باتريك يوسف: الاحتياجات الإنسانية في إفريقيا هائلة وعملنا قطرة في بحرها

حوارات / قضايا إنسانية

باتريك يوسف: الاحتياجات الإنسانية في إفريقيا هائلة وعملنا قطرة في بحرها

لاجئون ينتظرون وصول مساعدات غذائية هم في أمسّ الحاجة إليها على الحدود التشادية السودانية (رويترز)

في زمن تتراجع فيه الأولويات الإنسانية عالمياً، وتتزايد فيه النزاعات المسلحة بوتيرة غير مسبوقة، تصبح أفريقيا مرآة تكشف التحديات التي يواجهها النظام الدولي في حماية الإنسانية. باتريك يوسف، مدير العمليات الإقليمي للجنة الدولية للصليب الأحمر في أفريقيا، لا يحمل رسالة تفاؤل بل صرخة تحذير من واقع متفاقم: نزاعات ممتدة لعقود دون حلول، وتمويل دولي ينهار لصالح التسليح، وقانون دولي إنساني يُطبّق بانتقائية مخجلة.

بعد ست سنوات على رأس العمل الإنساني في القارة الأفريقية، يكشف يوسف في هذا الحوار الصريح مع آلاء نايل، المتحدثة باسم اللجنة الدولية لمنطقة الخليج، عن التحديات التي تواجه المنظمات الإنسانية العاملة في إفريقيا. وهو يقدم شهادة شخصية عن عالم يتجه نحو فقدان بوصلته الأخلاقية، وعن رجل يصرّ على حمل أصوات الناس الذين يعيشون في أحلك اللحظات.

 

دعنا نبدأ بالصورة الأوسع. عندما تنظر اليوم إلى المشهد الإنساني في أفريقيا، ما هو التحدي الأكثر إلحاحاً في رأيك؟ وهل تغيّر هذا التحدي أو تعقّد خلال فترة توليك منصبك؟

إذا نظرنا إلى المناطق المتأثرة بالنزاعات المسلحة، أو إلى المناطق الأكثر تضرراً، فإن الوضع الإنساني يزداد سوءاً بشكل واضح بسبب ثلاثة عوامل متشابكة: أولاً، التراجع الحاد في التمويل الدولي، حيث تفضّل الدول الإنفاق على التسليح بدلاً من العمل الإنساني، مما خلق فجوات ميدانية كبيرة لا نعرف بعد حجمها. وهذا أمر لم يكن مطروحاً أو بهذا الوضوح في إفريقيا قبل أربع أو خمس سنوات. وهنا نأتي للنقطة الثانية وهي غياب الوعي السياسي القادر على وقف النزاعات المسلحة التي تمتد لعقود دون حلول جذرية. لا يوجد إدراك كافٍ بأن أي نزاع مسلح أو أي عمل عنيف يؤدي إلى اضطرابات داخلية، ويتسبب بالنزوح، بل وحتى باللجوء إلى دول مجاورة.

وفي مناطق مثل الصومال أو جمهورية الكونغو الديمقراطية، نلاحظ أن الوضع الإنساني يتراجع بشكل خطير، بينما أعمال العنف تتصاعد. هذا الواقع صادم بعد ست سنوات من عملي، حيث ما زلنا نشهد نزاعات ممتدة منذ أربعين عاماً دون أفق للحل. ما زلت أرى أننا لم نصل إلى مرحلة إيجاد حلول جذرية للمشكلات الأمنية التي تغذي النزاعات والخلافات بلا نهاية. والخوف هو أن يستمر هذا الأمر.

أما النقطة الثالثة والأخيرة فهي الانتقائية في تطبيق القانون الدولي الإنساني بناءً على اعتبارات سياسية، رغم أنه السبيل الوحيد لتهيئة الأرضية لأي عملية سلام، مما يعكس غياب النية الحقيقية للسلام. ما نراه اليوم في أنحاء أفريقيا، شرقاً وغرباً، هي نزاعات ممتدة لعشرين وثلاثين عاما، مع مؤشرات لاستكمالها. فلو كانت هناك نية للسلام، لكان أول ما نراه هو وقف إطلاق نار، ثم مفاوضات جادة.

