تاريخيًّا، وظف فنانون أدوات مختلفة للتعاطي مع الحرب، بالدعم أو الإدانة. صاحب الفن الحرب، وكان أداة للمقاومة أو التوعية، فنراه يوثق آثار الحرب، ويعطي صوتًا لمن عانوا ويلاتها، وفي أحيان عدة كانت الذاكرة الفنية ضحية متعمدة للحروب.

تحفظ لنا آثار العصور القديمة، من جداريات ومنحوتات، الذاكرة الفنية للحرب، وتشير بوضوح إلى الهدف التوثيقي للفن التشكيلي. في لوحة الحرب والسلم السومرية (Standard of Ur)، تُصور الحرب كجانب من جوانب الحياة. في هذه القطعة الأثرية العظيمة، والغامضة، وعن طريق تشكيلات فسيفساء متقنة تتجاور الحرب مع السلام.

إلى الغرب من العراق، كانت مصر، وفيها المنحوتات الشهيرة التي تصف بطولات رمسيس الثاني في حربه ضد الحيثيين نحو العام 1274 قبل الميلاد. كان هذا النمط من المنحوتات، أي ذلك الذي يقدم رواية واحدة حول الحرب: إنها معركة ينتصر فيها القائد أو الملك، هو النمط السائد تقريبًا طيلة قرون: الفن لتمجيد الملك المنتصر وتخليد لاسمه.

ربما يعود السبب، في تركيز هذا الفن على القادة المنتصرين، هو أن أغلب هذه الأعمال كانت مدفوعة الأجر من قبل الأطراف المنتصرة أو من قبل رجال أو نساء الدولة لتخليد تاريخ ما من انتصارات الأسر الحاكمة.

استمر هذا النمط مهيمنًا حتى العصور الوسطى، وهي عصور شهدت طفرة فنية كبرى في موضوعاتها، لكنها لم تتجاوز التقليد القديم في تصوير الحرب في كونها نزاعًا له طرف منتصر وطرف مهزوم مسحوق. في هذه الفترات، كان فن الرسم أو النحت مدعومًا من سلطة حاكمة سياسية أو دينية، من النبلاء أو من رجال الدين، ونتيجة لذلك، تشكلت ذاكرة فنية محددة، فيها تصور عن الحرب أنها تنفيذ لرؤية السلطة عن كيفية توثيق حروبها أو كيفية نشر صور انتصاراتها.

 

بروباجندا حربية

أغلب الفن البصري المتخذ من الحرب موضوعًا له آنذاك، كان معنيًّا إما بتصوير بطولي للقادة أو الملوك في مقابل تصوير ضعف وخسة الأعداء. وكانت لذلك وظيفة مباشرة في بعض الأحيان في دعم قادة هذه الحروب وإقناع العامة بالانضمام إلى صفوف القوات الشجاعة المقاتلة. فنجد الفنان الإسباني دييغو فيلاثكيث (DiegoVelázquez) يختار لحظة استسلام الجيش الهولندي وتسليم مفتاح مدينة بريدا موضوعًا للوحته التي تحمل نفس الاسم «استسلام بريدا» (La rendición de Breda) كوسيلة لإظهار هشاشة الجيش الهولندي واضطرابه وانسحاقه أمام الجيش الإسباني.

هنا كان الفن يلعب دورًا أقرب إلى البروباغندا الحربية. فمع انعدام وسائل توثيق الحدث كما في العصور التالية (كدور الصحافة والفوتوغرافيا في رصد أبعاد أخرى للحروب غير فكرة المنتصر والمهزوم)، كان الاعتماد الأساسي عن معرفة أخبار الحروب من القصص المروية واللوحات مرسومة أو منحوتة. ولذلك كان ينفق الحكام على الفن لاستخدامه كأداة لتوثيق تاريخهم أو لنشر صورة مرغوبة عن الحرب لدى البسطاء.

لن تجد أفضل معبر عن هذا التوجه أكثر من اللوحات التي صورت الحملات الصليبية. كانت لديها مهمة وهي العمل على ربط الصورة الذهنية لدى العامة بين الحرب والدين في مزج يجعلها حروبًا مقدسة تدعمها الملائكة. هل هناك رسالة أكثر وضوحًا من رسمة رفائيل «هدية الملاك للجندي الصليبي» (Angel’s Gift To Crusader) على جدار الفاتيكان لملاك يكافئ أحد الجنود بالمجوهرات في إشارة لمباركة الحروب وأيضًا لتحفيز الجنود لما قد يتلقونه من ثروة.

