الحجج الإنسانية لتحقيق عالمية اتفاقية الذخائر العنقودية

القانون الدولي الإنساني

الحجج الإنسانية لتحقيق عالمية اتفاقية الذخائر العنقودية

الطفل عمر مع والده في مركز التأهيل البدني التابع للجنة الدولية في كابول (تصوير: محمد مسعود سميمي/ اللجنة الدولية)

تتسبب الذخائر العنقودية في أضرار في لحظة الهجوم ولفترة طويلة بعد انتهاء القتال على حدّ سواء. فهي تنثر ذخائر صغيرة على مساحات واسعة، وغالباً ما لا ينفجر منها سوى عدد صغير، فتعرِّض المدنيين بذلك لخطر مباشر وتخلّف وراءها ذخائر غير منفجرة يمكن أن تسبب القتل والإصابة على مدى عقود من الزمان. أما الناجون فقد تستمر هذه العواقب طوال حياتهم لأنها لا تقتصر على إصابتهم الأولية وإنما تلقي بظلالها على صحتهم الجسدية والنفسية وتعليمهم وسُبل عيشهم ومشاركتهم في الحياة المجتمعية. وأُبرمت اتفاقية الذخائر العنقودية لمواجهة هذه العواقب الإنسانية الموثَّقة والمتواصلة فجمعت بين حظر هذه الأسلحة وقطع التزامات بتطهير المناطق الملوثة ومساعدة الضحايا.
وفي هذا المقال، يبحث المستشار القانوني في اللجنة الدولية للصليب الأحمر فهد أحمد، ومنسق برنامج إعادة التأهيل البدني التابع للّجنة الدولية مارتن أبيل، الحجج الإنسانية لتعزيز المساعي الرامية إلى تنفيذ الاتفاقية وتحقيق عالميتها قبل انعقاد مؤتمرها الاستعراضي الثالث في لاوس في أيلول/سبتمبر 2026. واستناداً إلى تجارب الناجين ودور إعادة التأهيل البدني في الوقاية من أن تسفر إصابة الأشخاص عن إقصائهم مدى الحياة، يذهب المؤلفان إلى أن الاتفاقية قد أثبتت ما لنزع هذا السلاح لأغراض إنسانية من أهمية في درء الأضرار المستقبلية والتصدي لعواقبها. ويدعو المؤلفان الدول إلى رفض أي تطبيع لاستخدام الذخائر العنقودية، وكذلك إلى تعزيز مساعدة الضحايا وإعادة تأهيلهم وتسريع تحقيق عالمية الاتفاقية.

لم يكن في يوم عمر، ابن السابعة، ما يخرج عن المألوف: يمضي مع أخيه وبعض الأصدقاء إلى الحقول القريبة من منزلهم في حي خاك جبار بكابول لجمع العلف لماشيتهم. وقد أتقن هذا العمل وألِف تلك الحقول حتى حفظ مسالكها. بيد أن يوماً من أيام أيار/مايو 2023 قلب حياته رأساً على عقب.
ولا يتذكر عمر ما جرى آنذاك، فلم يبق له من ذلك اليوم سوى ذكريات مبهمة. فقد استدعى جسم غريب في الحقل فضول الصبية. ولم يُمهلهم الجسم حتى يتبيّنوا ماهيته فانفجر وأودى بحياة أخيه ذي التسع سنوات وأصاب الآخرين بجروح بالغة. وفقد عمر ساقه اليمنى وأُصيب بجروح عميقة في بطنه.
ويقول السيد وكيل، والد عمر: “جرت العادة أن يُكلَّف أطفال الحي بمهمة جمع العلف للماشية من الحقول المجاورة. وعندما ذهبوا إلى الحقول، في 4 أيار/مايو، اكتشفوا جسماً معدنياً غريب الشكل. ولعلهم عبثوا به أو قذفوه فوقع الانفجار”. وقد بلغه نبأ الحادث من السلطات المحلية، فيقول: “اضطررت أولاً إلى الذهاب لدفن أحد أبنائي ثم التوجه مسرعاً إلى مستشفى في كابول لأطمئن على ولدي الآخر الذي لم تُبق الجراح من جسده موضعاً سليماً”.
ويجلس السيد وكيل بجانب عمر، الذي لزم الصمت منذ وقوع ذلك الحادث الصادم، يستذكر كيف كان ابنه مولعاً بلعب الكريكيت وكيف التحق مؤخراً بإحدى المدارس الابتدائية، فيقول: “كان يصبو إلى أن يصبح طبيباً أو مهندساً يوماً ما. وصحيح أن الحادث زاد حياته مشقةً وعسراً، لكنني على يقين من أنه سيبلغ ما يصبو إليه بعد حصوله على طرف اصطناعي. فهو يحتاج إلى من يساعده على مواجهة ما ينتظره من مصاعب”. فقد تسببت الإصابة والإعاقة الناجمة عنها في إعاقة طويلة الأجل قد تؤدي إلى المزيد من العزلة الاجتماعية والاقتصادية إن لم يحصل على الدعم الملائم.
وعمر واحد من عشرات الآلاف من الناجين الذين لم يُصابوا خلال القتال، بل أُصيبوا من جراء مخلفات الحرب القابلة للانفجار بعد انتهاء الأعمال القتالية. ولا تقتصر أضرار الذخائر العنقودية على أفراد مثل عمر بل تضر بمجتمعات محلية بأكملها فتلوّث مساحات شاسعة وتحول دون عودة النازحين بأمان وتعيق الوصول إلى الحقول لعقود من الزمن. وفي حالة عمر، ظلت بقايا ذخيرة عنقودية مطمورة في الأرض، فإذا بالحقل الذي ألِفه يصير مكمناً لخطر مميت.

