قوات الأمم المتحدة من غياب التنسيق في الميدان، ربما بسبب عدم وضوح التسلسل القيادي للعملية أو غياب التنسيق بين المدنيين والعسكريين المشاركين في المهمة، فضلًا عن غياب التخطيط في مرحلة ما قبل نشر القوات، ووجود قيود على الحركة واستخدام القوة، وغياب التعاون الاستخباراتي بين الدول الأعضاء. في حين يعزو البعض ذلك إلى حقيقة أنه عادة ما تُرسل عمليات دعم السلام إلى بلدان تعاني من الانهيار شبه الكامل، وتفتقر للخدمات الأساسية. وغالبًا ما تقوم الأمم المتحدة، والدول المانحة والمنظمات غير الحكومية بمحاولة مساعدة هذه الدول، إلا أن الوضع في هذه الحالات تشوبه مصاعب بسبب تردي الواقع، وتنوع الأطراف المنخرطة في النزاع.

من ناحية خامسة، تظهر صعوبات في ضبط سلوك الأفراد المشاركين في قوات الأمم المتحدة في الميدان في بعض الأحيان، وجهت لبعض بعثات الأمم المتحدة اتهامات بالاستغلال الجنسي وسوء معاملة المدنيين، من ذلك ما حدث في بعثات الأمم المتحدة إلى كل من البوسنة والهرسك، تيمور الشرقية وليبريا والسودان. ولمكافحة ذلك برزت دعوات للاستعانة بمزيد من النساء للعمل في بعثات حفظ السلام.

تبرز من ناحية سادسة، معاناة قوات حفظ السلام من التوسع الزائد عن القدرات (Overstretching)، ما يؤدي لانخفاض كفاءة القوات المشاركة في العمليات في أحيان كثيرة، يعزو البعض ذلك لمشاركة الدول النامية بقواتها من أجل الحصول على النقد الأجنبي، إذ تُعوض الدول عن جنودها بمبالغ تعادل التكلفة المرتفعة للجنود الذين تقدمهم الدول المتقدمة (حوالي 1400 دولار شهريًّا لكل جندي)، ومن ثم تعاني بعض البعثات من عدم وجود الأفراد القادرين على تشغيل الجسور الجوية والمستشفيات الميدانية، مثلما حدث في جنوب السودان وشرق الكونجو. هناك أيضًا تعقُّد التوازنات الإدارية، إذ يتحكم مقر الأمم المتحدة في نيويورك في عملية اتخاذ القرارات السياسية والمالية، كان ذلك مناسبًا عندما كانت عمليات الأمم المتحدة تقليدية الطابع تواجه تحديات سياسية في المقام الأول، لكن التوسع في المهام يتطلب قيام القيادات الميدانية باتخاذ بعض القرارات الشائكة فورًا دون الرجوع للمقر، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في التوازن بين مقر الأمم المتحدة والقيادات الميدانية.