 

رؤى متصارعة

انتهت العصور الوسطى، واستقبلت أوروبا عصرًا جديدًا؛ عصر العلم والاكتشافات والمفاهيم الفلسفية حول مركزية الإنسان في الكون. ولكن تأثرًا بمبادئ الثورة الفرنسية، بدأ في الظهور مع بدايات القرن التاسع عشر بعض الفنانين الراغبين في تسليط الضوء على الجنود المحاربين، كأعمال الفرنسي هوراس فيرنيه (Horace Vernet) أو الإنجليزية إليزابيث تومسون أو ليدي بتلر (Elizabeth Thompson) صاحبة لوحة «الفوج الثامن والعشرون في كواتر براس» (The 28th Regiment at Quatre Bras) وهي عبارة عن لوحة زيتية على قماش من عام 1875، وفيها يصطف الجنود بمنتصف اللوحة في إشارة لا تخطئها عين لأهمية جموع الجنود وليس القادة. كانت هذه رؤى تحاول مزاحمة التقليد التاريخي في أن الفن يخدم الطرف المنتصر في الحرب.

فحتى مع انتهاء العصور الوسطى، استمر استخدام الفن للتوثيق مع تعظيم القائد وتصوير هزائم العدو. ففي أعقاب الثورة الفرنسية ومع توسع النزاعات المسلحة بفعل طموحات نابليون بونابرت، فيما يعرف بالحروب النابليونية (Napoleonic Wars)، انهمك رسامون في تصوير نابليون، البطل ورمز العسكرية والقيادة على ما نراه في اللوحات الخمس التي رسمها الفرنسي جاك لوي دافيد بعنوان «نابليون عابرًا جبال الألب»، أو في لوحة «نابليون في ساحة معركة إيلاو» (Napoléon on the Battlefield of Eylau) وفيها نابليون وسط اللوحة وهو ينظر من أعلى صهوة جواده إلى الجنود القتلى والجرحى، وصولًا إلى اللقطة التاريخية في لوحة «بونابرت أمام أبو الهول» للفرنسي جان ليون جيروم، وفيها يقف نابليون ممتطيًا جواده في مواجهة الأثر الخالد أبي الهول خلال الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801).

 

الإنسانية تدخل على الخط

خلال القرن التاسع عشر، بدأت الذاكرة الفنية تتغير شيئًا فشيئًا. تغيرت الظروف العامة في القارة الأوروبية، ومعها تغيرت أبعاد العلاقة بين الفن والسلطة. من رحم هذه الصراعات، وُلدت مساحات ظهر من خلالها فنانون مستقلون عن السلطة، ومعها ظهرت أنواع من الفن التشكيلي المعنية بموضوعات أوسع من طلبات ورغبات الطبقات الأرستقراطية. كما أنه ومع انتشار الصحافة المطبوعة، أصبح هناك تناقل أسرع لأخبار الحرب وقصص المعاناة والآلام التي يعانيها الجنود. وترتب على ذلك ظهور نوع آخر من الفن المرتبط بالحرب، وهو نوع، يمكننا القول، أكثر إنسانية. فظهرت بعض الأعمال المعنية بتصوير الحرب كمعاناة بشرية وأصبح الفنانون يبحثون عن قصص الجانب الإنساني للحرب وتصوير مآسي وجرائم الحرب.

في لوحة «مذبحة خيوس» (Chios massacre) للفرنسي يوجين كلاكروا (Eugène Delacroix) تصوير لمشاهد مأساوية الحرب وأثرها المروع في النفس البشرية. في اللوحة، نحن أمام مجموعة من البشر تنطق وجوههم بألم عميق من الحرب، فيما الفضاء خلفهم يحمل دمارًا هائلًا. من أشهر هذه الأعمال كذلك أعمال جويا عن الحرب الإسبانية بين العام 1810-1820، إذ أنتج 82 مطبوعة تحت عنوان «سلسلة كوارث الحرب» ركز فيها على إهدار كرامة المدنيين وتعذيبهم ووحشية القتل المتكررة في الحرب.

وخلال منتصف القرن التاسع عشر، وخصوصًا مع ظهور فن التصوير الفوتوغرافي أصبح فن الحرب أداة لإظهار بعض الحقائق عن طبيعة الحرب وحجم الدمار الناتج عنها لجميع الأطراف. فكان فن التصوير الفوتوغرافي هو بديل عن الرسم في توثيق المعارك والأسلحة. كانت البداية مع لقطات فوتوغرافية لجنود في أوضاع الثبات ومواقع التمركز، نظرًا لصعوبة التقاط صور في أثناء الحركة. من أشهر هذه الأعمال الفوتوغرافية لقطات الجراح الإسكتلندي جون ماكوش (John McCosh) للحرب الأنجلو- سيخية الثانية بالهند، إذ أنه وثق لنا صور القادة والجنود والأسلحة المستخدمة وطبيعة أماكن الصراع قبل وبعد الاشتباكات.