ما بعد النجاة: إعادة التأهيل كوسيلة حماية لصون الكرامة

تذكّرنا قصة عمر تذكيراً صارخاً بما تعود به مخلفات الحرب القابلة للانفجار من عواقب فتاكة، إذ يمكن أن تتسبب في إعاقات تستمر آثارها خلال النزاع وبعده. وأشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى ذلك بقوله:
“كثيراً ما يكون الأشخاص ذوو الإعاقة من بين أشد الفئات تضرراً في حالات الخطر وحالات الطوارئ الإنسانية. ومن الأرجح أن يكونوا ضحايا للعنف والإيذاء والاستغلال، والكوارث الطبيعية والكوارث الناجمة عن النشاط البشري، وحالات الطوارئ الإنسانية وحالات النزاع، وكثيراً ما يكون لهم تمثيل زائد بين الأشخاص النازحين قسراً، ومن المرجح أن يعاني الأشخاص ذوو الإعاقة من الفقر، مما يزيد ضعفهم ويعرضهم للأخطار. وعلى هذا النحو، فإنهم يتعرضون أثناء الكوارث الطبيعية وفيما بعدها لمزيد من الخسائر البشرية والمادية، ويسقط أحياناً في صفوفهم ضِعف معدل وفيات الأشخاص غير ذوي الإعاقة”.
أما الناجون مثل عمر فغالباً ما تتفاقم أوجه الضعف الطويلة الأجل الناجمة عن إصاباتهم مع مرور الوقت، فترتفع الكلفة التي تتحملها الأسر وأنظمة الرعاية الصحية والمجتمعات لسنوات عديدة مقبلة. وتتفاقم الآثار الجسدية والنفسية المباشرة بفعل عوائق تحول دون الحصول على الرعاية الصحية والتعليم وسُبل العيش، ولا سيّما في المناطق المتضررة من النزاعات حيث تكون البنية التحتية متضررة والموارد شحيحة. ولا تقتصر إعادة التأهيل على كونها مجرد خدمة تُقدَّم، بل هي طوق نجاة يحول دون ترك الناجين خلف الركب ويساعد على كسر هذه الحلقة المفرغة من استفحال أوجه الضعف.
ولبرنامج إعادة التأهيل البدني التابع للّجنة الدولية دور حيوي في هذه العملية، إذ يقدم خدمات شاملة عمادها الإنسان تلبي الاحتياجات المعقدة للناجين. ولا يقتصر ما يقدّمه البرنامج لعمر على ساق اصطناعية، فالعلاج الطبيعي المبكر والمتواصل يساعده على استعادة قوته وقدرته على الحركة، وتوفر خدمات الأطراف الاصطناعية والأجهزة التقويمية حلولاً مصممة خصيصاً له تواكب نمو جسده.
وتتسم خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي بأهمية مماثلة، إذ تساعد ناجين كعمر على التعايش مع أثر الصدمة وفقدان الأحباء وصعوبة التكيف مع الواقع الجديد. فإعادة التأهيل لا تقتصر على التعافي الجسدي فحسب وإنما تتمثل في استعادة الكرامة وتدبرّ الأمور والقدرة على المشاركة في الحياة المجتمعية مشاركةً كاملة. ويساعد برنامج إعادة التأهيل البدني، من خلال تلبية الاحتياجات الفورية والطويلة الأجل للناجين، على الحدّ من خطر التهميش بما يضمن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من إعادة بناء حياتهم والمساهمة في مجتمعاتهم المحلية.