أشرتَ الآن إلى واقع مقلق جداً: فجوات تمويلية تتسع، واحتياجات إنسانية تتفاقم، فيما النزاعات لا تتوقف، بل تتعقد أكثر فأكثر عبر القارة، من الساحل إلى السودان إلى القرن الأفريقي. في ظل هذا التراكم غير المسبوق للأزمات، كيف تتعامل اللجنة الدولية للصليب الأحمر مع هذا الضغط المتزامن؟ وكيف تُتخذ قرارات الأولويات عملياً عندما تكون الاحتياجات أكبر بكثير من الموارد المتاحة؟

   نواجه هذا الواقع من خلال ثلاث استراتيجيات رئيسية: أولاً، ترتيب الأولويات بوضوح والتركيز على الاحتياجات الأكثر إلحاحاً، مع اتخاذ قرارات صعبة كدمج البعثات أو إغلاق بعض المكاتب حتى نتمكن من الحفاظ على وجودنا في الأماكن التي لا يمكن أن نخذل فيها الأشخاص الذين يعتمدون على مساعدتنا. فمواردنا في إفريقيا تراجعت من مليار فرنك سويسري في 2022 إلى النصف تقريباً اليوم. في المقابل، قد نضطر إلى تقليص أنشطتنا في مناطق أخرى أقل تضرراً، أو في أماكن ما زالت تمتلك بعض القدرة على الصمود، بحيث يستطيع الناس هناك أن يجدوا ما يساعدهم على الاستمرار، وأن يضعوا الطعام على طاولة أطفالهم وعائلاتهم.

لكن في رأيي، أحد أهم التحولات اليوم هو التركيز على بناء شراكات جديدة مع جهات لم نكن نتعاون معها بالشكل نفسه في السابق، مثل بنوك التنمية، لضمان استجابة إنسانية مستدامة طويلة الأمد، لأن التنمية يجب أن تلعب دوراً حتى في سياقات النزاع، لأن الأمر في جوهره يتعلق بمساعدة الناس وبالتنمية البشرية، وليس فقط بالتنمية بالمعنى التقليدي الذي نراه في دول مستقرة مثل الكويت أو الإمارات أو السعودية.

 

وهناك ضرورة لتعزيز التعاون مع الجمعيات الوطنية لضمان الاستمرارية حتى إذا اضطررنا لتقليص وجودنا المباشر. نريد أن نفكر ونخطط وننظم الاستجابة الإنسانية معاً، وهناك نية واضحة لتعزيز هذا التعاون بشكل أوسع بكثير. وإذا كانت هناك إمكانية لأن تقوم الجمعيات الوطنية بدور أكبر على الأرض، مع دعم طويل الأمد أو حتى بدعم عن بُعد، فلمَ لا؟ نحن مستعدون لأن ندعمها لكي تتمكن من القيام بهذا العمل.

ولهذا، فإن حلول الشراكة، سواء مع بنوك التنمية، أو مع مؤسسات خاصة، أو مع جمعيات ومؤسسات مانحة، أصبحت اليوم ضرورة ليس فقط للجنة الدولية، بل للأمم المتحدة ولجميع المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية.

في كثير من الأحيان تُختزل أفريقيا في خطاب الأزمات فقط، وكأن القارة كتلة واحدة من النزاعات والمعاناة. لكن الواقع أكثر تعقيداً. كيف تنظرون إلى هذه الصورة؟ وما الرسالة الأساسية التي يجب أن يسمعها المجتمع الدولي اليوم، ليس فقط حول المساعدات، بل حول المسؤولية السياسية واحترام القانون الدولي الإنساني؟

  أفريقيا ليست كتلة متجانسة من الأزمات. هناك دول حققت تقدماً ملموساً كرواندا وكوت ديفوار، بينما تعاني دول أخرى من نزاعات ممتدة. المشكلة ليست فقط في إرسال المساعدات، بل في غياب الإرادة السياسية لمعالجة الجذور. نحتاج لرؤية شاملة توصلنا لحلول مستدامة. نحن بحاجة إلى أن نُظهر إرادة سياسية حقيقية لمعالجة جذور هذه الأزمات، لا أن نكتفي بإدارة نتائجها.

وإذا كانت النية اليوم هي الاستمرار في الحرب، لأن الأطراف لا تزال محكومة بمنطق الحرب، فعلى الأقل يجب أن يُطبَّق القانون الدولي الإنساني، ويجب أن يُسمح للناس بأن يعيشوا بكرامة.

المسؤولية اليوم عالمية وشاملة. نعم، نحن نتحدث عن مسؤولية الدول أولاً، لكن في الوقت نفسه لا ينبغي أن يكون العمل الإنساني مجرد مساعدات نلقيها للناس لكي “نُريح ضمائرنا”. هذا ليس جوهر المسألة. الأهم هو أن يكون هناك مسار حقيقي للخروج من دوامة العنف.