ومع دخول القرن العشرين، وتطور الفوتوغرافيا وصغر حجم الكاميرات، أصبح من الممكن التقاط الصور أثناء الاشتباكات وتوثيق جميع جوانب الحرب. ولما كان للفوتوغرافيا مجال أوسع للطبع والنشر، أصبحت صور الحروب الواقعية أكثر انتشارًا وأكثر وقعًا في نفوس العامة. مع وضوح بشاعة حقيقة الحروب ومدى وحشيتها، ويمكن القول مع اشتداد ضراوة الحروب بدخول الأسلحة الحديثة والزيادة المهولة في أعداد الجنود، أصبح من الصعب على الكثير من الفنانين تمجيد المعارك والقادة في فنهم وأصبح التحول نحو قصص معاناة الأفراد والجنود هو الاختيار الأكثر إنسانية.

فأثناء الحرب العالمية الأولى أرسلت الحكومة البريطانية بشكل رسمي بعض الفنانين لجبهاتها المحاربة لتصوير الحرب والكتابة عنها، للتوثيق وأيضًا لإنتاج مواد مصورة يمكن استخدامها للبروباغندا الحربية داخل أراضيها، وكان ذلك هو بداية استخدام مصطلح «الفن الحربي» بشكل رسمي. ولكن على خلاف المتوقع كان على أغلب الفنانين، الذين كان عليهم الوجود على أكثر جبهات أشد الحروب وحشية وضراوة في التاريخ الحديث، والمشاركة في المعاناة التي تقع على الجنود، فأصبح أغلب ما ينتجون من فن هو توثيق لتجاربهم الشخصية.

لذا جاءت أغلب الأعمال الفنية عن الحرب مليئة بالمرارة كأعمال بول ناش (Paul Nash) والتي تصور مدى الدمار الذي أحدثته الحرب في صور أبوكالبسية قوية يظهر فيها أحيانًا الجنود مهلكين وخائفين في حالة من التيه والصدمة. في إحدى رسائل بول لزوجته يقول «لم أعد بعد فنانًا، بل رسولًا سيعيد الكلام من الرجال المقاتلين لأولئك الذين يريدون أن تستمر الحرب إلى الأبد… ولعلها تحرق أرواحهم الرديئة».

الذاكرة الفنية معارضة

لم يكن تحرر الفن من السلطة السياسية هو تحول كامل للفنون المستقلة. فظل هناك اهتمام كبير بالفنون البصرية كأداة للبروباجندا، ولكن وجود الفن المستقل سمح بوجود فن معارض للحرب أيضًا. فعلى سبيل المثال استخدم الحزب الشيوعي السوفيتي العديد من الفنانين في نشر الأيديولوجية الجديدة للحزب الحاكم بعد الثورة البلشفية. فظهرت مدرسة من الواقعية الاشتراكية في الفنون البصرية (والتي سيستمر الحزب في دفعها كجزء من الحرب الثقافية أثناء فترة الحرب الباردة مقابل مدارس الفن التجريدي الأميركية). كما استخدمت ألمانيا النازية أيضًا فنون التصميم والرسم في نشر بوسترات داعمة للحرب أو في استقطاب الجنود.

وعلى المنوال نفسه سارت دول عدة في مثل هذا التحشيد كالولايات المتحدة الأميركية. ولكن على الجانب الآخر، ولما كان للحربين العالميتين أثر كبير من الدمار والإحباط، خرج من رحم هذه التجارب القاسية نوع جديد للفن الحربي، وهو فن نشط ضد الحرب، فخرج الفن عن قالبه التأملي المحايد لتكون له وظيفة مباشرة في التأثير على صانعي القرار ومواجهة قرارات الحرب. فكان من أشهر الفترات في اشتباك الفن في العمل السياسي ضد الحرب هي حركة «فن المظاهرات» أو الفن كنشاط سياسي، المصاحبة للمظاهرات ضد الحرب الفيتنامية في الولايات المتحدة. حيث تخطى الفن وظيفة التوثيق للحرب وإنما أصبح أداة لنشر الوعي أو الضغط ضد الحرب.