ولا تُكسر هذه الحلقة بالتعاطف وحده، وإنما بالتزام طوعي قائم على الحقوق بإعادة التأهيل ومساعدة الضحايا يتيح تذليل العوائق النُظمية التي يواجهها الناجون طوال مسار تعافيهم. وتكتسي العناصر الأربعة التالية أهمية خاصة في هذا الصدد:
• الحصول على خدمات إعادة التأهيل في الوقت المناسب: إن إعادة التأهيل المبكر ليست ضرورة طبية فحسب، وإنما عنصر أساسي من عناصر حماية صحة الإنسان وكرامته. فالتأخير الكبير بين وقوع الإصابة وبدء إعادة التأهيل قد يحدّ من فرص التعافي ويطيل أمد دوامات عدم المساواة والإقصاء. وأما التدخل في الوقت المناسب فيمنح الناجين أفضل فرصة لاستعادة كرامتهم واستقلالهم.
• تقديم خدمات شاملة ومكثفة: يجب أن تكون خدمات إعادة التأهيل كليّة ومكثفة بما يكفي لضمان فعاليتها. فتركيب أطراف اصطناعية دون علاج طبيعي أو دعم نفسي مثلاً لا يلبّي جميع احتياجات الناجين وقد يحدّ من قدرتهم على المشاركة الكاملة في المجتمع.
• ممارسات قائمة على الأدلة: في البيئات التي تعاني من شحّ الموارد، يصبح اعتماد ممارسات قائمة على الأدلة وفعالة من حيث التكلفة ضرورة عملية وواجباً أخلاقياً في آن واحد. فالممارسات غير الفعالة أو المتقادمة تتسبب في إهدار الموارد الشحيحة أصلاً وتحدّ من حصول الناجين على أعلى مستوى ممكن من الرعاية.
• نتائج صحية وظيفية: لا تُعدّ معدلات الوفيات والاعتلال بحدّ ذاتها مقياساً كافياً لتقييم فعالية المساعدة المقدمة إلى الضحايا. فما يهم أيضاً هو أن يتمكّن الناجي من العودة إلى المدرسة واستئناف عمله والمشاركة في الحياة المجتمعية والعيش باستقلال والتمتع بحسن الحال العاطفي. فهذه النتائج أصدق دلالة على ما إذا كانت خدمات إعادة التأهيل تمكّن الناجين فعلاً من إعادة بناء حياتهم.
ويمكننا من خلال سد الفجوات النُظمية المذكورة آنفاً صون كرامة الناجين وحماية حقوقهم لضمان عدم تركهم خلف الركب، بل تزويدهم بالوسائل اللازمة لتمكينهم من إعادة بناء حياتهم والمساهمة في مجتمعاتهم المحلية.
وأتاح برنامج إعادة التأهيل البدني التابع للّجنة الدولية إحداث تأثير كبير في جميع أرجاء العالم من خلال مساعدة الناجين من النزاعات على استعادة استقلالهم وكرامتهم. ففي عام 2025، عمل البرنامج في 28 بلداً متضرراً من النزاعات، وقدم خدمات إعادة التأهيل البدني إلى 254506 أشخاص، منهم 25343 شخصاً أُصيبوا بجروح ناجمة عن الألغام الأرضية أو مخلفات الحرب القابلة للانفجار.
بيد أن خدمات إعادة التأهيل وحدها لا تكفي لحماية طفل آخر من التعرض للمصير ذاته.