وأفريقيا نفسها تضم دولاً لديها خبرات قيّمة في الخروج من الحروب، مثل السنغال، أو رواندا، يمكن أن تُسهم في بناء مسارات السلام. ما يحدث اليوم لا يليق بالقرن الحادي والعشرين، لا يجوز أن يكون العالم منشغلاً بالاستثمار في التكنولوجيا والمعلوماتية والمستقبل، نفشل في إيصال مقومات الحياة الأساسية. هذا يعني أن الإنسانية تفشل.

تحدثتم عن القانون الدولي الإنساني، وكثير من الدول تنظر إليه أحياناً كمبدأ نظري أكثر منه واقعاً عملياً. من واقع تجربتكم وموقعكم في أفريقيا، كيف يترجم احترام القانون الدولي الإنساني فعلياً على أرض الواقع؟

  غالباً ما نتحدث عن القانون الدولي الإنساني فقط من زاوية الانتهاكات وعدم الاحترام، لكن هناك أمثلة واضحة على التطبيق الإيجابي للقانون الدولي الإنساني في الميدان. أول هذه الأمثلة يتمثل في احترام حقوق المحتجزين، ومنحنا إمكانية الوصول إليهم، ويمنع الاختفاء القسري، ويسمح بتحسين أوضاعهم الصحية، وخاصة إذا كانوا أسرى حرب، وهو ما يدخل في صلب التزامات الدول بموجب القانون الدولي الإنساني.

المثال الثاني يتعلق بحماية المرافق الصحية والبنية التحتية الحساسة (كمواقع عينات الإيبولا). تخيلوا لو تعرضت هذه المواقع للقصف، ماذا كان سيحدث من انتشار كارثي للأوبئة. هذا أيضاً شكل من أشكال التطبيق الإيجابي للقانون.

أما النقطة الثالثة فهي عندما يُطلب من اللجنة الدولية أن تؤدي دور الوسيط المحايد في عمليات إنسانية محددة. الوساطة بحد ذاتها ليست من أولوياتنا الأساسية، لأننا لسنا جهة تفاوض نيابة عن الأطراف، لكننا ننفذ ما يتفق عليه الأطراف كوسيط محايد.

على سبيل المثال، قمنا في إحدى العمليات بإجلاء أكثر من مئة طفل، مع خمسين من العاملات الاجتماعيات اللواتي كنّ معهم.

هذه الممارسات تثبت أن القانون قابل للتطبيق، وأن احترامه رسالة أخلاقية تؤكد أن حتى الحرب لها حدود، وأن المبادئ الأساسية هي ما يحفظ إنسانيتنا جميعاً.

إذا انتقلنا إلى مسألة الوصول الإنساني، وهي من أكبر التحديات في أفريقيا اليوم، من واقع خبرتكم، ما أبرز القيود التي تواجهونها على الأرض؟ وربما يمكن أن نأخذ السودان مثالاً واضحاً في هذا السياق.

  في السودان يشكل انعدام الأمن السبب الأول والأهم. كما تعلمين، فقدنا أربعة من زملائنا الأعزاء خلال العامين والنصف الماضيين، كما فقدت جمعية الهلال الأحمر السوداني أكثر من ثمانية وعشرين متطوعاً. ويتطلب الوصول الإنساني وقفا لإطلاق النار من قبل الأطراف المتحاربة، أو على الأقل السماح لنا بالدخول إلى مناطق معينة.

إلى ذلك هناك عقبة، للأسف أنها لا تنطبق على السودان وحده بل نتحدث عنها بشكل عام، هي نزع الصفة الإنسانية عن الطرف الآخر. وبالتالي لا يصبح المدنيون فقط ضحايا لأنهم في منطقة نزاع، بل هم أيضاً يُعاملون وكأنهم غير جديرين بالحماية أو بالمساعدة الإنسانية.

أما النقطة الأخرى، وهي في رأيي من أكثر النقاط حساسية، فهو تصنيف الجماعات المسلحة “إرهابية” فيصبح مجرد الحديث معها سبباً لاتهام المنظمة بأنها «تتعامل مع إرهابيين”.

فعندما تكون مناطق واسعة خاضعة لسيطرة جماعات مسلحة غير حكومية، تفرض علينا طبيعة عملنا كمنظمة إنسانية أن نتحاور مع جميع الأطراف، بما في ذلك الجماعات المسلحة، للوصول للمدنيين.