الفن شافيًا من وطأة الحرب

من الأشكال الأخرى المعاصرة المشكلة لعلاقة الفن المعاصر بالحرب التي تحتفظ بها الذاكرة، هو استخدام الفن كأداة لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة الناتج عن التعرض للعنف. العلاج الفني هو أحد الطرق الحديثة في علم النفس والتي ظهرت في منتصف القرن العشرين، وكان أحد مؤسسيها أدريان هيل (Adrian Hill)، هو واحد من فناني الحرب المشاركين بالحرب العالمية الأولى. تم إرسال أدريان بواسطة المتحف الحربي الملكي لتوثيق الحرب على الجبهة الغربية بفرنسا وبلجيكا وبعد عودته رفض المتحف عرض الكثير من أعماله مدعيًا أنها خارج ما طُلب منه تغطيته. كانت أعمال أدريان مثل العديد من فناني الحرب العالمية الأولى تصور مدى الدمار الذي خلفته الحرب ومدى ضآلة وضعف الجسد الإنساني مقابل آلات القتل الحديثة.

بعد عودته من الحرب وفي أثناء وجوده بأحد المستشفيات للعلاج من الربو، كان أدريان يستخدم الرسم كطريقة لتحسين حالته النفسية، ولاحظ أن لذلك تأثيرًا في حالته الجسدية أيضًا. في نفس الوقت طُلب منه الاشتراك ببرنامج جديد لتعليم الجنود العائدين من الحرب الرسم كأداة للتهدئة وتقبل العلاج. من خلال هذا البرنامج قابل أدريان إدوارد آدمسن واشتركا معًا في تأسيس فرع لعلم النفس قائم على العلاج من خلال الفن، والذي أصبح اليوم من المجالات المنتشرة في علم النفس العلاجي والمعترف بها عالميًّا في علاج اضطراب ما بعد الصدمة.

أما من أكثر مدارس الفنون البصرية المرتبطة بالحرب الموجودة الآن فنجد ما يمكن أن يطلق عليه فن ما بعد الحرب. ظهر هذا النوع من منتصف القرن العشرين ويتشكل من محاولات الفنانين من أماكن النزاع في التصالح مع تاريخ الحرب. يمكن فهم ذلك من خلال أعمال الفنانين اللبنانيين بعد الحرب الأهلية في محاولة للالتئام والبحث عن علاقة المكان بتاريخ العنف والدمار.

فنجد في أعمال وليد رعد المسماه «مجموعة الأطلس» مزج بين الواقع والخيال في مشروع متخيل لتوثيق الحرب يستطيع الفنان من خلاله التعامل مع تشوه الذكريات وعلاقتها بالذاكرة الجمعية للبنانيين بعد الحرب. لم يكن لظهور أي من هذه المدارس الفنية لحظة تاريخية محددة تعيها الذاكرة. إنما تداخلت الأفكار والاتجاهات لتدفع بعضها البعض لإنتاج أفكار ورؤى تعبر عن صراع الإنسانية وذاكرتها في الفهم والتعبير عن الحرب. كما لم تظهر هذه الاتجاهات الفنية في تاريخ محدد، فهي لم تنته أبدًا، وتظل جميع هذه المدارس والاتجاهات حاضرة في الإنتاج الفني الحالي جنبًا إلى جنب.

 

نٌشر هذا المقال في العدد 69 من مجلة «الإنساني» الصادر في خريف/ شتاء 2021. للاطلاع على محتويات العدد، انقر هنا. للاطلاع على العدد كاملًا، انقر هنا.

يمكنكم الحصول على عدد مطبوع من المجلة التي توزع مجانًا من خلال بعثاتنا في المنطقة. انقر هنا لمعرفة عناوين البعثات. 

نشرنا في السنوات الماضية، مجموعة منوعة من النصوص حول الأدب والحرب، انظر مثلا:

يوسف بزي، بيروت السلم شعرية، بيروت الدمار روائية: خراب المكان كما تسرده الرواية اللبنانية

فيروز كراوية، «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي»…مدن القناة المصرية وتجربة مقاومة الحرب بالغناء

سيد ضيف الله، الجماعة الشعبية وصياغة قواعد أخلاقية لحروب السيرة الهلالية

مهدي يزداني خرم، الأدب في مواجهة الحرب: أحياء إلى الأبد

شيرين أبو النجا، زمن الحروب الجديدة…الرواية العربية في مواجهة كابوس الحرب

فراس محمد، أزمات شحنت العين والعاطفة… الحرب والصراع كما تعكسهما مرآة السينما السورية

سحر مندور، حضور المدن في صور دمارها