المشكلة الإنسانية التي استدعت استجابة قانونية

للمشكلات الإنسانية المرتبطة بالذخائر العنقودية جانبان. ويتمثل الجانب الأول في أنها تنثر أعداداً كبيرة من الذخائر الصغيرة على مساحات شاسعة فيسقط المدنيون بسهولة ضحايا للهجوم، ولا سيّما عند استخدام الذخائر العنقودية في المناطق المأهولة بالسكان. وأما الجانب الآخر، وهو المشكلة التي ربما تحظى باعتراف أوسع، فهو أن أعداداً كبيرة من الذخائر الصغيرة لا تنفجر كما هو مقرر بعد إطلاقها وإنما تظل في الأرض تلوّث مساحات شاسعة من الأراضي بذخائر متفجرة فتاكة.
وليس الغرض من اتفاقية الذخائر العنقودية حظر هذه الأسلحة فحسب، بل هي تشكّل استجابة للمعاناة الناجمة عنها التي أودت بحياة آلاف المدنيين وأصابت آلافاً آخرين منهم في البلدان التي استُخدمت فيها. وتشير ديباجة الاتفاقية صراحةً إلى اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وإلى ضرورة تحقيق المساواة لهم في الحقوق.
وفي أيار/مايو 2008، أبرمت 107 دول معاهدة دولية تحظر هذه الأسلحة. واندرجت المفاوضات التي مهدت لإبرامها في إطار “عملية أوسلو”، وهي مبادرة نرويجية تمثَّل الغرض منها في إبرام مثل هذه المعاهدة. وفُتح باب التوقيع على الاتفاقية في 3 كانون الأول/ديسمبر 2008 ودخلت حيز النفاذ في 1 آب/أغسطس 2010.
وكانت المشكلة الإنسانية ماثلة بوضوح قبل إبرام الاتفاقية بوقت طويل. فعندما استُخدمت الذخائر العنقودية لأول مرة في الهجوم على ميناء غريمسبي البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، لم تنفجر ثلاثة أرباع الذخائر الصغيرة التي ألقتها الطائرات كما كان مقرراً، فاقتضى الأمر إزالتها. وعُثر على هذه الأسلحة على الطرق وأسطح المنازل وعالقة بين غصون الشجر. ووقعت ثلاثة أرباع الإصابات الإحدى والستين بعد الهجوم لا في أثنائه. وحمل الأطفال هذه القنابل الصغيرة إلى منازلهم، وكان بعضهم قاب قوسين أو أدنى من الموت. واقتضى العمل على إزالتها حشد موارد هائلة.
وأما الأسس القانونية فهي تمتد إلى جذور أعمق. فقد أرسى إعلان سان بطرسبرغ لعام 1868 مبدأ تنحّي ضرورات الحرب أمام متطلبات الإنسانية فيما يخص أسلحة بعينها. واستمر هذا النهج مع اعتماد البروتوكولَين الإضافيَين لاتفاقيات جنيف في عام 1977. وينص البروتوكول الأول على أن “يتمتع السكان المدنيون بحماية عامة [من] الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية”، وأنه يجب اتخاذ “جميع الاحتياطات المستطاعة” لحمايتهم، ولا سيّما عند اختيار الأسلحة، وينص أيضاً على حظر الهجمات العشوائية. ويتجلى هذا النهج أيضاً في أحكام رائدة سابقة أرستها اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد والبروتوكول بشأن المتفجرات من مخلفات الحرب. وتقضي هذه الصكوك بأن على الدول مسؤولية الحيلولة دون الأضرار التي تصيب المدنيين جراء “الأسلحة التي لا تكف عن القتل” وجبر هذه الأضرار.