وهذا قد يؤدي إلى محاسبتنا أو تصنيفنا وكأننا طرف في النزاع، ما يهدد حيادنا وعدم تحيزنا، وهما أساس وجودنا وعملنا منذ تأسيس اللجنة الدولية.

هذه القضايا الثلاث تشكل جوهر التحديات المتعلقة بالوصول الإنساني. وفي النهاية، يجب التأكيد على أن الوصول الإنساني ليس مسألة اختيارية، بل هو ضرورة ينص عليها القانون الدولي الإنساني. وجزء من احترام القانون هو أن تسمح الأطراف للمنظمات الإنسانية بأن تقوم بعمل الإغاثة.

أود أن أنتقل إلى نقطة أخيرة مرتبطة بطبيعة الحروب اليوم. نشهد تصاعداً في حروب المدن واستخدام التكنولوجيا بشكل غير مسبوق. كيف غيّر هذا الواقع الجديد طبيعة العمل الإنساني، وكيف أثّر على المدنيين في أفريقيا تحديداً؟

  حروب المدن ليست ساحات جديدة تماماً (الخرطوم منذ عامين ونصف، مالي، طرابلس وبنغازي)، لكن ما تغيّر هو تصاعد نسبة الضحايا المدنيين داخل المناطق المكتظة بشكل غير مسبوق، في حين أصبحت مناطق كاملة منكوبة، وكيلومترات من المنازل مدمرة، ما يخلق تعقيدات إضافية أمام العمل الإنساني.

التحول الأكبر يتمثل في الاستخدام الهائل للطائرات المسيّرة، المتاحة اليوم لأي جهة أو فرد وليس فقط للدول، مما يلغي مفهوم “خط التماس” التقليدي ويزيد المخاطر على المدنيين. لم يعد هناك خط مواجهة واضح بين طرفين. اليوم يمكن لأي طرف أن يؤذي الآخر من مسافة بعيدة، وهو ما يخلّ بالأمن ويزعزع توازن القوى بين الأطراف المتصارعة.

نحن ما زلنا نتعلم كيف نفهم هذه التحولات بشكل أعمق، وندخل هذا الموضوع في حواراتنا مع أطراف النزاع.

بعد كل ما وصفته من تحديات وضغوط، كيف تنظر شخصياً إلى هذا الواقع الإنساني؟ ما الذي يبقى في نهاية المطاف؟

 أول فكرة تأتي إلى ذهني هي أننا، مهما فعلنا، نبقى نقطة في بحر الاحتياجات. ومع ذلك، لا أندم أبداً على شيء قمنا به، أو على العمل الذي سعيت إليه مع شركائنا.

لكن رغم كل ما قيل، ورغم كل ما فعلته المؤسسات الإنسانية عبر تاريخ طويل، هناك شعور ثقيل بأن المعاناة تتزايد، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل فقدت الإنسانية إحساسها بالمسؤولية؟

هل أصبح ما نراه اليوم في العالم ينطبق أيضاً على شعوب وأشخاص فقط لأنهم يعيشون في مناطق معينة أو دول لا تحظى بالاهتمام ولا تحصل على المساعدات التي هي حق لها؟ الحق الأساسي لأي إنسان هو الطعام والماء والكرامة، وهو أمر يوجع القلب. العدالة الإنسانية تعني أن لكل إنسان حقا في الحياة والكرامة، لا أن يُحاسَب أو يُعاقَب فقط لأنه ضعيف أمام قوة مسلحة عظيمة تقتحم حياته.

ولا أتوقف عن تذكر زملائنا الذين فقدناهم في الميدان. ومع ذلك هناك لحظات أخرى إيجابية ومؤثرة، كعودتي إلى دارفور بعد عشرين عاماً ولقائي بزملاء قدامى. هذه اللحظات تذكّرنا أن الاستمرارية، رغم الألم، هي أيضاً شكل من أشكال الأمل.

ما الأثر الأخير، أو الرسالة الأساسية التي تريد تركها؟

  أعتقد أن ما يدل عليه كل ذلك هو أننا لا يجب أن نقبل بهذا الواقع. ومسؤوليتنا هي أن نستخدم ما لدينا من قدرة وموقع ومساحة لنقل أصوات من فقدوا صوتهم، لأن هذا جوهر الإنسانية. فهؤلاء الناس لا يمكن أن يموتوا في الصمت.

Share this article

تعليقات

There is no comments for now.

Leave a comment