من الحظر إلى الحماية: كيف أثبتت الاتفاقية فعاليتها

إن اتفاقية الذخائر العنقودية إضافة مهمة إلى القانون الدولي الإنساني لأنها تعزز قواعده العرفية الأساسية المنطبقة على جميع الدول. وهي قواعد تُلزم أطراف النزاع بالتمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبعدم شن عمليات إلا على أهداف عسكرية، وبالحرص دائماً على تجنب إصابة المدنيين والأعيان المدنية. وبموجب هذه الاتفاقية، تُعتبر الذخائر العنقودية سلاحاً يستند حظره إلى القانون الدولي الإنساني، شأنها في ذلك شأن الرصاص المتفجر والقابل للانشطار، والأسلحة الكيميائية والأسلحة البيولوجية، والألغام المضادة للأفراد، والأسلحة التي تستخدم شظايا لا يمكن اكتشافها، وأسلحة الليزر المسببة للعمى، والأسلحة النووية.
وفضلاً عن الحظر القاطع الذي تفرضه الاتفاقية على الدول الأطراف بشأن استخدام الذخائر العنقودية، خضع استخدام هذه الأسلحة أيضاً لبحث دقيق في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي المتعلقة بالتمييز والاحتياطات في الهجوم. وخلصت عدة محاكم ولجان أو هيئات دولية إلى عدم مشروعية أوجه استخدام معينة للذخائر العنقودية في المناطق المأهولة بالسكان. فقد رأت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، في قضية مارتيتش مثلاً، أن استخدامها كان عشوائياً، بينما خلصت هيئات أخرى، منها محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان ولجنة المطالبات الخاصة بإريتريا وإثيوبيا، إلى عدم مشروعية أوجه استخدام معينة لهذه الأسلحة بموجب القواعد المتعلقة بالاحتياطات الواجب اتخاذها خلال الهجمات. وتشير هذه الاستنتاجات، وإن كان يرتبط كل منها بسياقه الخاص، إلى الشواغل القانونية الجسيمة التي يثيرها استخدام الذخائر العنقودية في المناطق المأهولة بالسكان، حيث يكون من “المشكوك فيه إلى حدّ بعيد” أن تُوجَّه هذه الأسلحة إلى هدف عسكري محدد وفق ما يقتضيه القانون الدولي الإنساني.
وتبيّن الاتفاقية كيف تتيح معاهدات نزع السلاح لأغراض إنسانية إنقاذ الأرواح حتى خارج نطاق الدول الأطراف فيها لأنها تعيد صياغة ما يعدّه المجتمع الدولي مقبولاً من أسلحة. ويؤدي نزع السلاح دوراً حاسماً في التمسك بالمعايير الإنسانية والحدّ من مخاطر التصعيد وبناء الثقة بين الدول. ولا بدّ من إيلاء الأولوية لنزع السلاح لأغراض إنسانية، سواء في أوقات السلم أو أثناء النزاعات المسلحة، من خلال صكوك ومبادرات لنزع السلاح ترمي إلى التمسك بالقانون الدولي الإنساني وتعزيزه عن طريق تجنب المعاناة الإنسانية والأضرار البيئية الناجمة عن استخدام أنواع معينة من الأسلحة كالذخائر العنقودية، والتخفيف من وطأتها وتدارك عواقبها. وتواصل اللجنة الدولية والحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر عموماً، انطلاقاً من هذه المسوّغات الإنسانية، دعوة الدول إلى الانضمام إلى معاهدات نزع السلاح لأغراض إنسانية.
وتحظر 112 دولة اليوم الذخائر العنقودية حظراً شاملاً، فترسّخ بذلك ما يلحق باستخدامها من وصمة. وهناك 12 دولة موقعة على الاتفاقية، بالإضافة إلى دول أخرى ملتزمة بالأهداف المنصوص عليها في الاتفاقية. وفضلاً عن ذلك، أُتلفت كميات هائلة من المخزونات منذ اعتماد الاتفاقية. فخلال العقدين الماضيَين، أتلفت 42 دولة طرفاً جميع مخزوناتها المعلنة من الذخائر العنقودية، أي زهاء 1.5 مليون ذخيرة عنقودية و180 مليون ذخيرة صغيرة. فما من ذخيرة تُتلف إلا وزال معها خطر أن تصبح مخلّفات حرب قابلة للانفجار تسفر عن مقتل أو إعاقة أطفال مثل عمر وأصدقائه.

الفائدة العسكرية لا تطغى على التكلفة الإنسانية

ظهرت الذخائر العنقودية للمرة الأولى في الحرب العالمية الثانية ثم تطور استخدامها خلال الحرب الباردة لغرض رئيس يتمثل في مهاجمة تجمعات المركبات المدرعة، بيد أن استخدامها كثيراً ما تجاوز هذا الغرض. واختفى مفهوم الهجوم المدرع الضخم إلى حدّ بعيد من الحروب الحديثة. ومن ثمّ، في عصر المراقبة الشاملة والذخائر الدقيقة والطائرات المسيَّرة البعيدة المدى والعاملة بنظام “منظور الشخص الأول”* في آن واحد، يتبين أن الغرض الذي وُضعت له الذخائر العنقودية يتقادم يوماً بعد يوم.
والسؤال الجوهري الذي يتعين على أطراف النزاعات المسلحة والقادة العسكريين الإجابة عنه هو ما إذا كان يمكن في أي وقت من الأوقات ترجيح كفة استخدام الذخائر العنقودية على عواقبها الإنسانية المعروفة في أي هجوم بخلاف الهجمات التي تستهدف تجمعات المركبات المدرعة في الأراضي المكشوفة، ولا سيّما في سياق أي هجوم على أهداف عسكرية في المناطق الحضرية.
وكثيراً ما يُزعم أن لهذه الأسلحة دوراً حاسماً في الهجمات، ولكن لم يُقدَّم من الأدلة التجريبية التي تثبت صحة هذا الادعاء إلا النزر اليسير. بل إن إحدى عمليات التقييم القليلة المتاحة تطعن في صحة هذه المزاعم لا تؤكدها. وقد خلصت الدراسة، التي أجراها معهد بحوث الدفاع النرويجي في عام 2008، إلى أن العديد من الأسلحة العنقودية الموجودة حالياً في المخزونات العسكرية اليوم لها “تأثير أكثر تواضعاً مما يُفترض عادةً”، وأنها وإن كانت “تُحدث تأثيراً مُرضياً أو كافياً على معظم الأهداف”، فقد تعذر “التوصل إلى أي دليل يدعم الزعم بأن هذه الأسلحة تتفوق على بدائلها تفوّقاً يجعلها لا غنى عنها”.
ونظراً للآثار العشوائية لهذه الأسلحة وأنماط الضرر الموثَّقة جيداً التي تلحقها بالمدنيين، حثت اللجنة الدولية جميع من يواصلون استخدام الذخائر العنقودية على وقف استخدامها فوراً.

المؤتمر الاستعراضي الثالث: فرصة لتجديد الالتزامات

سيُعقد المؤتمر الاستعراضي الثالث لاتفاقية الذخائر العنقودية في شهر أيلول/سبتمبر من عام 2026 في لاوس، وهي من أشد البلدان تضرراً من التلوث بالذخائر العنقودية منذ حرب الهند الصينية الثانية قبل ستة عقود. وينبغي ألا يقتصر هذا المؤتمر على إجراء تقييم دبلوماسي للحصيلة الـمُنجَزة. ففي وقت لا تزال فيه الذخائر العنقودية تصيب المدنيين بالضرر، يوفر المؤتمر للدول الأطراف فرصة للدفاع عن المعايير المتعلقة بمكافحة هذه الأسلحة وتعزيز تنفيذ الاتفاقية. وينبغي أن تُسخّر الدول الأطراف المؤتمر من أجل تحقيق ما يلي:

•   رفض أي تطبيع لاستخدام الذخائر العنقودية، إذ يجب إدانة أي استخدام لها في أي مكان من أي جهة وأياً كانت الظروف.
• الحيلولة دون أي انسحاب جديد من اتفاقية الذخائر العنقودية أو أية معاهدة إنسانية أخرى والتصدي لأية محاولة للالتفاف عليها.
• تسريع عملية تحقيق عالمية المعاهدات الإنسانية وإيلاء الأولوية للتواصل والتوعية لدى الدول غير الأطراف والدول الموقعة، ولا سيّما في المناطق المتضررة.
• إعادة تأكيد أهمية القيود الإنسانية في الحرب بشدة، واتخاذ خطوات إيجابية لتعزيز احترام القانون الدولي الإنساني.
• توعية الجمهور بكيفية مساهمة نزع السلاح والقانون الدولي الإنساني في إنقاذ الأرواح، وتعزيز فهم المخاطر المترتبة على تقويض ما يوفرانه من حماية.
• الوفاء بالالتزام بإتلاف جميع المخزونات الموجودة وتشجيع الدول غير الأطراف على أن تحذو حذوها.
• التصدي لمشكلة التلوث بالأسلحة من خلال اتخاذ إجراءات استجابة إنسانية وإنمائية منسقة ومحكمة التخطيط ومزودة بالموارد الكافية.
• اعتماد خطة عمل طموحة في فينتيان العاصمة تتضمن التزامات ملموسة ومحددة زمنياً ويمكن التحقق منها.

وينبغي للدول الأطراف أيضاً تعزيز الالتزام الذي تعهدت به الاتفاقية تجاه الناجين، والإقرار بالتكلفة الاجتماعية والاقتصادية الباهظة الناجمة عن الإصابات التي تلحق بالأفراد والأسر والمجتمعات، وذلك من خلال ما يلي:

• اعتماد نُهج شاملة لمساعدة الضحايا: القيام عملاً بالمادة 5 من اتفاقية الذخائر العنقودية واسترشاداً باتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بإدماج الرعاية الطبية وإعادة التأهيل البدني والدعم في مجال الصحة النفسية وإعادة الإدماج الاجتماعي في سياسات مساعدة الضحايا لتلبية احتياجات الناجين وحقوقهم على اتساعها.
• إيلاء الأولوية لإعادة التأهيل في الوقت المناسب: ضمان الحصول المبكر على خدمات إعادة التأهيل في إطار برامج مساعدة الضحايا للحيلولة دون تفاقم أوجه ضعفهم ولضمان تمكين الناجين من استعادة استقلالهم وكرامتهم.
• التركيز على جودة الحياة: إعادة تعريف مفهوم النجاح في مجال مساعدة الضحايا من خلال إيلاء الأولوية للنتائج تشمل مثلاً القدرة على أداء مهام الحياة اليومية والتعليم والتوظيف والمشاركة المجتمعية.
• الاستثمار في النُظم الوطنية لإعادة التأهيل: بناء نُظم مستدامة لإعادة التأهيل من خلال تدريب عدد كافٍ من المهنيين المحليين المؤهلين، وإنشاء مراكز يسهل الوصول إليها والحصول على خدماتها، وضمان توفير أجهزة مساعِدة بأسعار معقولة.

الخاتمة: من إعادة التأهيل إلى الوقاية

يتمكن عمر اليوم من المشي بمساعدة طرف اصطناعي، ويواصل تلقي الدعم البدني والنفسي والاجتماعي في مركز لإعادة التأهيل يحظى بدعم اللجنة الدولية في كابول. وقد يساعد الطرف الاصطناعي على استعادة القدرة على الحركة، ويمكن لخدمات إعادة التأهيل أن تساعد على استعادة الاستقلال. بيد أن الوقاية وحدها هي التي تضمن ألا يُصاب طفل آخر بما أصيب به عمر.
ولا يقتصر الغرض من اتفاقية الذخائر العنقودية في نهاية المطاف على حظر سلاح ما فحسب، وإنما ترمي إلى حماية المدنيين وإعادة الكرامة للناجين وضمان ألا يُجبر أي مجتمع على العيش تحت وطأة الإرث القاتل للحروب الماضية. وعندما تجتمع الدول في لاوس بمناسبة انعقاد المؤتمر الاستعراضي الثالث في أيلول/سبتمبر 2026، ستكون لديها الفرصة والمسؤولية في آن واحد لإعادة تأكيد هذا الالتزام من خلال اتخاذ إجراءات ملموسة.

ملاحظة من المؤلفَين: يتوجه المؤلفان بالشكر إلى السيد روبرت أنجيلو تشيكوني، مدير برنامج إعادة التأهيل البدني في أفغانستان، على إثراء هذا المقال بقصة عمر، وعلى إشرافه على البرنامج الذي يضمن استمرار علاج عمر.

*هي طائرات صغيرة يتحكّم بها المُشغّل عن بُعد من خلال نظارة أو شاشة تنقل إليه بثّاً مباشراً من كاميرا مثبّتة على مقدمة الطائرة. أي أنّ المُشغّل يرى ما تراه الطائرة تماماً وكأنه يجلس داخلها، ما يمنحه دقّة عالية في التوجيه.

 

نشر هذا المقال بالإنكليزية في مدونة “القانون الإنساني والسياسات 

شارك هذا المقال

تعليقات

لا توجد تعليقات الآن.

اترك تعليقًا